للتعرف على طبيعة استعدادات المحامين لخوض انتخابات النقابة هذا العام، بحثت في ثنايا التصريحات التي يطلقها “القادة التاريخيين” عن شيء جديد فلم أجد سوى نفس تلك الشكوى من ان الانتخابات الماضية قد تم تزويرها، وان ذلك الأمر لن يمر على المحامين هذه المرة. ومبلغ ظني انهم يتحدثون عن قدرتهم على كشف التزوير بمعني كشف (الخدعة) هذه المرة بتفسيرها بعد وقوعها لزوم المؤتمر الصحفي، وليس التحوط لوقوعها او إفشالها وأخذ المزورين الى ساحات العدالة والرأي العام بما قاموا بتوثيقه بمهنية ودقة من بينات ووثائق.

لكن التكرار التقليدي للأخطاء يصور الامر برمته على انه في الأصل لعبة مسلية تقام كل اربعة أعوام، فاذا كانت انتخابات نقابة المحامين قد زُوِّرت خلال السبع وعشرين عاما الماضية على التوالي فمن الطبيعي ان تُزوَّر هذا العام، فالمراقب العادي سيندهش ان فازت مجموعة غير المؤتمر الوطني.

لقد شهدنا العديد من الحملات التي يطلقها المحامين السودانيين تحت شعار “من اجل استعادة نقابة المحامين”، التي تنتهي بعد خسران الجولة الى اتهام النقابة بتزوير الانتخابات كل أربعة أعوام دون كلل او ملل، ودون النظر في حل لهذه المشكلة المتكررة. هذا على الرغم من ان المحامين لديهم وسائل عديدة لمناهضة هذا التزوير. وهنالك مرتكزات أساسية استعرضها هنا كأساليب لهذه المناهضة.

يكتفي المحامين بالانكباب على الرول (قائمة بأسماء المحامين) الذي تنشره النقابة قبل الانتخابات بوقت قصير جدا. وهذا الإعلان المتأخر للقائمة يعتبره المحامين واحدة من العوائق في حين انهم يعلمون انهم لديهم طريقة للحصول على القائمة الاصلية من واقع السجلات نفسها وليس كما تنشرها النقابة. فان النقابة تلزم كل المحامين قبل الانضمام للمهنة بتقديم شهادة التخرج من الجامعة وشهادة المعادلة وايداعها، بل يشترط ان تكون (مغلفة) لأنها ستحفظ في سجل المحامي في اضابير النقابة الي الأبد. والمفيد والاهم خلف هذه المعلومة هو انه السجلات تثبت بشكل قاطع ان أي محامي مصرح له بمزاولة المهنة لابد ان يكون لديه ملف تحتفظ به النقابة يحتوي على كافة المستندات، ويحتفظ مكتب النقابة بسجل لكل محامي يوضح آخر تجديد ورقم الايصال، وبالتالي فان اي رول يستخرج يجب ان يكون من واقع هذه الملفات، وما على المحامين الا ان يقوموا بإعداد رول يخصهم من واقع هذه المستندات.

هذا الرول، هو الأداة الأرضية الصلبة لدعوى التزوير وسندهم امام المحاكم. فمن السهولة الطعن وبكل اطمئنان في صحة تصويت أي شخص لم يكن ضمن هذا الرول وبالتالي يكون لديهم الرقم الحقيقي للمحامين واسماءهم من واقع هذه الملفات، هذا يؤكد الجدية في خوض انتخابات بصورة مهنية بدلا الانتظار في باحة النقابة للحصول على النسخة التي تتفضل بها النقابة بعد طبخها لنشرها في البورد. هذه نقطة اولى، لم ينجح المحامين فيها لسبب واحد هو انها تحتاج الى جدية واهتمام. فالتحضير للانتخابات يكون بهذه الطريقة والاستعداد للمطالبة بتمكينهم من الاطلاع على سجل النقابة والزامها بتسليمهم نسخة معتمدة بختمها من الرول أيضا معركة قانونية يجب خوضها من الآن.

عند اعداد رول من واقع السجلات بالإضافة الى الحصول على رول معتمد من النقابة للمقارنة يكون نصف المشوار لمحاصرة التزوير قد انتهى.

الخطوة الأهم هي إنزال هذه القوائم في برنامج رقمي (Data Base) بحيث يكون لدى كل تيم مراقب في المركز جهاز مزود بهذا البرنامج، بحيث يمكنه  ذلك من سرعة استدعاء الاسم والتعليق عليه  وتسجيل الاعتراض امام القاضي، على الرغم من عدم حياد القضائية لكن من الغباء المطالبة بان تشرف على النقابة جهة اخرى كما طالب احد “القادة التاريخيين”، لأنها ستكون جهاز الامن بالضرورة. كما يتمكن بذلك من تصوير البطاقة وتصوير الشخص المصوت داخل المركز كواحد من الأدلة على التزوير لاحقا امام المحكمة. الاعداد لعرض قضية بهذا المستوى هو ما يليق بالمحامين وما يتوفر لديهم من قدرة على جمع واستخدام المستندات. للأسف هذه هي المعارك التي لا يرغب المحامين في خوضها.

التزوير يتم بطرق معروفة ومتكررة أولها استخراج بطاقات لرجال الأمن، ويحضروا الى مراكز الاقتراع في آخر لحظة مساء للتصويت فيغيروا بذلك النتيجة بناء على إحصاءاتهم حول العدد المطلوب. يعتمدون كذلك على أساليب موازية بشراء الوضيعين من المحامين، أولئك الذين يقبلون بيع ضمير مهنتهم ببعض النثريات وسداد رسوم تجديد التسجيل. قد يستغرب البعض ان قلنا هنالك اعداد كبيرة من هذه الفئات وسط المحامين، على الرغم من انهم في نهاية الامر لن يغيروا النتيجة بدون حدوث تزوير.

يكتفي المراقبين في مراكز الانتخابات بالنظر الى البطاقة التي يبرزها الشخص المصوت في مركز التصويت، هذا لأنهم لا يستخدمون برنامج الكتروني لإدخال معلومات المصوتين (ربما يحدث الآن، لنتفاءل) لا يتم وضع كاميرات تصوير بالفيديو في مراكز التسجيل حتى تكون حجة لاحقا ولا تصور المستندات المقدمة للتصويت خاصة هذه البطاقات المضروبة. وبالتالي تفوت فرصة التعرف على الشخص لاحقا في حال الطعن في كونه ليس محاميا من واقع الملف الذي تحدثنا عنه في البدء.

على الرغم من ان المحامين يعلمون ان الانتخابات سيتم تزويرها بهذه الطريقة الا انهم لا يتحدثون عن أي خطة لمواجهة التزوير، بل يكون حديثهم عن الاستعداد منصب في الندوات التي يتحدثون فيها لأنفسهم ثم يدخلون “المعركة” وهم يتمنون الفوز، وفي إمكانهم ان يعملوا منذ مرحلة الاعداد الى بناء قضية تزوير يكون هدفها الاول تقديم طعن يستطيعوا ان من خلال جمع هذه البينات ان يثبتوا امام المحكمة وقوع التزوير. كما يكون الهدف أيضا ملاحقة أعضاء جهاز الأمن جنائيا وكشفهم بإحضار ملف النقابة امام المحكمة، واحضار صور من البطاقات التي صوتوا بها بتصويرها لحظة التصويت وتصويره لحظة استلامه بطاقة التصويت من “القاضي” ضابط المركز. ليس امامهم بذلك الا استخراج شهادة الجامعة وشهادة اجتياز المعادلة وشهادة الترخيص، وهذا لن يشفع لهم.  فإذا استطاعوا ان يزوروا لهم شهادات فلن يستطيعوا ان يزوروا لهم سجلا مهنيا كاملا مثل اثبات العمل بالمهنة إيصالات التجديد واحضار ملفات النقابة ومن بعد ذلك يمكن تتبع الشخص والوصول الى حقيقته وفي هذا الجانب يمكن للادعاء ان يكشف ثغرات لا يمكن الالتفاف عليها مهما بلغ دهاءهم في التزوير.

هذا هو السبيل لبناء القضايا الاستراتيجية، لكن كل هذه الضجة لا تتعدى التكتيكات التقليدية من شاكلة ايجار شقق للمحامين القادمين من الاقاليم الأقاليم وتجميع موارد مالية للمواصلات الى آخره من التكتيكات عديمة الفائدة.

إذا تقاضينا عن المعارك الكرتونية التي تفتعلها بعد التنظيمات عديمة الوزن حول المقاعد وللدهشة تستغرق هذه المعارك من الوقت بما يجعلك تشعر انهم يفوزون في الانتخابات باستمرار فلماذا لا يتعاركون حول المقاعد.

علُى ان أقول في نهاية هذا السخط ، انه في ذلك الجو الخانق والمجاري الطافحة يقضي المحامون سحابة يومهم بين المحاكم والاقسام ليعودوا بعد منتصف النهار الى مكاتبهم التي هي في غالبيتها عبارة عن غرفة واحدة ضيقة وعديمة التهوية تتحول عند انقطاع الكهرباء الى قبو، وعلى الرغم من ذلك عليهم ان يعدوا أعمالهم لليوم التالي وما تبقى من هذا اليوم. ان واقع مثل هذا لا يخلق عملا مقنعا على كل المستويات.  لذلك ترددت كثيرا في دفع هذه الأفكار للنشر…دون ان أقول لكم التحايا وما ضاع حق وراءه مطالب.

علي عجب، المحامي

https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالنقاباتللتعرف على طبيعة استعدادات المحامين لخوض انتخابات النقابة هذا العام، بحثت في ثنايا التصريحات التي يطلقها 'القادة التاريخيين' عن شيء جديد فلم أجد سوى نفس تلك الشكوى من ان الانتخابات الماضية قد تم تزويرها، وان ذلك الأمر لن يمر على المحامين هذه المرة. ومبلغ ظني انهم يتحدثون عن قدرتهم...صحيفة اخبارية سودانية