أثار وزير البيئة قضية هامة لم تجد حقها من الاهتمام وهي قضية غياب الصرف الصحي عن كل المدن السودانية اذ ليس هناك مدينة واحدة في السودان تحظى بتغطية الصرف الصحي بكاملها والخرطوم العاصمة ظل الصرف الصحي فيها قاصرا على المشروع الصغير الذي اكتمل تحت الحكم الاستعماري وكان قاصرا على اجزاء من الخرطوم القديمة ولم يطالها توسع بينما توسعت المدينة عشرات المرات وبيعت كل اراضيها دون ان يحدث اي توسع في مشروع صرفها الصحي وهو حتى الآن لا يغطي حسب افادة وزير البيئة في البرلمان سوى عشر اراضيها بينما تظل تسعون في المائة من المدينة خالية من هذه الخدمة الصحية الهامة.

والأسوا من ذلك ان الكثير من باقي اجزاء المدينة التي وفر فيه السكان نظام صرف صحي فردي حفروا آلاف الابار السطحية التي تلوث المياه السطحية وقابلة بمرور الزمن ان تنفذ الى الاعماق فتلوث المياه الجوفية مما يشكل خطر على الصحة العامة تحدث عنه الوزير امام البرلمان وهو يعبر عن خيبة امله من جراء التقاعس في تنفيذ حتى المشروعات المحدودة التي اجيزت في الخطة وتم التصديق عليها من وزارة المالية في عهد الوزيرين السابقين لكن شيئا لم يحدث بالنسبة لتنفيذ الخطط المجازة.

وعلى مدى سنين كان هناك مشروع محدود لتوفير الصرف الصحي لجزء آخر من الخرطوم بحري ما زال تنشط الشركة المنفذة في انجاز عملها شهورا ثم تتوقف شهورا اطول لاسباب المالية وهو يسير بسرعة سلحفائية وسيحتاج الى سنين عددا لو استمر على هذه الوتيرة واذ نفذ بالكامل مع الجزء السابق الذي انجز قبل عقود لن يغطي الا سبعة في المائة من مساحة الخرطوم بحري بعد التوسع الذي طالها وما من مدينة اخرى في السودان نالت حظها حتى على هذا المستوى المتواضع الذي حدث في الخرطوم والخرطوم بحري.

والشئ المثير للدهشة ان وزارات حكومية ونافذين حكوميين مغرمين بالمباني الفاخرة يطاولون في البناء ويبنون مرافق حديثة لوزاراتهم وهيئاتهم باموال طائلة كانت ستكون أفيد للمدينة لو أنهم وجهوها لاقامة نظام صرف صحي للمدينة بل حتى ولو لجزء منها.

المباني الحديثة في المدينة تكاثرت سوى من القطاع الذي أثرى حديثا او من مرافق الدولة التي اصيبت بداء الصرف التفاخري والمباني الحديثة الشاهقة تخفي وراءها مظاهر الفقر المدقع الذي طال جل أهل المدينة- مما يعكس الى مدى حدث خلل في الاولويات ولقد كان افضل للمدينة أن تكون مبانيها الجديدة اكثر تواضعا ولكنها تقوم في بيئة صحية جيدة من هذا الذي يحدث الآن ولا نظن ان الحديث الذي قدمه وزير البيئة ولا الشكوى التي رددها في ذلك الاجتماع ستقع على اذان صاغية ولن يهتم بها احد- ولا نعتقد ان تمويل مشروعات الصرف الصحي التي صدقت عليها وزارة المالية تجد اهتماما من صانعي القرار او تجد اسبقية في اجندتهم.

اختلال الاولويات هو السمة السائدة ليس بالنسبة للصرف الصحي بل بالنسبة للانفاق العام في كافة المجالات ومفهوم(التحديث) اصبح مفهوما ملتبسا لأن الصرف المظهري اصبح هو الاساس وهو الدليل الاوحد لمقياس(الحداثة) التي يريد البعض ان يباهي بها وهو صرف تفاخري بكل المقاييس وليس له علاقة بالاولويات التي تستحق الاهتمام ولا بالفوائد التي تجنى من المشروع وهذا الخلل قد طال كل اوجه حياتنا- من العربات الفارهة حتى العمارات الشاهقة في مواجهة المصانع المعطلة والمزارع البائسة!!

محجوب محمد صالح

انه خلل في الاولويات يا وزير البيئةhttps://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?fit=196%2C300&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءالبيئةأثار وزير البيئة قضية هامة لم تجد حقها من الاهتمام وهي قضية غياب الصرف الصحي عن كل المدن السودانية اذ ليس هناك مدينة واحدة في السودان تحظى بتغطية الصرف الصحي بكاملها والخرطوم العاصمة ظل الصرف الصحي فيها قاصرا على المشروع الصغير الذي اكتمل تحت الحكم الاستعماري وكان قاصرا على...صحيفة اخبارية سودانية