خلال الأسبوع حملت الصحف أنباءً عن صراعات قبلية ينبغي أن تثير قلقنا تماماً، فقد جاء في الأنباء أن حصيلة الصراعات المسلحة الداخلية بين عشائر قبيلة المسيرية أدت غلى مقتل مائة وخمسين مواطناً وإصابة مائة آخرين بجراح في المعارك التي دارت بالأسلحة الثقيلة بين أفراد من عشيرة اولاد عمران وعشيرة الزيود، وهما من بطون قبيلة المسيرية، وأن اسباب الصراع تعود غلى نزاع حول ملكية أرض بالقرب من حقول النفط مما جعل لتلك الأرض قيمة عالية تؤجج الصراع لهذه الدرجة، وقد اضطرت السلطات لنشر قوات من الأمن والجيش للفصل بين العشيرتين واحتواء الموقف المتأزم.

وبالأمس حملت الصحف أنباء عن تجدد القتال بين المعاليا والرزيقات بمنطقة(لغضو) شمال مدينة الضعين وراح ضحية لذلك القتال ثمانية عشر قتيلاً وجرح العديدون، وكان تلك المواجهات قد تجددت على أثر مقتل شخص من قبيلة الرزيقات على أيدي أفراد من المعاليا وخروج جماعة من الرزيقات للأخذ بثأره فدارت المعارك التي أودت بحياة هذا العدد وإصابة العديدين من الطرفين بجراح.

وقبل شهرين وقعت معارك بين الحمر والمعاليا في شرق دارفور وغرب كردفان أدت غلى مقتل وإصابة العشرات وبحسب بيانات الأمم المتحدة فإن هذه المعارك أدت غلى نزوح ثمانية وثلاثين الف مواطن من المنطقة حرصاً على حياتهم، وتضيف بيانات الأمم المتحدة أن الصراعات القبلية في إقليم دارفور منذ بداية العام الماضي أدت إلى تشريد ثلاثمائة ألف نازح باتوا يعيشون الآن في معسكرات.

الذي يثير الدهشة أن كل هذه الصراعات الدموية التي تودي بحياة المواطنين وتشردهم من ديارهم وتلحق الأذى البليغ بهم ما عادت تشغل الرأي العام وبدأ الناس ينظرون إليها كأمر عادي وهم يطالعون أعداد الضحايا في(مانشيتات) الصحف مما يعني أن الناس باتوا لا تزعجهم هذه النباء من كثرة تردادها مع أنها تشكل تهديداٍ خطيراً وتحديات حقيقية لمستقبل الاستقرار في شتى أنحاء السودان وذلك يعني أن ثقافة العنف باتت متجذرة في بلادنا.

وما زالت الحكومة تتعامل مع هذه المشكلات باسلوب مؤتمرات الصلح وتبادل الديات، وهو أسلوب كان ناجعاً عندما كانت هذه الأحداث متفرقة واستثنائية وضحاياها قليلو العدد لأن السلاح المستعمل فيها كان سلاحاً تقليدياً، أما الآن فهي تدور بأحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً وتأتي في إطار حالة حروب أهلية محتدمة وفرت خبرات سكرية للعديد من الأفراد ووجود مليشيات احترفت الحرب وبات التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى مقاربة جديدة خاصة بسبب وجود متغيرات على الأرض تؤجج الصراع والمنافسة حول الموارد الطبيعية وفي مقدمتها البترول والذهب، والمناطق التي تحتوي على مثل هذه المعادن ستظل تفجر صراعات قبلية حادة ليس بين  قبائل متصارعة فحسب بل بين العشائر والبطون المتنافسة داخل القبيلة الواحدة.

إن آليات فض النزاعات التقليدية مفيدة ولكنها تحت هذه الظروف لن تكون ناجعة وحدها ولابد من جهد اكبر ولابد من ابتداع وسائل جديدة لتحقيق السلام القبلي، والحكومة نفسها معترفة بأن النزاعات القبلية باتت تشكل أخطر التحديات التي تواجه الأمن وقد نبَّه لهذه الحقيقة رئيس الجمهورية نفسه في خطاب أمام مجلس شورى الحزب الحاكم العام الماضي، لكن لم يحدث أي تقدم على الأرض في ابتداع وسائل لمعالجة الجذور الحقيقية لتلك الأزمات، ومازالت الوسائل القديمة المتمثلة في مؤتمرات الصلح والأجاويد وتبادل الديات إضافة إلى نشر بعض القوات النظامية هي العلاج الوحيد رغم أنه قد اثبت عدم جدواه، ولا يكاد مؤتمر الصلح ن ينتهي حتى تتجدد الاشتباكات من جديد وتؤدي إلى مقتل المئات وتشريد الآلاف. لا يمكن تحقيق أي استقرار إذا كان هذا السيناريو مستمراً!

محجوب محمد صالح 

عندما تتجذَّر ثقافة العنف !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتنزاع اهليخلال الأسبوع حملت الصحف أنباءً عن صراعات قبلية ينبغي أن تثير قلقنا تماماً، فقد جاء في الأنباء أن حصيلة الصراعات المسلحة الداخلية بين عشائر قبيلة المسيرية أدت غلى مقتل مائة وخمسين مواطناً وإصابة مائة آخرين بجراح في المعارك التي دارت بالأسلحة الثقيلة بين أفراد من عشيرة اولاد عمران وعشيرة...صحيفة اخبارية سودانية