د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  الآن، وصل بنا قطار المثقف والتحديات إلى محطته الأخيرة، محطة مشروع النهضة والبعث الحضاري. وفي مساره السريع، كان القطار قد توقف بنا عند محطات: إدارة التنوع، بناء الدولة الوطنية، الإثنية والطبقية، العولمة، الحرية الفردية، ومشروع الإسلام السياسي. لم يتوقف قطارنا زمنا طويلا في تلك المحطات، مثلما لن يتوقف كثيرا في محطته الأخيرة هذه، وبالتالي، كان من الصعب أن نوفي كل هذه المحطات حقها في إكتشاف كل تفاصيل فضاءاتها الرحبة. لذلك، إكتفينا برسم بعض الملامح العامة لكل محطة، على أمل أن يساهم معنا الآخرون، عبر الحوار والمثاقفة، في تدقيق الخطوط وإكتشاف التفاصيل، والإقتراب من أستكمال الصورة. نستكشف ملامح محطتنا الأخيرة في مقال اليوم والمقال القادم الذي نختم به مناقشتنا لموضوع المثقف والتغيير.

المثقف ومشروع النهضة والبعث الحضاري:
النهضة، أو البعث الحضاري، من الموضوعات المحورية التي ظل يدور حولها جدل وحوار عميقين بين المفكرين، منذ الجيل الأول، في أفريقيا والعالم العربي، وهم يحاولون الإجابة على ما أثاروه من سؤال جوهري متعلق ببحث أسباب التخلف في مجتمعاتنا، وكيف يمكننا مقاومة ذلك وإكتساب القدرة والقوة والزاد للسير في طريق التقدم والرقي تحت ضوء منارات الحضارة البشرية. قناعتي الخاصة هي، أن فاتحة الإجابة على هذا السؤال الجوهري، تفترض الإشارة إلى إن قدرة الشعوب على تحقيق “مفخرة” إقتصادية إجتماعية فكرية تتجلى فيها عظمة تراثها الثقافي والحضاري، تبدو لنا محددة بمدى صدق وإلتزام وقدرة النظام السياسي الحاكم على التصدي لقضية النهضة والبعث الحضاري. ورغم ذلك، لا أعتقد إن طبيعة أنظمة الحكم هي العامل الوحيد الحاسم في مسألة النهضة، ولكنها تشكل جزءا هاما ضمن مؤثرات كثيرة في حركة الوعي والتاريخ والثقافة لهذا الشعب أو ذاك.
ولقد واجهت أفريقيا التحدي التاريخي المرتبط بإشكالية التخلف والتقدم من خلال عدة محطات، أهمها، حسب وجهة نظري الخاصة، محطتي الإستنزاف والتبعية في ظل الاستعمار الجديد. فمنذ خمس قرون، كان البدء باستنزاف إنسان القارة السمراء، عبر تجارة تصدير العبيد إلى الدنيا الجديدة. أعقبه استنزاف الثروة، أي سرقة الموارد الطبيعية للقارة الأغنى في العالم، وهو استنزاف مستمر حتى اللحظة. ومنذ أكثر من نصف قرن، تتعرض أفريقيا، لشكل جديد من أشكال الاستنزاف، وهو إستنزاف الأدمغة أو العقول، أي تفريغ أفريقيا من أفضل كفاءاتها وأكثرهم تعليما وموهبة،في علوم الطب والالكترونيات والهندسة والفنون والإدارة والبحث، والأدب…الخ،يجذبهم الغرب بتوفير ظروف معيشية واعدة وفرص ذهبية لتطوير الذات، تاركين وراءهم فراغا يصعب تعويضه. وعلى الرغم من بدايات نهوض أفريقيا بعد انتصارات حركة التحرر الوطني في ستينات القرن الماضي، إلا أنه كان نهوضا مؤقتا، إذ سرعان ما سيطر الاستعمار الجديد على القارة، وتعثر مشروع النهضة في ظل تمكن أنظمة التبعية، عبر الاستبداد والطغيان، وما افرزته من صراعات عرقية دموية، وتجاهل لأولويات التنمية، وتفشي الفقر والجوع والمرض الفتاك والفساد، والتواطوء مع سارقي ثروات القارة، وتغذية البيئة الطاردة لشباب أفريقيا وأدمغتها.
الشعوب العربية جابهت ذاك التحدي التاريخي في لحظتين حاسمتين:لحظة المواجهة بين التخلف والتقدم إبان الغزو الاستعماري للعالم العربي في القرن التاسع عشر، ولحظة الصدام العنيف مع الغرب بعد قيام دولة إسرائيل.وقد حاول المفكرون العرب، كل بحسب ميوله الإيديولوجية وتصوراته الفكرية وانتماءاته الطبقية والسياسية،الإجابة على الاسئلة المتولدة من ذلك التحدي التاريخي، والتي أوجزها المفكر المغربي عبدالله العروي في أربع مشكلات رئيسية، هي: مشكلة الأصالة، أي تحديد الهوية أو تعريف الذات. ومشكلة الاستمرار، أي علاقة العرب بماضيهم. ومشكلة المنهج الفكري العام، أي الوسائل التي سيتبعها العرب لكي يكتسبوا المعرفة، ويمارسوا الفعل. ومشكلة أدوات التعبير، أيما هي أنسب أدوات التعبير التي تتيح للعرب أن يعبروا بواسطتها عن مرحلة تطورهم الراهنة . وأعتقد أن الفكر العربي طرح أيضا ثلاثة قضايا أساسية خاصة بتطوير المجتمع العربي ذاته، تمثلت في السعي إلى الأصالة من خلال الحديث عن الإسلام وقدرته على التجدد لكي يتلاءم مع الفكر الحديث، والسعي إلى الحرية من خلال الحديث عن أهمية تطبيق النظام الديمقراطي، الذي يكفل المساواة بين المواطنين في ظل سيادة القانون، والسعي إلى التحديث من خلال تأكيد الدور الحاسم لاقتباس التكنولوجيا الغربية وإقامة حركة شاملة للتصنيع.ومن ناحيته، يصف المفكر الراحل، نصر حامد أبوزيد هذه القضايا، بأنها محور همومه البحثية، وبإعتبارها هي هموم أسئلتنا المعاصرة، ويقول: “إنها أسئلة ليست وليدة هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها، بل هي الأسئلة التي شغل بها رواد النهضة في العالمين العربي والإسلامي منذ بداية القرن التاسع عشر: هل يتوافق الفكر الإسلامي مع الحداثة؟ هل تسمح أصول الدين أن يعيش العربي المسلم في دولة عربية حديثة تتميز بصفات الحضارة بما فيها محورية الإنسان المواطن في المجتمع، حرية الرأي والمساواة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين؟ هل يتعارض الإسلام مع أنظمة الحكم الحديثة القائمة على الديمقراطية وتناوب الحكم والتعددية؟ هذه الأسئلة نابعة من محاولة التواصل مع الآخر تواصلا إيجابيا فعالا، الآخر الأوروبي الغربي الذي ظهر في أفق وعينا مسلحا بكل أنماط القوة، قوة السلاح وإرادة السيطرة من جهة، وقوة العلم والعقلانية وقيم التطور والحداثة في الوقت نفسه”.
إن سقوط، أو تعثر، مشروع النهضة العربية والافريقية، بعد أفول نجم ثورات التحرر الوطني، لم يكن بأي حال نتيجة حتمية للسمات الخاصة بالموروث الثقافي، أو المكون البيئي والجغرافي، أو التركيبة الجينية الوراثية لشعوب هذه البلدان، كما يدعي البعض. بل كان بسبب سياسات وبرامج أنظمة الاستبداد والطغيان التي حكمت أفريقيا والعالم العربي بعد انتصارات حركة التحرر الوطني. فسيف هذه الأنظمة طال صناع النهضة الحقيقيين من مفكرين وعلماء ومثقفين ورجال دين مستنيرين، لتمتلئ مساحاتهم الشاغرة بالتيارات الماضوية، وبأنصاف المثقفين الذين سيطروا على وسائل الإعلام وأدوات التوجيه الثقافي والتربوي، ففرضوا نموذجا معرفيا بائسا يقوم على التلقين دونا عن التفكير الناقد، ويتحمس للتجهيل ومعاداة العلم، بدرجة أقرب إلى الملهاة المأساوية. إليكم، ما قاله أحد قادة الحركة الاسلامية الحاكمة في السودان للعالم الجليل والأكاديمي المرموق البروفسير فاروق محمد إبراهيم، وهو تحت التعذيب في المعتقل، “نحن نعذبك لأنك تدرس نظرية دارون “أصل الانواع” لطلاب الجامعة”!!
وإذا كان قمع الفكر والبحث العلمي يمثل أحد أوجه سياسات أنظمة الاستبداد، فإن خلق البيئة الطاردة للعقول والأدمغة يمثل الوجه الآخر. وفي هذا السياق، نوافق ما ذهب إليه الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف في ندوة الثقافة العربية والتحديات الراهنة في متحف البحرين الوطني، 11 مايو 2003، عندما قال “فرض على عالمنا، ذي الفضاء المغلق، ثقافة الخوف والكتمان، حيث يستقر التكفير السياسي منذ خمسين سنة، وينضم إليه راهنا التكفير الديني، مما يحشر الكتاب وأصحاب الفكر في زاوية التبرؤ من الكفر، مع إنقطاع متزايد ما بين المثقف والجمهور. فكيف يمكن للمفكرين الذين وضعوا في حالة إرتباك مع الذات، ودفعوا إلى الرقابة على فكرهم أن يقودوا معركة التصدي والتحدي وبناء المستقبل؟”.

د. الشفيع خضر سعيد

المثقف والتغيير (11)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير  الآن، وصل بنا قطار المثقف والتحديات إلى محطته الأخيرة، محطة مشروع النهضة والبعث الحضاري. وفي مساره السريع، كان القطار قد توقف بنا عند محطات: إدارة التنوع، بناء الدولة الوطنية، الإثنية والطبقية، العولمة، الحرية الفردية، ومشروع الإسلام السياسي. لم يتوقف قطارنا زمنا طويلا في تلك المحطات، مثلما لن يتوقف...صحيفة اخبارية سودانية