مازالت الصحافة تواجه موقف صعباً، وتعاني الآن اكثر مما كانت تعاني قبل ان تطلق الدولة مبادرتها للحوار، وقد اتسعت دائرة المعاناة بصورة تتنافى تماماً مع ما أعلنه رئيس الجمهورية في مارس الماضي في مستهل أعمال مؤتمر المائدة المستديرة، وما دعا له من انفتاح وضمان لحرية التعبير.

في مثل هذه الظروف لابد ان يتساءل المرء عن مدى جدوى مؤتمر قضايا الإعلام الذي دعت له وزارة الإعلام وتبنته رئاسة الجمهورية وقد شرع في ممارسة نشاطه التحضيري. وإذا كانت الانفراجة التي اعلنها رئيس الجمهورية بنفسه قد انتكست قبل ان تبلغ شهرها الثاني فهل ستكون أي توصيات يصل إليها هذا المؤتمر أقوى من قرارات رئيس الجمهورية المعلنة؟؟.

لقد طرحت هذا الرأي أمام اللجنة الفرعية لهذا المؤتمر المعنية باTعداد لورش عمل تمهيدية لمؤتمر الإعلام التي أترأسها، وقلت إن الاجواء الحالية لا تساعد على قيام مؤتمر ذي جدوى والصحافة تحس بأنها في حالة حصار تتزايد يوما بعد يوم مع أنها كانت تتوقع انفراجة بعد قرارات رئاسة الجمهورية، وقد بدأت تلك الانفراجة ولكنها كانت قصيرة العمر انتهت خلال بضعة اسابيع ليعود الحال إلى اسوأ مما كان عليه.

ليس من بين الصحفيين من يعتبر نفسه فوق القانون ولا فوق المحاسبة، ولكن ما تشكوا الصحافة منه الآن هو استمرار القرارات الادارية المنتهكة لحرية التعبير، وقد هدفت قرارات رئيس الجمهورية الآخيرة للحد من تلك الممارسات ولكن ذلك لم يتحقق.

لقد عادت ممارسة مصادرة الصحف بقرار إداري بعد أن تم الإعلان عن وقفها بعد قرارات رئيس الجمهورية ، كما رجعت ممارسة وقف الصحفيين والكتاب من الكتابة بقرار إداري، وتصاعد أسلوب حظر النشر في قضايا تهم الرأي العام بحجة حماية عدالة التحقيق، فاصبح الحظر هو الأصل بدلا من أن يكون الاستثناء، وبدأت ظاهرة التعنت في إنفاذ القانون عبر توجيه الاتهام لعداد كبيرة من الصحفيين في قضية واحدة، إضافة لإغلاق الصحف بقرار إداري، ومقاضاة الصحفيين بعيداً عن مركز صدور الصحيفة بينما كانت في الماضي هناك نيابة واحدة تقاضي الصحف في مكان صدور الصحيفة ليجد رؤساء التحرير الآن أنفسهم يسافرون إلى واد مدني للمثول أمام المحاكم هناك وليس في الخرطوم مسرح الجريمة المفترضة.

لقد طرحت كل هذه القضايا وغيرها في اللجنة الفرعية للصحافة المكلفة بالإعداد لذلك المؤتمر، وخلصت إلى أن الجو الحالي بما يعاني من احتقان ليس الجو المناسب لعقد مؤتمر ذي جدوى، واتفق معي في الرؤية أغلب أعضاء اللجنة لكنهم رأوا أن الأمر يتطلب اتصالات على أعلى المستويات لمعالجة هذه الاشكالات قبل المؤتمر بطريقة تسمح باستمرار الحوار حول أنسب الطرق لضمان حرية الإعلام في حدود القانون، وفي الاحتكام للقضاء دون إجراءات إدارية تعسفية، ويظل التساؤل قائماً على ضوء تجاربنا السابقة: هل يمكن أن نصل الى اتفاق ذي مصداقية تحت مثل هذه الظروف؟.

الأزمة ليست أزمة صحافة فحسب بل هي أزمة انتكاسة كاملة للمشروع الذي ابتدره رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم بقراراته التي فتحت الأفق السياسي أمام الرأي والرأي الآخر، ثم تم التراجع عن هذا المشروع بسرعة تدعو للدهشة. ولا يشكو الصحفيون وحدهم من هذه الردة بل تشكو منها حتى الأحزاب التي قبلت مشروع الحوار دون أي تحفظات، وهي تسعى الآن لمقابلة رئيس الجمهورية في محاولة لاستعادة القدر المعلن من الانفتاح، وإلى ان تتم تلك العودة فلا مستقبل لأي حوار جانبي حول حرية الإعلام أو حرية التعبير لأن اي توصيات يصل إليها مثل ذلك الحوار لن تكون نتيجتها أفضل من مصير التوصيات التي صدرت عن لقاءات سابقة ظلت تتواصل منذ مؤتمر الحوار الإعلامي في العام 1990م.

محجوب محمد صالح

ماجدوى مؤتمر الإعلام تحت هذه الظروف؟https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتحرية صحافةمازالت الصحافة تواجه موقف صعباً، وتعاني الآن اكثر مما كانت تعاني قبل ان تطلق الدولة مبادرتها للحوار، وقد اتسعت دائرة المعاناة بصورة تتنافى تماماً مع ما أعلنه رئيس الجمهورية في مارس الماضي في مستهل أعمال مؤتمر المائدة المستديرة، وما دعا له من انفتاح وضمان لحرية التعبير. في مثل هذه الظروف...صحيفة اخبارية سودانية