هلدا جونسون التي كانت من مهندسي اتفاقية نيفاشا، وكانت عظيمة التفاؤل بمستقبل دولة الجنوب التي انحازت لها وأقامت فيها ممثلة للأمم المتحدة منذ انفصال الجنوب تغادر الآن منصبها وهي تشعر بخيبة أمل أكبر وهي ترى الاشياء تتداعى في الجنوب، والدولة تنهار، والصراعات السياسية والقبلية تسفك دماء الابرياء وتشرد المدنيين دون أن يبدو في الافق اي مشروع حل تفاوضي وفاقي ينقذ الموقف.

وبالامس عبرت عن خيبة أملها في تصريحات صحفية علنية اعتبرت أن الوضع في الجنوب بات كارثياً وناشدت القيادات السياسية الجنوبية أن تنقذ الاتفاقات الاخيرة الموقعة بينهم، وان يتفقوا على تشكيل حكومة انتقالية تمثل الجميع، وان يلتزموا جميعا بوقف إطلاق النار ووقف نزيف الدم، وركزت على ضرورة انجاز مصالحة وطنية شاملة تضع حداً للمواجهات الدموية الحالية والمرشحة للاشتعال مستقبلا ما لم يكن هناك علاج جذري لأسباب هذه الأزمات.

جونسون أكدت كثيراً على ضرورة الوصول الى مصالحة وطنية ولكنها لا ترى أي أمل في مصالحة وطنية دون ان تقترن تلك المصالحة بمبدأ المساءلة والمحاسبة ودون اتفاق على قواعد العدالة الانتقالية لأنها على قناعة بأن الفظائع التي ارتكبت في الجنوب خلال الحرب الاخيرة قد خلقت واقعاً سيقود الى استمرار الصراعات والاخذ بالثأر ما لم تنفذ العدالة الانتقالية وتتم المحاسبة والمساءلة على الجرائم الكبرى التي أودت بحياة الكثيرين.

لكن جونسون تعرف صعوبة إنجاز العدالة الانتقالية لأن المسؤولية في نهاية المطاف ستقع على رؤوس قيادات عليا في كلا الفريقين، وأن تلك القيادات لا تريد ان تعترف بما ارتكبت من خطايا، ولن تستجيب للمساءلة والمحاسبة، وفي نفس الوقت فإن القيادات السياسية غير متفقة على مفهوم الحكم الانتقالي والرئيس الحالي متمسك بشرعية حكمه وسلطته حتى فترة نهاية تفويضه الانتخابي، وقد أعلن صراحة أنه لا مكان لحكومة انتقالية في الجنوب لا يرأسها هو. من جانبه يرفض ريك مشار المشاركة في حكومة انتقالية يرأسها سلفاكير وهذا ما حدا بالإيقاد أن تناقش حلا قائما على نموذج التسوية الكينية التي خلفت وضعاً انتقالياً يقوده رئيسان: رئيس جمهورية ورئيس وزراء وقسمت السلطة بينهما.

مشكلة المجتمع الدولي أنه اندفع نحو فصل الجنوب دون ان يتمهل لدراسة الواقع على الأرض وامكانية تجاوز الصراعات السياسية والقبلية بعد انفصاله واستقلاله، ولم يهتم بمعالجة القضايا العالقة بين الاطراف الجنوبية المختلفة قبل الانفصال لأن المجتمع الدولي كان مشغولا تحديداً بالوصول الى الانفصال في الموعد المحدد وإنشاء الدولة المستقلة التي ظل يبشر بها دون التمعن في المشاكل التي ستواجه تلك الدولة في مرحلة التأسيس وهياكل الحكم القادرة على إنجاز مهام الاستقلال ومواجهة التحديات، لذلك فوجئوا جميعاً بالانفجار الذي حدث في ديسمبر الماضي وبدرجة العنف التي كشف عنها والتي تواصلت على مدى شهور، والتحذيرات التي تطلقها هلدا جونسون ورفاقها لا تخرج من حيز الحديث النظري فالأزمة ما زالت تراوح مكانها، والمواقف مازالت متباعدة تماما وتحتاج لنظرة جديدة وجهود جديدة وضغوط جديدة ومتواصلة من قوى اقليمية ودولية عديدة، فهل هناك استعداد للعب هذا الدور!.

محجوب محمد صالح

أزمة الجنوب وخيبة أمل هلدا جونسونhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتجنوب السودانهلدا جونسون التي كانت من مهندسي اتفاقية نيفاشا، وكانت عظيمة التفاؤل بمستقبل دولة الجنوب التي انحازت لها وأقامت فيها ممثلة للأمم المتحدة منذ انفصال الجنوب تغادر الآن منصبها وهي تشعر بخيبة أمل أكبر وهي ترى الاشياء تتداعى في الجنوب، والدولة تنهار، والصراعات السياسية والقبلية تسفك دماء الابرياء وتشرد المدنيين...صحيفة اخبارية سودانية