نحو أقل من 3 أمتار فقط كانت تفصل النائب الاول للرئيس السوداني بكري حسن صالح، ووفده المرافق، من الاصطفاف في الصف الأول لجنازة فاطمة أحمد إبراهيم، بميدان الربيع أمس بأم درمان عندما رسم مشيعون دائرة بشرية حوله، حالت دون وصوله لأداء صلاة الجنازة.

ورحلت إبراهيم (1932 ـ 2017) السياسية الشيوعية والرائدة النسوية البارزة السبت الماضي بالعاصمة البريطانية لندن، بعد صراع طويل مع المرض.

كان أول من انتبه لمجئ صالح في نحو الساعة الواحدة والربع ظهراً، هم المصورون، الذين بدأوا في التقاط صور له.

لحظة مغادرة نائب الرئيس السوداني تشييع الراحلة فاطمة احمد ابراهيم

حينما ترجل هو ووالي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين، ووالي شمال كردفان أحمد هارون، ومعتمد ام درمان مجدي عبد العزيز، من 4 سيارات دفع رباعي (لاندكروزر موديل 2017)، كانت الأوضاع هادئة حتى هنا، وهو ما يفسر تلك الخطوات الواسعة السريعة الواثقة التي شق بها صالح طريقه نحو الاصطفاف في صف المصلين.

لكن سرعان ما استحال ذلك الهدوء إلى فورة عارمة من الغضب والهتاف، حين حُبست تلك الخطى في دائرة من العزلة القسرية.

 ما حدث حينها كان لحظة التقاء نادرة بين الزيت والنار، زيت ما حدث طيلة قرابة ثلاثة عقود، من حروب أهلية ودماء تناثرت على أجناب البلاد وقلبها، واعتقالات وحرمان وحكم لحزب واحد ومنفى، ونار الأحلام التي تقول: الأطفال يا فاطمة بغنوا الأفراح لا بد من ترجع.

لذا لن يكون بوسع أحد الإدعاء بأن ما جرى كان بأمر من أية جهة سواء كانت أسرة إبراهيم أو حزبها الشيوعي، فقد اندلعت الموجة الغاضبة، من تلقاء نفسها.

استمات الكثيرون في محاولة إطفاء المركب الكيميائي المشتعل، لكن دون أن تلقى محاولاتهم النجاح، كان من بين المستميتين، عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي، د. حسن الجزولي، الذي حاول أن يُلقى إليه السمع، ربما أحب أن يدفع بقائلة فصل، فقد كان النقطة الثانية في مركز دائرة العزلة القسرية.

هل قبل صالح بالمنع؟ كان هادئاً متبسماً حتى لسعته مياه رشقها أحدهم، فانتفض غاضباً، يعلو وجهه الوعيد، فانطفأت ابتسامته لتصبح ملامحه مأتمية لحظتها فقط.

هتافات مناوئة للحكومة من المشيعين (الطريق)

وحفلت مواقع التواصل الإجتماعي بردود فعل متباينة عقب طرد النائب الأول للرئيس السوداني رئيس الوزراء بكري حسن صالح ووالي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين، من مراسم تشييع الرائدة النسوية فاطمة احمد إبراهيم، ومنعهم من اداء صلاة الجنازة ومرافقة الجثمان للمقابر.

وانقسمت الآراء بين مؤيدين لموقف الجماهير الغاضبة بطرد المسؤولين الرفيعين بالدولة، وأخرين رافضين لهذا المسلك الذي اعتبروه مخالفاً للعادات السودانية التي تجنح نحو التسامح في مثل هذه اللحظات.

وعقب تداول ناشطون مقاطع فيديو للحادثة على نطاق واسع عبر وسائط التواصل الإجتماعي، حمّل الروائي السوداني حمّور زيادة، نائب الرئيس ومرافقيه مسئولية ما تعرضوا لها من إهانات وكتب تدوينه على صفحته بفيسبوك ‘‘حين يقرر رئيس الوزراء ومعه والي الخرطوم تقديم العزاء في فاطمة أحمد ابراهيم هل يعلمون كم معقتل يوجد هناك في هذا التجمع؟ كم عدد الذين تعرضو للتعذيب موجودون هناك؟ إن ما بينك وبينهم ليس خلافاً سياسياً، الخلاف السياسي مع الصادق المهدي مع عمر الدقير مع الشفيع خضر .. الخ الخ’’ وتابع ‘‘اما انت ونظامك فانتم قتلة! اتقتلون رفاق فاطمة وتأتون للعزاء فيها؟’’.

بينما أعرب الكاتب الصحافي عمر القراي، عن تأيده لطرد مسئولي الحكومة، وكتب في مقال نشره على الإنترنت ‘‘فقد كانت الجماهير تهتف (يا فاطنة دغرية ديل الحرامية) !!  وليس للحرامي أن يتولى تشييع الإنسان (الدغري) ذو الخلق، وإلا اختلت كل المعايير، وسقطت كل القيم، وتلوث حياة الأطهار بفساد الأشرار’’.

لكن رئيس تحرير صحيفة (السوداني) ضياء الدين بلال، استنكر طرد نائب الرئيس من مراسم التشييع، وحمّل مسئولية ماجرى لجماهير الحزب الشيوعي الذي تنتمي له الراحلة، واستشهد بمواقف سابقة لقادة الحزب الراحلين.

وكتب رئيس تحرير الصحفية المملوكة لقيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم ‘‘ما حدث أثناء تشييع الراحلة المقيمة فاطمة أحمد إبراهيم من هتافات مناهضة لبعض قيادات الدولة التي كانت ضمن المعزين، عمل صبياني بغيض، لا يليق بهذا الحزب العتيق’’ وتابع: ‘‘حينما سُئِلَ عبد الخالق محجوب سكرتيره العام وهو على بعد خطوات من حبل المشنقة: ماذا قدمت لشعبك؟ أجاب بثبات وثقة: (الوعي) وإذا كانت الأقدار سمحت للراحل محمد إبراهيم نقد بالإجابة عن ذات السؤال لكانت الإجابة: (التسامح)’’.

ولم تكن حادثة طرد نائب الرئيس السوداني من مراسم عزاء هي الأولى من نوعها، فقد طردت جموع غاضبة في العام 2013، مساعد الرئيس حينها نافع علي نافع، سرداق عزاء الشاب صلاح سنهوري، الذي قُتل برصاص قوات حكومية خلال إحتجاجات شهدتها البلاد في ذلك العام اسفرت عن مقتل أكثر من (250) شخصاً.

وفي العام 2013 ايضاً طُرد والي الخرطوم السابق عبد الرحمن الخضر، من سرداق عزاء الطالب محمد عبدالباقي، والذي قتل برصاص الشرطة السودانية، خلال إحتجاجات شهدتها منطقة ام دوم شرقي العاصمة الخرطوم، رفضاً لقرار حكومي قضى ببيع اراضٍ ادعى سكان المنطقة ملكيتها.

وفي العام الماضي طردت جموع غاضبة من سكان قرية (فداسي) بولاية الجزيرة، الوالي محمد طاهر ايلا ومرافقيه، من صيوان عزاء اقيم في القرية عقب وفاة العشرات من سكانها إثر إنفجار ناقلة وقود، واعتبر سكان القرية أن حديث وزير الصحة الذي كان يرافق الوالي كان مستفزاً بتأكيده على مساعدتهم ببعض المستلزمات، فما كان منهم إلا أن هتفوا في وجهه وطالبوا الوفد بمغادرة سرداق العزاء.

الخرطوم- الطريق

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/20170816_133910.jpg?fit=300%2C110&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/08/20170816_133910.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرمناساباتنحو أقل من 3 أمتار فقط كانت تفصل النائب الاول للرئيس السوداني بكري حسن صالح، ووفده المرافق، من الاصطفاف في الصف الأول لجنازة فاطمة أحمد إبراهيم، بميدان الربيع أمس بأم درمان عندما رسم مشيعون دائرة بشرية حوله، حالت دون وصوله لأداء صلاة الجنازة. ورحلت إبراهيم (1932 ـ 2017) السياسية الشيوعية...صحيفة اخبارية سودانية