إن الأمم العظيمة تحيا لكي تتذكَّر، لأن التذكر درجةٌ من درجات الحيوية والحياة، والنسيان درجةٌ من درجات الإهمال والموت، لذا نقفُ اليوم لكي نتذكر اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو سنوياً.

الصحفيون والصحفيات:

لطالما كانت الصحافة مثابة للناس في أوقات النصر وفي أوقات المِحنة، وظلَّت على الدوام مِحضَناً للفكر والاستنارة، وتياراً للوعي.

وطالما خَرجت الجماهير تبحث عندها الخبر اليقين في الساعات الحلوة وفي الساعات المرة، لذا شكَّلت الصحافة الحرة، شديدة الوعي بدورها الطليعي في حركة الوعي والاستنارة على الدوام، ضمير الأمة وزندها المفتول وجيشها الذي لا يُصاول.

الزميلات والزملاء:

ها نحن نستدبر عاماً كان مفعماً بالمعارك، ولا نقف اليوم لكي نتفاخر بما حقَّقناه من أسلفنا في تلك الأيام الخالية، لكن نقول اعتزازاً، وبعض الاعتزاز إيمان، إن ما حقَّقناه كان وفاءاً لشعبنا الذي ما كُنَّا لنتخلَّف عن معاركه الفاصلة، لذا فقد جاءت وقفة الصحافة السودانية العظيمة، غداة الحراك الشعبي في 27 نوفمبر و19 ديسمبر 2016م ضد نظام القهر والديكتاتورية، واضحةً لا لَبْس فيها، انحيازاً للحقيقة، وللجماهير ؛ فأشهر الصحفيون والصحفيات سلاح الإضراب للمرة الثانية بعد إضرابهم الأول بين يدي هبة سبتمبر 2013م.

وضَرَبت بعض الصحف، وجموعٌ واسعةٌ من الصحفيين السودانيين في أماكن شتى، أمثالاً نادرةً في الشجاعة والصبر ومقارعة السلطة القمعية، التي ازدادت نَقمَتها على الصحف بالدرجة التي ضاعفت عقوبتها بمصادرة ما وصفتها بـ(صحف العصيان) إلى ثلاثةِ أيامٍ متتالية.

ولعبت شبكة الصحفيين السودانيين دورها الطليعي كما ينبغي في تلك الأيام المجيدة، وجاءت مواقفها واضحة، تبثّ الحماسة في النفوس، وتبعث الثقة في غدٍ أفضل، متحرِّرٍ من الخوف والتهديد والعدوان.

وصَدَقت الصحافة ما عاهدت عليه، وما بدَّلت تبديلا. حتى تلك الصحف التي أُكرهت وقلبها مطمئنٌ بالإيمان. إذ لم يكن لأصحابها حيلة سوى ذلك، وكنا نعلم ما تكنّ قلوبهم وما يُعلنون.

الصحفيات والصحفيون:

تلك المواقف وغيرها جعلت الصحافة السودانية في “وش المدفع”، إذ تحوَّلت في نظر السلطة إلى العدو الأكبر الذي لابد من تدميره؛ وكما عاقبت آلهة الإغريق برومثيوس، بنهش الغربان لكبده، الذي ينبت في كلّ يوم، دفعت السلطة أجهزتها القمعية لتنهش كبد الصحافة السودانية، فتنوَّعت أسلحة “نهش الكبد” المتقرحة، واتخذت أشكالاً عدّة قانونية وغير قانونية؛ من مصادرة، رقابة، استدعاءات، بلاغات ومحاكمات، ثم إيقاف وتشريد، وضرب، إرهاب، تهديد وعدوان، في حملة شعواء لا تُبقي ولا تَذِر.

لكن السؤال، هل تَحقَّق للسلطة ما أرادت؟ نقولها بملء الفم، ونحن بالكِتاب مستمسكون، ولن نتراجع ولن نستسلم، حتى ننتصر أو نموت.

الزملاء والزميلات:

نَذكُر الآن جميع الصحافيين السودانيين، كلَّ من خطّ على التاريخ سطراً بالدماء، كل من صاحَ في وجه الظلم (لا).

نَذْكُر الذين تفرَّقوا في المهاجر والمنافي، لكنهم ظلوا على الدوام مع زملائهم في كل مكان، يشدّون أزر الصديق ويردّون كيدَ العدو، ويُعينُون على نوائب الدهر، والزمن الأليم.

نَذكُر الذين تواروا عن الأنظار بعد أن كانوا شموساً باذخةً، تهبُ الضياء ولا تَغيب، وأُقعدوا في ديارهم بفعل السنّ أو المرض، ونتمنى لهم موفور الصحة والعافية، والكرامة.

نذكُر الذين عبروا نهر الحياة إلى الضفة الأخرى، نرفع الأكف الضارعات إلى المولى القدير، أن يغسلهم بالماء والثلج والبرد، وأن ينقّهم من خطاياهم كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس.

وتهتبلُ سكرتارية شبكة الصحفيين السودانيين سانحة الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة لدعوة الزملاء والزميلات لفتح النقاش واسعاً في كلّ منابرهم، للحديث بحرية وفي الفضاء الواسع عما تَحقَّق فيما استدبرت، وتأملُ في تحقيقه فيما تَسْتَقبل.

الزملاء والزميلات:

منذ أيامٍ لاح ضوءٌ ضئيل في وسط الظلمة الكثيفة، تمثَّل في تبني مجمع الناشرين ومجلس الصحافة لحدٍّ أدنى لأجور الصحفيين، ابتداءاً نُثنِّي الخطوة مع أمنياتنا الصادقة أن تتبعها أخريات.

إن ما تحقَّق من تحديد حدٍّ أدنى لأجور الصحفيين كان نتاجاً لنضالات طويلة ابتدرتها الشبكة بمذكرة ممهورة بتوقيع أكثر من 800 صحفي في العام 2008م لمجلس الصحافة.

والشبكة إذ تحتفي مع القاعدة الصحفية بأولى مكاسب هذه النضالات، تدعو مجلس الصحافة لوضع الآليات المطلوبة لضمان تنفيذ الحدّ الأدنى للأجور، كما تحث الصحفيين على أن يكونوا بالتفافهم ضمانةً لانتزاع الحقوق ووقف تشريد الصحفيين والصحفيات.

الزميلات والزملاء:

إن المعركة طويلة.. وشبكة الصحفيين السودانيين لن تُسلّم الراية إلا لشعبها، عند اكتمال ساعة النصر، وكل عام وأنتم بخير وصحافتنا قوية كسيلِ الوادي المنحدر.

لقد آن للصحافة السودانية أن تطمئن وتأمن بعد خوف، أن أصبح لها درع وسيف.

صحافة حرة أو لا صحافة

الخرطوم- 3 مايو 2017م

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/12/hgh-300x168.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/12/hgh-95x95.jpgالطريقبياناتحرية صحافةإن الأمم العظيمة تحيا لكي تتذكَّر، لأن التذكر درجةٌ من درجات الحيوية والحياة، والنسيان درجةٌ من درجات الإهمال والموت، لذا نقفُ اليوم لكي نتذكر اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو سنوياً. الصحفيون والصحفيات: لطالما كانت الصحافة مثابة للناس في أوقات النصر وفي أوقات المِحنة، وظلَّت على الدوام مِحضَناً...صحيفة اخبارية سودانية