، عبد الله رزق
، عبد الله رزق

  بدأت الانقاذ ، قبل ربع قرن من الزمان ، بمسرحية ” اذهب الى القصر رئيسا…” ، لكن ما يستفاد من رواية د.عمر محى الدين والمحبوب عبد السلام، ان الترابى ، ربما كان الوحيد، الى جانب الدكتور على الحاج، الذى صدق المسرحية ، التى كتب نصها  واعد فصولها ، بنفسه،واصبح اول ضحاياها. فبعد ان طال حبسه اكثر مما هو متفق  عليه فى سيناريو الانقلاب ، خرج من محبسه الاختيارى ، ليجد ان اللجنة الامنية مع العسكريين،  قد عدلت النص المسرحى ، ورتبت الاوضاع بشكل مختلف ، مما خلق واقعا جديدا،  ادت تطوراته اللاحقة ، الى  خروجه من معادلة السلطة ، بعد عقد من الصراع المستتر. اما د. على الحاج ، الذى ذهب الى اوروبا سائحا، وفق نص المسرحية الاصلى ، فقد تم تجاهله فى المهجر ونسيانه فى منفاه الاختيارى، على غير المتفق عليه، ايضا. فى  الفصل الاكثر درامية ، وباسم التخلص من تفرد الشيخ وهيمنته ، استبدلت جماعة مذكرة العشرة، هيمنة الترابى  ،بهيمنة جديدة، وخرجت هى نفسها ، الى مقاعد المتفرجين.

اللامعقول فى تكتيكات الاسلاميين ، شجع على بروز مدرسة تميل الى تفسير مجمل الوقائع السياسية الغريبة ، لحكم الانقاذ،  خلال ربع القرن الماضى، بكونها مسرحيات ليس الا. وقد عاد هذا الطرح بقوة عندما اقدمت الحكومة على اعتقال الصادق المهدى توطئة لمحاكمته ، فى وقت كان المهدى، يسعى بقوة للابتعاد من المعارضة والاقتراب من الحكومة ، ويخوض صراعا داخل الحزب ضد خصومه ، المناوئين لنهج الحواروالتقارب مع النظام. وقد اعتبر اعتقال المهدى،الذى راهن طويلا على الحوار مع النظام ، وكان – بالتالى ، من المتحمسين لمبادرة الحوار الوطنى ،  بمثابة مقتل لتلك المبادرة.

ويبدو ان الحكومة  ادركت خطأ اعتقالها للمهدى ، وبدأت تبحث عن مخارج قانونية من ورطة اعتقالها له، قد وقعت فى خطأ اخر،  هو اعتقال رئيس حزب المؤتمر السودانى ، ابراهيم الشيخ، وتقديمه الى المحاكمة،  فى تهم مماثلة،  لتلك الموجهة الى المهدى. مازاد من تعقيد الامور ان محاكمة الاثنين ، قد تتحول الى محاكمة للنظام نفسه.

وقد اثار اعتقال الاثنين ،ردود افعال واسعة ، فى الداخل والخارج، ربما لم تكن ضمن حسابات مؤلف النص المسرحى .وانتقد بيان اصدره وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج ، الاجراءات التى اتخذتها الحكومة بتضييق الحريات الشخصية والسياسية والصحفية ،الى جانب استمرارها فى الحرب فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق ، مما اعتبره البيان، اضعافا لمصداقية توجه الحكومة المعلن لادارة حوار وطنى.

يبدو ان خيوط الحبكة الدرامية للقبض على المهدى، وغيرها من المسرحيات، قد انفرطت من ايدى المخرج، او جماعة المخرجين ، التى تقف خلف المشهد السياسى، مثلما حدث، وان بشكل مختلف ، فى بداية الانقاذ ” بذهاب الترابى الى القصر حبيسا”.

وقد ظلت الحكومة ترتجل المواقف وردود الافعال ، تجاه تداعيات الوضع ، ماتجلى فى هجمة شاملة على الحريات، كانت ابرز سمات الاسبوع الماضى.

فالاحتجاجات على القبض على المهدى ، ومن بعده ابراهيم الشيخ ، والتى قابلتها الحكومة باجراءات تعسفية،  فاقمت الموقف. فالى جانب التوترات،  التى شهدتها مدن ربك والنهود وابوجبيهة وسودرى ، وغيرها، والتحركات المطلبية ، فى العاصمة والاقاليم ،فقد شهد ميدان الشهداء بشمبات يوم الجمعة ، اعتقال بنات المهدى وازواجهن ، ماجعل المسرحية، تضيق عن تفسير الوضع بمجمله.

وقبيل زيارة خبير حقوق الانسان ، ماشود بدرين للبلاد ، والتى تبدأ يوم الاحد، تنتهى  – السبت – المهلة التى اعطتها الاحزاب ، المنخرطة فى الحوار لرئاسة الجمهورية،  للاجابة على مذكرتها،  بشأن تعثر الحوار الحوار الوطنى، وهددت بتعليق الحوار نهائيا، فى ختام عرض مايمكن وصفه بمسرحية الحوار الوطنى.

المواجهة بين السلطة والجماهير ، هو العنوان الابرز للاوضاع المأزومة، بسبب قلة الحيلة وضعف الحبكة الدرامية لمشروعات الحلول قصيرة المدى ، للمشكلات الواقعية المتفجرة يوما بعد آخر ،  عشية زيارة ، الخبير الاممى المستقل المعنى بحالة حقوق الانسان. وقد اعلن ماشود بدرين ، قبل وصوله ، انه منذ زيارته الاخيرة الى السودان ، فى فبراير الماضى ، “ان بعض القضايا البارزة فى مجال حقوق الانسان ، قد اثارت اهتمام وقلق المجتمع الدولى بشكل كبير، وانه يعتزم بحث تلك القضايا مع المسؤولين واصحاب المصلحة ، وتقييم التقدم الذى احرزته  الحكومة حتى الان فى تحسين ممارسات حقوق الانسان”، كما جاء بالصحف.

قد تكون زيارة بدرين ،والضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة ، دافعا لتراجع محسوب من قبل  النظام عن التصعيد فى سياسته القمعية ، وربما العودة مجددا للحديث عن السلام والتفاوض مع المسلحين والحوار الوطنى، غير ان ذلك لن يكون غير هدنة مؤقتة، استعدادا لجولة جديدة من الصراع.

تحليل: عبدالله رزق

مسرح الانقاذ ودوامة الخروج على النصhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  بدأت الانقاذ ، قبل ربع قرن من الزمان ، بمسرحية ' اذهب الى القصر رئيسا...' ، لكن ما يستفاد من رواية د.عمر محى الدين والمحبوب عبد السلام، ان الترابى ، ربما كان الوحيد، الى جانب الدكتور على الحاج، الذى صدق المسرحية ، التى كتب نصها  واعد فصولها ، بنفسه،واصبح...صحيفة اخبارية سودانية