خلت بالأمس تماما مواقع بيع الصحف السودانية مثلما خلت الشوارع من(السريحة) الذين يعرضون الصحف في الطرقات بعد يوم تعرضت فيه الصحافة لأكبر مجزرة في تاريخها الحديث اذ صادرت السلطات بعض الصحف بعد طباعتها كما عطلت بعضها قبل الطباعة وطال القرار حوالي الثلاثة عشر صحيفة يومية سياسية واجتماعية ولم تنج من المجزرة إلا حوالي ستة أو سبعة صحف-من بينها الايام- ولم يصدر اي بيان يوضح اسباب هذه الحملة لكن راجت شائعة في الوسط الصحفي مؤادها ان سبب المصادرة هو ما نشرته تلك الصحف في اليوم السابق عن واقعة اختفاء احد الصحفيين ولا نعتقد ان هذا يوفر مبررا كافيا لمجزرة بهذا الحجم.

هذا التصرف يؤكد ان للحكومة رأي جد سالب في الصحافة والصحفيين وانها تتعامل مع هذه المؤسسة بصورة تعكس عدم رغبتها اصلا في صدورها أو مواصلة عملها وهي تعلم ان المصادرة التي ظلت تتكرر مؤخرا بصورة راتبة تأتي بعد الطباعة التي تتحمل الصحافة نفقاتها لكي تضعف اقتصاديات الصحف وتعرضها لخسائر مالية كثيرة.

وفى حالات المصادرة السابقة وايضا فى هذه الحالة لم يبلغ رؤساء التحرير رسميا باسباب هذه المجزرة ولم يصدر اى بيان توضيحي حول اسباب المصادرة مما فتح الباب واسعا امام التكهنات والشائعات والمتضرر الاكبر من انتشار الشائعات هو الحكومة نفسها .

واذا كانت الحكومة غير معنية بأمر مؤسسة الصحافة فهل هي غير معنية بسمعتها وبصورتها الاقليمية والعالمية وكيف تبرر للرأي العام السوداني وللقوى الاقليمية والدولية مثل هذا الاسلوب في التعامل مع الاعلام وهي في نفس الوقت تكرر الحديث عن توجهاتها(الديمقراطية)- الذي حدث بالأمس يتطلب وقفة صادقة مع النفس واذا صح ما راج من ان سبب مصادرة الصحف كان تغطيتها في اليوم السابق لنبأ يتعلق باختفاء احد الصحفيين فيصبح قرار المصادرة(عقوبة) بالغرامة على الصحيفة دون ان يسمع رأيها ودون ان تمثل امام جهة عدلية لتدينها أو تبرئ ساحتها- وهذا يعني انتفاء مبدأ حكم القانون.

والذي يثير الدهشة هو ان هناك مؤسسات حكومية أخرى معنية بالشأن الأمني لا تلعب دورا في هذه القضية وهناك مجلس الصحافة والمطبوعات وهو المسئول عن حماية الصحف والصحفيين وهو لا يشارك في صناعة قرارات المصادرة او التعطيل وفي أحسن الفروض يتم ابلاغه في اللحظات الأخيرة وهناك وزارة الاعلام التي لا نسمع لها رأيا عند وقوع هذه الاحداث وقد ظل سيناريو مصادرة الصحف متواصلا على مدى شهور ليصل بالأمس لذروته لدرجة انه اصبح حديث الرأي العام السوداني في كل مكان واصبح المجتمع عرضة لشائعات عديدة صنعتها الحكومة بنفسها ولم يصدق احد أن خبرا عن اختفاء صحفي وهو خبر غير سياسي ولم يشر من قريب أو بعيد للحكومة – أن يتسبب في مجزرة بهذا الحجم.

وهناك وزارة العدل التي تواجه الهجمات والاتهامات للسودان بانتهاك الحقوق والحريات في اجتماعات مجلس حقوق الانسان في جنيف ومطلوب منها ان تدافع عن موقف الحكومة فكيف تدافع وهذا هو واقع الحال في السودان- أوليس لها موقف الى جانب سيادة حكم القانون؟ أليس لها صوت في هذه الواقعة ؟ والسؤال ينسحب بنفس القدر على مفوضية حقوق الانسان الرسمية هل ستلجأ هي ايضا للصمت.

أما اصحاب الوجعة وهم الناشرون فإن استمرار صمتهم هو الذي سيغري بالمزيد من استهدافهم.

لا يمكن ان تصدر صحافة تستحق الاحترام تحت مثل هذه الظروف.

محجوب محمد صالح

مجزرة الصحف ... وهوان المهنة الصحفيةhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءحرية صحافةخلت بالأمس تماما مواقع بيع الصحف السودانية مثلما خلت الشوارع من(السريحة) الذين يعرضون الصحف في الطرقات بعد يوم تعرضت فيه الصحافة لأكبر مجزرة في تاريخها الحديث اذ صادرت السلطات بعض الصحف بعد طباعتها كما عطلت بعضها قبل الطباعة وطال القرار حوالي الثلاثة عشر صحيفة يومية سياسية واجتماعية ولم تنج...صحيفة اخبارية سودانية