“كانت والدتي تشجعنا على القراءة.. لا زلت أذكر صيحاتها كلما طال وقوفي أمام المرآة، كفاية.. قيمتك ما في شعرك وتجميل وجهك، قيمتك فيما بداخل رأسك أحسن تمليه بالقراءة والمعرفة”. تحكي السياسية السودانية البارزة، والقيادية النسوية والشيوعية الراحلة، فاطمة أحمد إبراهيم، عن ذكريات طفولتها في بيت جمع بين العلم والدين.

“عندي أمنية واحدة إني قبال ما أموت، ألم أطفال الشوارع”، تضيف إبراهيم، الحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 1993، في مقابلة تلفزيونية والدموع تُمطر وجهها الأسمر.

ورحلت إبراهيم المولودة في العام 1933 بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، واول امرأة في السودان والشرق الأوسط  وافريقيا تدخل إلى البرلمان، في مايو 1965، أمس السبت بالعاصمة البريطانية لندن، عن نحو 85 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

ومنذ أن أعلن خبر رحيل إبراهيم، والتي منحتها جامعة كاليفورنيا الاميركية الدكتوراه الفخرية عام 1996 نسبة لجهودها في في قضايا النساء واستغلال الاطفال صباح أمس، نعتها الأحزاب السودانية، على رأسها الحزب الشيوعي السوداني الذي انتمت إليه منذ العام 1956،  والذي قال في بيان له ” يحي الحزب الشيوعي الدور الكبير والفعال الذي لعبته من أجل الوطن ونهضة المرأة السودانية وبناء الحزب وسط النساء السودانيات”. وأضاف ” يهيب الحزب الشيوعي بكل أعضائه والقوى الديموقراطية والوطنية والتنظيمات السياسية والنسائية والشبابية والطلابية وجماهير الشعب السوداني عامة للمشاركة بفعالية في موكب التشييع، بما يليق بمكانة الفقيدة ودورها في الحركة الوطنية والإنسانية  السودانية والعالمية.. لها الرحمة والمغفرة والعزاء لأسرتها ولجماهير الشعب السوداني”.

وسرعان ما نعاها الحزب الشيوعي المصري، وأحزاب اشتراكية وشيوعية ومنظمات أخرى حول العالم، بينها الاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي والجمعيات الأعضاء في المركز.

وقال الحزب الشيوعي المصري، “كانت الرفيقة الراحلة عضوة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، ورئيسة الاتحاد النسائي السوداني، ورئيسة الاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي سابقاً، واول نائبة برلمانية في السودان وافريقيا والشرق الأوسط، كما أسهمت المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم بفعالية في القضايا الوطنية وتحرير البلاد من الاستعمار ومقاومة الأنظمة الديكتاتورية الغاشمة، وساهمت في قضية تحرير المرأة السودانية من الاضطهاد والجهل والنضال من أجل مساواتها في الحقوق مع الرجل، وحقها في العمل السياسي حتى نالت المرأة حق الاقتراع والترشيح والترشح، حتى تبوأت المرأة في السودان عبر النضال المثابر مكانها وحقها في شغل الوظائف العليا بالدولة وحقها في الأجر المتساوي للعمل المتساوي.

وأضاف نعي الحزب الشيوعي المصري ” الفقيدة زوجة الشهيد المناضل الرفيق الشفيع أحمد الشيخ سكرتير اتحاد عمال السودان ونائب رئيس اتحاد العمال العالمي، والحزب الشيوعي المصري إذ يتقدم بخالص العزاء والمواساة للحزب الشيوعي السوداني وللشعب السوداني وقواه الوطنية والتقدمية ولأهل الفقيدة وعائلتها.. نؤكد على أنه سيتذكر الجيل الحالي وستتذكر الأجيال القادمة مسيرة الرفيقة فاطمة احمد إبراهيم وستكون نبراساً يضئ طريق الحياة الحرة الكريمة وعدم التمييز في كل انحاء الوطن العربي”.

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر، بآلاف المشاركات، التي تعدد مآثرها، ورحلتها الطويلة في انتزاع الحقوق والنضال.

وقال الدبلوماسي الإرتري السابق، فتحي عثمان، في صفحته على الفيسبوك “اليوم فجعت البسالة بفقد الكنداكة فاطمة أحمد إبراهيم، تلك التي كانت كلمتها للظالمين: ” هووووي” وكفى”.

ويروي عنها الصحفي السوداني إبراهيم علي إبراهيم المقيم بالولايات المتحدة، قصة كان حاضراً لها : “في العام 1999 حضرت اجتماعات التجمع الوطني الديموقراطي.. ونعت التجمع يومها في خطبة صاخبة حينما هاجمت قادة الطوائف.. وقالت إنهم يجرون المعارضة لمصالحة النظام.. وقد كان “.

يضيف إبراهيم: ” أخذها د. الشفيع إلى خارج القاعة لتهدئتها ولكن غضبتها كانت غير طبيعية، رأت ما لم نره، كانت رؤيتها ثاقبة حادة، لم تكن ترحم حتى حزبها الشيوعي، كانت لا تعرف الأحاديث في الصالونات، لم تكن تعرف القطيعة… كان صوتها عالياً، وقفت ضد النميري، على طول الخط لم تفلح معها الاعتقالات والسجون.. حتى رحيله في ثورة شعبية.. تجاوزت الربيع العربي بعقود”.

“فاطمة احمد إبراهيم، التزام أخلاقي واحترام لقيم وتقاليد وأعراف الشعب السوداني.. إنها كتاب كبير .. همة عالية وعطاء متصل، ومواقف ثابتة لا تتزحزح.. هذا يوم حداد وطني فقد رحلت أم السودانيين “.

إلى ذلك، أعلنت اللجنة القومية لتشييع وتأبين الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم والتي تكونت من التنظيمات السياسية والديموقراطية والنسوية ومن أسرة الفقيدة وأبناء حي العباسية بأم درمان عن تكفلها بنفقات ترحيل الجثمان وترتيب كافة التفاصيل .

وتزامن ذلك مع إعلان الرئاسة السودانية، نيتها في تحضير جنازة رسمية باعتبار الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم خدمت وطنها طيلة عقود “بإخلاص وتفانٍ”.

يذكر، أنه بعد منتصف تسعينات القرن الماضي، إبان العمل المسلح الذي كان يقوده التجمع الوطني الديموقراطي المعارض، والذي كانت قيادته تتخذ من العاصمة الارترية، أسمرا مقراً لها، كانت الحكومة السودانية في الخرطوم، تناصب إبراهيم العداء، وتتهمها مراراً في التلفزيون والإذاعة الرسميتين، بالخيانة والتآمر، والخروج عن الإسلام، وهو الأمر الذي قد يلقي بظلاله على نية الحكومة إقامة جنازة رسمية لها.

والتقت إبراهيم بالرئيس السوداني، عمر البشير في مناسبة اجتماعية، بمدينة القطينة جنوبي الخرطوم، بعد عودتها للسودان بعد اتفاق السلام الشامل، في 2005، بعد أن كانت غادرت البلاد منذ العام 1990، وأثارت تلك المقابلة الاجتماعية جدلاً كثيفاً في الصحافة السودانية وقتها، وأتبع البشير ذلك بحديث طيب عنها، ما قد يُعد بمثابة اعتذار لماما فاطمة حسبما يناديها سودانيون كثر بهذا اللقب.

تحكي أول امرأة افريقية مسلمة، تنتخب رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، عام 1991، قصة ميلادها بقولها: “ولدت بمدينة الخرطوم بمنزل جدي لأمي، الشيخ محمد أحمد فضل، الملاصق لمدرسة أبي جنزير الأولية للبنين بوسط الخرطوم”، وتضيف مؤلفة (حصادنا خلال عشرين عاماً، المرأة العربية والتغيير الاجتماعي، حول قضايا الأحوال الشخصية، قضايا المرأة العاملة السودانية، آن أوان التغيير ولكن، أطفالنا والرعاية الصحية)، “لقد قام جدي لأمي بخطوة جريئة، إذ أدخل أمي وأخواتها في مدرسة البنين التي يرأسها لأنه لم تكن هنالك مدرسة للبنات في مدينة الخرطوم، والمدرسة الوحيدة للبنات آنذاك أسسها صديقه الشيخ بابكر بدري بمدينة رفاعة، وقد تعرض جدي لهجوم عنيف من قبل أقربائه ومعارفه.

تمضي قائلة ” بعد أن أكملت والدتي وأخواتها المدرسة الأولية مع الأولاد، ألحقهن جدي بمدرسة الإرسالية الوسطى للبنات بمدينة الخرطوم، وهكذا أصبحت أمي أول سودانية تتعلم اللغة الانجليزية ، وطبعا تعرض والدها لهجوم شديد خاصة من الأهل، الأمر الذي دفعه لإخراجها من المدرسة بعد إكمال المرحلة المتوسطة، ولكن اختها الصغرى، زينب واصلت حتى الفصل من المرحلة الثانوية ثم عينت مدرسة في نفس المدرسة”.

الخرطوم- الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/فاطمة-ابراهيم-300x200.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/فاطمة-ابراهيم-95x95.jpgالطريقتقارير'كانت والدتي تشجعنا على القراءة.. لا زلت أذكر صيحاتها كلما طال وقوفي أمام المرآة، كفاية.. قيمتك ما في شعرك وتجميل وجهك، قيمتك فيما بداخل رأسك أحسن تمليه بالقراءة والمعرفة'. تحكي السياسية السودانية البارزة، والقيادية النسوية والشيوعية الراحلة، فاطمة أحمد إبراهيم، عن ذكريات طفولتها في بيت جمع بين العلم والدين. 'عندي...صحيفة اخبارية سودانية