على مدى العقود التي اعقبت قيام إسرائيل، ظل عدم الإعتراف الرسمي بها احد ثوابت الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان منذ استقلاله عن بريطانيا في العام 1956، لكن مؤخراً برزت دعوات لإعادة النظر في ذلك الموقف عبّر عنها مسؤولون حكوميون وقادة احزاب سياسية بعضها يستند إلى مرجعيات إسلامية.

آخر تلك الدعوات والتي أثارت جدلاً كثيفاً في الأوساط السياسية السودانية صدرت هذا الإسبوع عن نائب رئيس الوزراء السوداني ووزير الإستثمار مبارك الفاضل المهدي، والذي دعا لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وفقاً لما اسماه بـ “مصالح السودان وليس العاطفة”.

وقال المهدي في لقاء مع قناة (سودانية 24) التي تُبث من الخرطوم ‘‘الناس انساقت عاطفياً وراء القضية الفلسطينية، على الرغم من ان الفلسطينين هم من باعوا اراضيهم’’ وأضاف ‘‘كل الدول طبّعت علاقاتها مع إسرائيل وقضية فلسطين أخرت العالم العربي، وحان الآوان لتنظر كل دولة لمصالحها’’.

واتهم المهدي حركة (حماس) بأنها صنيعة إسرائيلية الغرض لتصبح ترياقاً لحركة المقاومة التي يقودها القوميين الفلسطينيين، واشار إلى أن بعض الأنظمة العربية استغلت قضية فلسطين لقهر شعوبها، وتابع: ‘‘ الفلسطينيين لم يرفضوا الجلوس مع اسرائيل ولديهم معها اتفاقيات خاصة بما فيهم حركة (حماس) ونحن انشغلنا بالعاطفة دون وعي’’.

وفي الجانب الآخر احتفت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية بدعوة المهدي، ونشرت خبراً بارزاً على صفحاتها اوردت فيه حديث الوزير السوداني ورئيس حزب الأمة الذي يُشارك في الحكومة الإئتلافية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ذو المرجعية الإسلامية.

وفي تعليق الصحيفة الإسرائيلية على الخبر قالت ‘‘هذا هو تعبير استثنائي في البلاد، التي لا تعترف بإسرائيل ولا تقيم معها علاقات دبلوماسية’’.

امّا على المستوى الداخلي فقد أكدت (هيئة علماء السودان) المُقربة من الحكومة، بُطلان دعوة المهدي للتطبيع مع اسرائيل للحفاظ على المصالح القومية للبلاد، واشارت إلى أنها تُعبر عن رأي شخصي لمبارك وتخصه وحده ولا تُعبر عن الموقف الرسمي للحكومة.

وطبقاً لما نقلته (وكالة السودان للأنباء) عن رئيس الهيئة محمد عثمان صالح، فإن دعوة التطبيع مع إسرائيل تتعارض مع ثوابت الأمة الإسلامية ومؤتمر اللاءات الثلاث الذي عُقد في الخرطوم عام 1967، والذي خرج بـ (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل).

من ناحيتها استنكرت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) تصريحات المهدي، وقال في بيان صادر عنها ‘‘هذه التصريحات غريبة عن قيم ومبادئ وأصالة الشعب السوداني المُحب لفلسطين والداعم للمقاومة’’ ووصف البيان التصريحات بالخارجة عن أعراف الأمة العربية والإسلامية.

وبحسب بيان (حماس) فإن التصريحات تنم عن جهل بالقضية الفلسطينية، بينما دعت السودانيين لرفضها وذلك لتناقضها مع المواقف المُشرفة للسودان تجاه قضية فلسطين بحسب ماذكرت.

تصريحات المهدي الداعية لتطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل ليست هي الأولى من نوعها، ففي شهر فبراير الماضي طالب رئيس حزب الوسط الإسلامي في السودان، يوسف الكودة، بإقامة علاقات مع إسرائيل. وقال “مقاطعة إسرائيل تسببت بأضرار كثيرة للسودان”.

وشدد الكودة في محاضره بالخرطوم حول العلاقة مع إسرائيل، على ضرورة مراجعة العلاقات السودانية الإسرائيلية وموقف السودان، لجهة أن السودان ليس لديه مشاكل أو حدود مع إسرائيل بخلاف موقفه من القضية الفلسطينية، ونوه لإقامة عدد من الدول العربية والإسلامية لعلاقات مع إسرائيل.

وقال رئيس حزب الوسط الإسلامي: “مقاطعة إسرائيل موقف من المواقف وليس مبدأ لكون أن المواقف تتغير بينما لا تتغير المبادئ”. واضاف: “إسرائيل لم تتضرر من المقاطعة وإنما تضرر منها السودان، ورغم مرور زمن طويل لم يجلس الناس لمناقشة المقاطعة وكأنها مُرادة لذاتها أو واجب ديني.

وفي يناير الماضي لم ينف وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، عزم الخرطوم تطبيع علاقاتها مع اسرائيل مقابل رفع الحكومة الأمريكية لعقوباتها الإقتصادية على بلاده. لكنه رد على سؤال أحد الصحافيين في البرلمان بشكل مقتضب وقال ‘‘كل شئ وارد في العلاقات الدولية’’.

“إن مثل هذه التصريحات تعتبر مناورات من جانب الحكومة السودانية أو تمهيد لخطوة قادمة في هذا الإتجاه لاسيما ان بعضها صدر عن مسؤوولين من العيار الثقيل”، وفقاً للأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية محمد أحمد شقيلة، والذي لم يحدد ملامح وطبيعة تلك الخطوة القادمة، لكنه ربطها بتحسّن علاقة السودان مع الولايات المتحدة الأمريكية ومسألة رفع العقوبات الإقتصادية التي تفرضها واشنطن على الخرطوم.

وقال شقيلة لـ (الطريق) إن الطبيعة العدائية للحكومة السودانية تجاه إسرائيل لن تكون امراً مقبولاً لدى الإدارة الامريكية التي ترى في تل ابيب حليفاً استراتيجياً في المنطقة، وبالتالي أي تطور إيجابي في علاقة الخرطوم بواشنطن لابد ان يستصحب معه موقف السودان من دولة إسرائيل.

وبحسب الباحث في العلوم السياسية، ليس هنالك حرج في إنتقال الحكومة السودانية لمربع جديد في علاقتها مع اسرائيل، لاسيما ان حلفائها الرئيسيين مثل تركيا لديهم علاقات مع إسرائيل وصلت لمرحلة التعاون العسكري، ذلك بخلاف دول أخرى مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، استطاعت إقامة علاقات طبيعية مع تل ابيب، الأمر الذي يحتم على السودان النظر لمصالحه في المقام الأول.

وقلّل شقيلة، من تأثير المجموعات المُتشددة في السودان، والتي ترفض إقامة علاقة مع إسرائيل، لجهة ان اسرائيل معترف دولياً ولايوجد أمام السودان سوى خياران إمّا الإستمرار في المقاطعة والتي اصبحت غير منطقية أو التعامل مع الوضع الطبيعي القائم.

ولم يستبعد تأثير الوجود السوداني في اسرائيل والذي ينتمي اغلبه للحركات المسلحة في اطراف السودان، والتي أوضح انها إذا جاءت للسودان سيكون لها دور في خلق هذه العلاقة، لذا ربما ترى الحكومة السودانية الأفضل لها ان تتبنى هذا الإتجاه بدلاً عن فرضه عبر تلك المجموعات.

الخرطوم- الطريق

https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/السودان-واسرائيل.jpg?fit=300%2C169&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/السودان-واسرائيل.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرعلاقات خارجيةعلى مدى العقود التي اعقبت قيام إسرائيل، ظل عدم الإعتراف الرسمي بها احد ثوابت الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان منذ استقلاله عن بريطانيا في العام 1956، لكن مؤخراً برزت دعوات لإعادة النظر في ذلك الموقف عبّر عنها مسؤولون حكوميون وقادة احزاب سياسية بعضها يستند إلى مرجعيات إسلامية. آخر تلك...صحيفة اخبارية سودانية