أبدى أطفال (حسين) الثلاثة استعدادهم للتخلي عن مصروفات الذهاب إلى وسط مدينة ودمدني، بولاية الجزيرة، للتنزه في عطلة نهاية الاسبوع، بعد أن خفض والدهم النفقات الشهرية للإعاشة، بالتزامن مع تقاعده من محالج القطن بمشروع الجزيرة وانحسار إنتاج القطن بالمشروع الذي شهد تدهوراً مريعاً في السنوات الماضية.

واُنشئ مشروع الجزيرة، منذ حوالي 90 عاماً ، بواسطة الإدارة البريطانية قبل استقلال البلاد، ويتمدد في مساحات واسعة بأواسط السودان. وكانت القطارات تنقل القطن وتوزع الوقود والمبيدات على اقسام المشروع بعناية فائقة لتشكل المحالج منصة لتصدير القطن السوداني ذائع الصيت واستجلاب العملات الاجنبية.

لكن شبكة سكك حديد الجزيرة اصبحت الان نسياً، مثلها مثل البنى التحتية الاخرى للمشروع كالمحالج، والهندسة الزراعية، والورش التي طالتها سنوات من الاهمال وسوء الادارة.

وبعد عقود من عهد حفل بالانتاج الوفير تحاول الحكومة انعاش المشروع الذي تراجع بشكل غير مسبوق في الآونة الاخيرة وسط تحذيرات خبراء بضرورة انتهاج خطط فنية بمعزل عن القرارات السياسية والعمل على نحو عاجل لتأهيل البنيات التحتية لمشروع الجزيرة.

ويرى (حسين)، الذي كان يعمل في محالج القطن بمدينة الحصاحيصا، انه ” آن الاوان لاتخاذ اجراءات تقشفية لمعيشة الأسرة”، لان اوضاعه المالية غير مستقرة في ظل عدم انتاج مزرعته في موسم حصاد القمح، كما ان اجره الشهري اصبح ضئيلا بعد ان تقاعد ولايسمح له بالانفاق على  معيشة عائلته ناهيك عن ترفيه اطفاله الثلاثة.

وينتقل حسين بدراجة هوائية بسوق الحصاحيصا لشراء أغراض المنزل  ويحرص على الذهاب باكرا إلى السوق لان المحلات التجارية تغلق أبوابها قبل الظهيرة، فسكان المناطق الريفية يغادرون السوق في اوقات الظهيرة، وبالكاد تعمل بعض المقاهي في الفترات المسائية.

ومثل (حسين) ينتظر مئات المتقاعدين  صرف رواتب تقاعدهم وغالبيتهم من عمال وموظفي ادارات مشروع الجزيرة بمنطقة بركات، وهذه  المؤسسة الزراعية التي  أحالت مئات الموظفين إلى التقاعد الاجباري، مطلع تسعينات القرن الماضي، ويرى مهندس زراعي متقاعد  يدعى محمود ان “الخطوة التي اتخذت على عجل  ادت الى تجفيف منابع الانتاج”.

في حي قريب من محالج القطن، يسكن حسين مع عائلته ويعتقد  ان “المنطقة كانت تضج بالحياة لان الورش الهندسية التابعة الى محالج القطن تعمل على مدار الساعة لاصلاح اعطال المحالج والشاحنات التي تصطف بالقرب منها خاصة في مواسم الانتاج”.

وتحدث حسين عن ورش المؤسسة الزراعية التي لطالما كانت مهتمها اصلاح الاعطال للجرارات التي تعمل على حرث المشاريع الزراعية. واضاف ” لقد كان المزارع يحصل على عائدات ارباح القطن بواقع 11 الف جنيه في العام 1985 وحتى العام 1989 “.

و ” اذا سألتني اين ذهب جميع المزارعين اليوم سأقول لك ان غالبيتهم رحلوا عن الحياة وعائلاتهم هاجرت الى اطراف الخرطوم”- يقول حسين.

ويتذكر هذا المتقاعد، الذي حصل درجة البكلاريوس في هندسة الغزل والنسيج، ارتفاع حصيلة انتاج القطن قبل عقدين من الزمان، قائلا ان “المزارعين كانوا يجنون آلاف الجنيهات من عائدات بيع القطن  وتنعش اوضاعهم الاقتصادية”.

اما احمد عبد الله (67 عاما)، والذي تقاعد هو الآخر من الخدمة الحكومية،  فانه يرى بأن “تكاليف المعيشة ارتفعت بشكل كبير لان راتب التقاعد ضئيل ولا يقابل الطلبات العديدة للعائلة الى جانب تراجع الانتاج الزراعي في السنوات الاخيرة وارتفاع تكلفة تمويل الزراعة في بلد يعتمد على الزراعة بشكل كبير”.

ويقول الرجل الستيني، الذي تقاعد من مهنة سائق شاحنات تابعة لمشروع الجزيرة، ” اذا تمكنا من مقابلة تكاليف شراء الغذاء وارتادت ابنتي الجامعة فان الامور ستكون افضل لكن يوميا تتراجع فرص تحقيق هذه الاشياء لارتفاع الاسعار  وقسوة المعيشة”.

واضطر آلاف من سكان الجزيرة، منذ تسعينات القرن الماضي، إلى هجرة لأطراف ولاية الخرطوم والمدن الكبيرة ولم تفلح محاولات حكومية لتأهيل المشروع الزراعي في زيادة وتيرة الانتاج لاسباب مرتبطة بسوء الادارة كما يروي السكان.

ويقول النعمة النعيم، الناشط في قضية مشروع الجزيرة، لـ(الطريق)، ان “المنطقة تعاني من تدهور كبير للقطاعات الزراعية والانتاجية”.

و يرى النعيم، ان “مشروع الجزيرة كان عماد الاقتصاد في المنطقة وانعش الحالة المعيشية  لآلاف السكان”، واضاف ” لقد تدهورت السكك الحديدية التي كانت تشطر المنطقة الى نصفين وبيعت قضبانها بشكل يدعو للريبة والشكوك “.

ود مدني – الطريق

(حسين) .. من مهندس بمحالج القطن إلى متقاعد يحاصره الفقر ..!https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/09/مشروع-الجزيرة.jpg?fit=300%2C185&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/09/مشروع-الجزيرة.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرالجزيرة,الزراعة,مشروع الجزيرةأبدى أطفال (حسين) الثلاثة استعدادهم للتخلي عن مصروفات الذهاب إلى وسط مدينة ودمدني، بولاية الجزيرة، للتنزه في عطلة نهاية الاسبوع، بعد أن خفض والدهم النفقات الشهرية للإعاشة، بالتزامن مع تقاعده من محالج القطن بمشروع الجزيرة وانحسار إنتاج القطن بالمشروع الذي شهد تدهوراً مريعاً في السنوات الماضية. واُنشئ مشروع الجزيرة، منذ...صحيفة اخبارية سودانية