الاشكالية التي تواجه مبادرة الحوار الوطني ليست هي تفاصيل ما تتطلبه تهيئة الاجواء لادارة حوار وطني بل تكمن الاشكالية في عدم الثقة في مصداقية الحكومة وفي جديتها في ادارة حوار يقود الى تغيير جذري في واقع الحكم في السودان ومثل هذه الاشكالية لن تعالجها وعود جديدة تبذل فقد بذلت وعود من قبل باتخاذ اجراءات محددة لتهيئة الاجواء لذلك الحوار ثم اجهضت تلك الاجراءات بعد بضعة ايام مما يبدد اي رصيد لدى الذين قبلوا المحور لمصداقية الحكومة والتزامها بقراراتها.

مبدأ الحوار الجامع الذي لا يستثني احدا ولا يستبعد قضية قبلته القوى الساسية كلها وكان الانقسام حولها لدى المعارضين يتركز حول الثقة في جدية الطرح الحكومي- الذين رفضوا الانخراط في الحوار كانوا لا يثقون في جدية الحكومة وطالبوا بانجاز المستحقات قبل انطلاق الحوار والذين احسنوا الظن بالحكومة على اساس ان الازمة السودانية بلغت درجة من الخطر استشعرتها الحكومة ورأت ان يعالجها بجدية هذه المرة.. وكان في هذه الفئة ثلاث تنظيمات سياسية معارضة – حزب الامة واقتنعوا بالاجراءات التي اتخذتها الحكومة عقب لقاء المائدة المستديرة في يوليو الماضي وخططوا للمطالبة باكمال باقي الخطوات من داخل مائدة الحوار لكنهم فوجئوا بالحكومة تتقلب على قراراتها التي صدرت بعد لقاء المائدة المستديرة فورا وعاد الحصار للحريات وملاحقة الصحف والتضييق على النشاط الحزبي والتعسف في استعمال القانون واعتقال وحبس القادة السياسيين وفي مقدمتهم رئيس حزب الامة على ذمة قضايا رأوا فيها تعفسا يتناقض تماما مع القرارات الاخيرة فانسحب حزبان من الحوار بينما ارتضى المؤتمر الشعبي ان يواصل مسيرة الحوار وان يقدم في اول جلساته مذكرة مكتوبة بانجاز المستحقات المطلوبة لتهيئة الاجواء للحوار ورغم انه لم يكشف عن تفاصيل تلك المذكرة ولكن نستطيع ان نتكهن بانه تحتوي على اغلب ما يطالب به المعارضون الذين لم يحضروا الجلسة من مطالبة ببسط الحريات وفك الحصار عن النشاط الحزبي واطلاق سراح المعتقلين والمحبوسين السياسيين غير ان اجتماع آلية الحوار لم تتح له الفرصة لمناقشة او الاطلاع على تلك المذكرة مما يعني ان المؤتمر الشعبي ينتظر قرارات بصدد محتوى مذكرته من رئاسة الجمهورية في محاولة اخيرة لاقناع رافضي الحوار للالتحاق به.

هذا يعود بالقضية للمربع الاول ويطرح السؤال: ماذا يضمن ان اي قرارات تصدر استجابة لمذكرة المؤتمر الشعبي لن تتعرض للانقلاب عليها في اي لحظة؟ وهو سؤال منطقي لأن كل التصرفات التي أدت الى اعداد المؤتمر الشعبي لكتابة هذه المذكرة حدثت بعد الاعلان عن القرارات التي فتحت الافق السياسي وكفلت حرية التعبير واطلقت سراح الحراك الحزبي داخل وخارج الدور- ولكن تلك القررات لم يتجاوز عمرها بضعة اسابيع قبل الانقلاب عليها.

هي إذن ازمة ثقة لن تحلها وعود جديدة بعد تجربة الوعود السابقة فما هي الوسيلة لاستعادة تلك الثقة؟ وهل الهدف النهائي للحوار مكان اتفاق بين كل الاطراف؟ هل الحزب الحاكم يوافق المعارضين على ان هدف ذلك الحوار هو الخروج بالوطن من قبضة حكم الحزب الواحد الى دولة يشارك الجميع في ادارتها ولا يحتكر سلطتها وثروتها حزب واحد ام الهدف ان توالي المعارضة من موقعها المعارض الحزب الوحيد الحاكم- واذا كان الهدف هو التغيير الشامل هل الحزب الحاكم على استعداد للدخول في فترة انتقالية عبر حكومة تمثل الجميع وترسم خريطة الطريق للخروج من حكم الحزب الواحد؟ السودان الآن في غمار ازمته الحالية يبحث عن نظام حكم جديد يعيد تأسيس الدولة على اسس جديدة وعلى عقد اجتماعي جديد ليس من بين بنوده استمرار حكم سلطوي ولا انفراد فصيل واحد بحكمه والسيطرة على مقدراته- هذا هو هدف الحوار الجامع الذي يمكن ان يحل ازمات السودان ولابد من الاتفاق الجماعي عليه قبل انطلاق الحوار.

محجوب محمد صالح 

حتى لا يكون حوارا مع الذات !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالحوارالاشكالية التي تواجه مبادرة الحوار الوطني ليست هي تفاصيل ما تتطلبه تهيئة الاجواء لادارة حوار وطني بل تكمن الاشكالية في عدم الثقة في مصداقية الحكومة وفي جديتها في ادارة حوار يقود الى تغيير جذري في واقع الحكم في السودان ومثل هذه الاشكالية لن تعالجها وعود جديدة تبذل فقد بذلت...صحيفة اخبارية سودانية