في أبريل من العام 2014  بالتزامن مع إطلاق سراح مجموعة المعتقلين  التي عرفت شعبياً على نطاق واسع ب(مجموعة فاقان) بموجب عفو رئاسي  على خلفية  الإتهام  بالضلوع في محاولة  الشروع في محاولة إنقلابية   نشرت مقالاً تحت عنوان ( إستقرار جنوب السودان .. الحلقة المفقودة ) ، حيث أشرت  في صلب المقال إلي  وصف الحدث باللحظة التاريخية التي  كان يجب إستثمارها سياسياً  لتنفيذ حزم سياسية من التدابير أشرت إليها ب ( العدالة الإنتقالية)  لبداية لمخرج من الأزمة التي صعدت إلي السطح في ديسمبر 2013م .

الاَن و بعد مضي عامين علي الأزمة  جرت مياه كثيرة ( تحت الجسر)  أبرزها و أهمها  التوقيع علي إتفاقية  سلام بين أطراف النزاع  بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا  في  أغسطس  2015  ، تتويجاً لجهود أصدقاء  دولة جنوب السودان و دور  مقدر للإتحاد الإفريقي .

بالرغم من أن  الإتفاقية سارت في ذات الإطار التقليدي  الذي إختزل  الحل بين أطراف النزاع و من جانب  آخر فإنها  تركزت في ذات المعطيات التقليدية  (إقتسام السلطة  و الثروة) ، رغم ذلك  اُستقبلت  بترحاب و قبول  كبيرين  لأن  النظر إليها  إنطلق من زاوية  قُدرتها علي وقف  (العنف المفرط) الذي أدي  فقدان الأرواح  ، و نفذ إلي  منطقة أكثر حساسية  قادت  في بعض الأحوال  إلي  إنفصام  شعرة  علاقات إجتماعية  توطد تلاحمها  علي مر عقود من الزمان، كنتيجة مباشرة  للمناصرة  الإثنية  في صراع طبيعته  الحقيقية  سياسياً  أو بصورة أخرى ( صراع حول السلطة ) .

حتي كتابة هذا المقال لا يزال  شفق تنفيذ أتفاق السلام  يسير  في بداياته بحذر لكن رغم ذلك  يظل شهر يناير 2016م  ما  تتجه  الأنظار نحوه ،  لأنه  وفقاً  لترتيبات التنفيذ  هوالتوقيت  الذي يتوقع فيه  مرورها  بالإختبار الحقيقي فإما أن يمضي نحو تنفيذ جاد أو يصبخ  خيبة أمل  أقل  ما يمكن أن توصف بها ( تكرار الصدمة الكبرى ).

ليس إستباقاً للأحداث لكن  هنالك ضوء من التفاؤل يلوح في اَخر النفق لأن  الصراع الحالي  جاء بعد  (8) أعوام  من الإستقرار النسبي  (5) أعوام في ظل تفويض  إتفاق السلام السلام الشامل  2005م و (3) عامين بعد إنفصال جنوب السودان  في 2011م  ، وهي  فترة  زمنية رسخت في الأذهان  معني الإستقرار و العيش  الاَمن،  في تقديري  أنها  تنهض لتشكل حجر الزاوية  لذاك التفاؤل، لكونها  شكلت عامل نفسي  جعل قطاعات واسعة من مواطني  دولة جنوب السودان  يجمعون  بشكل غالب علي  الحرص علي  إستقرار الأوضاع و عدم العودة إلي الصراعات المسلحة  فكأن حالهم يشكل  ترجمة لحكمة شعبية  مفادها ( من تمتع بالعيش الاَمن  يدرك  جيداً سوءات الحرب ).

يظل تفاؤلي منقوصاً  دون توافر إرادة  سياسية  من  الأطراف  ، التي يجب أن  تلتزم  بدفع إستحقاقات تنفيذ الإتفاقية،  بجانب أمر  اَخر يجب تحققه  لإخراج الإتفاقية   مطبات الخلافات و يبعدها من  الأثار السالبة  لكونها    (محدودة الأطراف )، هو أن يتم    التعاطي مع بنودها  علي طريقة  (التفكير خارج الصندوق ) وهو مصطلح  يعني التفكير الخلاق  أو المبتكر الذي    يحقق أقصي  قدر من  (المنفعة) المصلحة .

للنظر عملياً لنموذج لطريقة  (التفكير خارج الصندوق)  دعونا نأخذ  النفط    كمثال لكونه  يمثل  إحدي  النقاط التي  تمثل  محط  أنظار  الأطراف  و أصدقاء  دولة جنوب السودان الذين تتشابك وتتعدد مصالحهم وقفاً لزاوية نظر  كل منهم و دورها  سابقاً في دعم الحركة الشعبية  قبل تنفيذ السلام  في 2005 م  وبعدها  ، إدارة  النفط علي طريقة (التفكير خارج الصندوق ) يفرض  عدم النظر إليه كمورد  يجب أن  يكون داخل دائرة الإقتسام  فقط ، بقدر ما  يجب إدارته (ككنز) يجب أن يوظف  لإدارة أقتصاد الدولة ،  علي سبيل المثال توجيه النفط إلي دعم الزراعة  بدلاً من الإستيراد  يقود إلي  ثورة  زراعية تؤائم  طبيعة  الموارد في جنوب السودان ،  وفي ذات الوقت  تصبح مورداً  ثاني  للإقتصاد القومي ، بل و يقود إلي تجنب  تجارب دول  اخري سارت في الأتجاه الخاطي مثل نيجيريا  التي أهملت الزراعة و ركزت علي النفط  لتدخل في أزمة حين نضب  ما تحت الأرض  ، كذلك الحال في  جمهورية السودان  التي أيضاً أهملت الزراعة ( مشروع الجزيرة ) و غيرها  و إعتمدت علي البترول لتفقد ذلك بفعل  الإنفصال   في العام 2011 م فلم تجد  طريق  لسد العجز سوي عبر إعلان  حزم التقشف الإقتصادية   في 2012 ،2013م علي التوالي .

في ذات السياق توظيف موارد النفط لنهضة صناعية  يعدد من مصادر دخل الإقتصاد  فالجنوب  دولة لديها من الموارد الغابية ، الذهب  ، الطيران  (للموقع المميز للدولة علي مستوي القارة ) ، صناعة الأسماك و توليد  الطاقة الكهربائية  علي سبيل المثال لا الحصر  و الأمر الذي  يحقق إستقرار سياسياً و إقتصادياً ، لأنه ببساطة أحدي  العوامل التي  عجلت بدموية أحداث ديسمبر 2013م  تركز الأنظار نحو  مورد  قابل للنضب مما وجه تفكير كل طرف في بذل جهد للفوز به  دون  إيلاء إهتمام  للجماجم التي تناثرت في طريق الوصول الي ذلك.

محور أقتسام السلطة  إذ لم يسير في ذات  إحداثيات  تلك النظرية فإنها ستخلق مزيداً من الإحتقان الذي سيؤدي بدوره إلي إنفجار جديد ،  فهاهي الفرصة  التي قد لا تتكرر أمام الجميع لجعل  المشاركة السياسية  تتم  تحت فلسفة  خلق بنية  للخدمة المدنية  بمعايير الكفاءة والفرص المتساوية  مع الأخذ في الإعتبار أن المواطنة هي  المعيار الاسمي  للتمتع بالحقوق و الإلتزام بالواجبات .

أخيراً  هنالك جيل  جديد  تفتح  و تعاظمت اَماله  بعد  الإنفصال  في العام 2011م ، لا يزال تراوده  أحلام العيش في ظل  ظروف تحترم كرامته و توفر له  حياة أفضل   ، وبالرغم من الراهن فهو  ينظر  إلي ما يجري  بعين بصيرة  و يمد حبل الصبر عل  الإتفاق  قد يقود إلي  تحقق ما يداعب  ذاكرته ،  لكن يجب الأ ننسي بأن صبره لن يطول  لأنه ليس علي أستعداد  لدفع  أثمان باهظة  في صراع  لا يمثله و لا يتوفر فيه ما يجعله  يحمل  البندقية للدفاع عن اي من أطرافه .

ختاماً  ( دعونا  نصلي   في  موسم تزامنت فيه الأعياد  ( ميلاد الرسول محمد (ص) و يسوع المسيح  من أجل  غد أفضل و مستقبل أجمل لدولة جنوب السودان).

بقلم: محمد بدوي

جنوب السودان.. التفكير خارج الصندوقhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتجنوب السودانفي أبريل من العام 2014  بالتزامن مع إطلاق سراح مجموعة المعتقلين  التي عرفت شعبياً على نطاق واسع ب(مجموعة فاقان) بموجب عفو رئاسي  على خلفية  الإتهام  بالضلوع في محاولة  الشروع في محاولة إنقلابية   نشرت مقالاً تحت عنوان ( إستقرار جنوب السودان .. الحلقة المفقودة ) ، حيث أشرت  في صلب...صحيفة اخبارية سودانية