بتاريخ 19 فبراير 2014 ، في جريدة السوداني الاربعاء 19 فبراير 2014( العدد 2930) ، نشر بيان من نقابة المحامين ، ذات الوجوه الجديدة بعناوين القديمة ،( تتأسف) علي ماحدث للمحامية ( الاستاذة ألهام كرار ) ، والتي  لم أتشرف بمعرفتها كزميلة لي في المهنة .

 أود أن أتضامن مع تلك الزميلة الجسورة ، بموقفها الكاشف والتقريري ، ضد السيد / عقيد شرطة ( الذي لم يذكر أسمه في البيان). وأني اضع تضامني المهني في مسألتين ، الاولي : ان ما حدث من أعتداء هو عنف (غير معزولا) ، وهنا الخطاب موجهة للوجوه الجديدة بعنوان قديم للمؤتمر الموطني في نقابة المحامين ، والمسالة الثانية : قادة الشرطة بأعتبار أنه ليس هذا الاعتداء الاول من نوعه علي المحامي ، وكما أن هذا العنف ضد محامية له دلالة خاصة ، ولأفراد الشعب له أمتداد عام.

وتأتي المخاطبة لقادة الشرطة قبل فوات الاوان ، ونقصد بفوات الاوان ، أفتقاد الشرطة لإحترام الشعب والمواطنين الذين هم موضع عملهم في تطبيق القانون وسيادته ، وسنجري حوار مع قانون الشرطة لسنة 2008 في هذا المقال، بمساعدة بعض الدراسات لمزيد من الاستكشاف العلمي ، لظاهرة العنف من جانب الشرطة :هل هو غريزي وفطري أم أنه مكتسب ( من مهنية الشرطة )، مع القاء نظرة في طريقة تدريب الشرطة وفقا للدستور الانتقالي لسنة 2005 ، علي ضوء الدراسات الحديثة في (علم العنف ) المنشأ في الدول الغربية وعلي وجه الخصوص في الولايات المتحدة الامريكية  .

المحامية إلهام، التي اعتدي عليها ضباط شرطة بودمدني
المحامية إلهام، التي اعتدي عليها ضباط شرطة بودمدني

أولاً : بيان نقابة المحامين هو متوقع أن ( يعزل العنف ) عن مسار الواقع الذي يؤكده مره أخري أن أحترام المحامي ظل طوال ال24 عاما بعيدا عن سيادة حكم القانون . و ليس هذا هوالحادث الاول من نوعه هناك الاعتداء عنفا علي الاستاذ / مهند مصطفي  من الشرطة . لنقف لحظة لكيما نتأمل عبارة ( معزولاً ) ، أهو دفاع عن المحامية التي تتمتع بعضوية النقابة أم هو تبريرلموقف الضابط العظيم ( هذا لقب تمنحه الرئاسة ) ، وتعبير (معزولاً) يضع النقابة في مأزق سياسي من جانب ، وقانوني من جانب آخر . سياسي نعني به أن هناك مبادئ نص عليها قانون الشرطة لسنة 2008 في المادة (11) ، تعني ان الشرطة لها دور في تطبيق الدستور وخاصة وثيقة الحقوق ، والتي تحظر في مجملها العنف والاعتداء ، بل الشرطة تمنعه بين أفراد الشعب ، ولعل من الثابت أن القانون الدستوري هو قانون سياسي في المقام الاول ، وبالتالي أن يصبح السلوك المتعارض مع قانون الشرطة والدستور كيف يكون ( معزولاً ) ؟ والسؤال : (معزولاً) من أي شئ ، عندا يقال ان الامر معزولا بمعني أنه لا صلة له بالحقيقتة التي وقعت من جانب  ومعزولاً بمعني لا ينتمي إلي صفة ومقام الانسان ( كامل الاهلية ) ، هل يقصد البيان ذلك ؟ . وأذا قلنا أنه معزولا عن التصرفات والسلوك الذي يمليها القانون علي أي فرد من أفراد الشرطة ، فان هذا الفهم لا يتسق مع قانون الشرطة خاصة نص المادة ( 13) (أ) والتي تنص علي ان ( واجبات قوات الشرطة علي الوجه الاتي : المحافظة علي أمن الوطن والمواطنين – سلامة الانفس والاموال والاعراض ).، هل العزل الذي تريده نقابة المحامين من اي واحده تلك المسائل  ، هل من( أمن المواطنين ) والتي تشمل المحامية أيضا ، أم من (الأعراض) وتشمل المحامية ايضا . ويضاف الي ذلك ما نصت عليه الفقرة (ط) من المادة وتقول ( تنفيذ الاحكام القضائية والقرارات القانونية صادرة من سلطة ذات أختصاص ) من السيد / وكيل النيابة مثلا ، هل الضابط الذي قام بالاعتداء ، أو استعمل القوة الجنائية حسب وصف القانون الجنائي ، أو العنف في لغة الجندر . هل يجوز أن يكون هذا الفعل (معزولاً ) من كل ذلك ؟ . التفسير السليم أن نقابة المحامين اصدرت البيان دون أن تنظر الي طبيعة الفعل الذي أقترفه الضابط المسؤل ، بدافع لا ننظر اليه أكثر من أنه دفاع عن السلطة التي تمثلها سياسيا ، وبالتالي تدافع أو تبرر العنف السياسي بطريقة مستبطنة  . ونود أن نبدي ملاحظتين علي البيان هما :

  1. أستهلال البيان بآيات من القرآن الكريم ، من ناحية المبدأ ، لا معقب علي قوله سبحانه و تعالي . ولكن ماعلاقة الآية الكريمة بما حدث ؟ . لا نجد تفسير لذلك إلا في اللجوء الي الدين عند تبرير مواقف خاطئة حتي نلتمس المغفره . ولكن بفرض كان المعتدي محاميا وأعتدي بالضرب علي نفس فرد الشرطة وبتلك الرتبة العسكرية  وبذات الطريقة التي مارس بها العنف ، لكان ذلك المحامي التعيس في مكان لا يعرف له غراراً ، هل سيصدر بيان بهذا الشأن وبنفس الاية الكريمة التي أستهل بها البيان ، نترك القارئ الكريم يجيب بحرية علي ارضية المساواة امام القانون؟ ! . وفي هذا المكان يحضرنا قول الكتور حامد أبوزيد حين قال : ( أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية فيما يتعلق بالاسلام ذلك الاستخدام الايديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية محلية عاجلة ، سواء تم هذا الاستخدام من جانب جماعات سياسية بعينها ، أو من جانب الانظمة وسلطات سياسية فاقدة للمشروعية الاجتماعية والسياسية والقانونية ، فالنتيجة واحدة هي تحويل الاسلام إلي أداة من إدوات وإختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيوية متدنية ) (جريدة الايام بتاريخ 20 فبراير 2014 ) .
  2. جاء في البيان ( أن هذا الحدث المعزول يتنافي وقيم الدين وأعراف وتقاليد الشعب السوداني الذي يترفع عن أهانة الرجل للمرأة بالضرب ) . ومن غير المنطق السديد قول الشيء ونفيه في ذات الوقت ، وأن يكون معزولاً وفي نفس الآن يتنافي مع .. ؟ وكيف يكون الحدث معزولا عن الدين والاعراف والتقاليد ويكون معزولا عنها ؟ المنطق والقانون يقولان أن الحدث ( العنف ) لا يكون معزولا ،اليس كذلك ، بدليل أن المشرع في القانون قد جرم أستعمال القوة الجنائية أو التعذيب أو الضرب ووضع لها عقوبة صارمة ، إذا كيف نعزل هذا السلوك عن القانون ؟ . ولماذا لم تكن أحداث سبتمبر والتي تجري محاكمتها هذه الايام ( معزوله )عن الدين وقيم المجتمع ؟ . ويقول الباحث في الفكر السياسي ف. دنيسيوف في مؤلفه ( نظريات العنف : ( أن الصفة السلبية للعنف ، ولشائعة بكثرة في المؤلفات البرجوازية ، تطلق علي مظاهر العنف التي تخرج عن أطر النظام والشرعية البرجوازية وتوجه ضد المنشآت المجتمع الراسمالي الاجتماعية والاقتصادية أو تمثل تهديدا حقيقيا ، أي العنف الاتي ( من الاسفل ) . أما أعمال المؤسسات أو الافراد التي تأتي بأسم النظام السياسي القائم ، فلا تنطبق عليه هذا التعريف ، لأن هذه الاعمال بالذات ليست مصنفة غالبا في زمرة ( العنف ) ، مادامت ترتكز علي قانون .. ) ( 121 )

 والسؤال الجوهري لماذا لجأ أعضاء مجلس نقابة المحامين الي ( عزل) هذا السلوك ( الضرب ) وتبريره بهذه الكيفية وفي نفس الوقت أن يكونوا ( قوامين لله شهداء بالقسط ) . وهل يعرف أقامة العدل أن يعتبر (حدث العنف) ( حدثا معزولا ) ، وعلي ماذا يكون (القسط)؟ . ووقع البيان حتي مع الآية القرآنية الكريمة والعادلة عدلاً مطلقا حين ذكرت ( ولا يجر شنئان قوم علي إلا تعدلوا وهو أقرب الي التقوي ) . فأن شأن الضابط الشرطي هو الذي جر النقابة إلا تعدل في قولها ، كان يتعين عليها أن تستند علي عدم عزل ( الضرب ) لأمرأة والتي جاء في تكريمها العديد من  من الايآت القرانية  و الاحاديث ، وان تطلب العدل فورا وتقود النقابة بنفسها ومحاكمة الضابط العقيد بموجب النصوص القانونية الاتية :

  1. تنص المادة (14) (2) من قانون الشرطة (  يلتزم الشرطي في مسلكه العام بالصدق وألأمانة وعفة اليد واللسان وبما تفرضه عليه القوانين واللوائح والاوامر ، أن يحافظ علي كرامة المواطنين وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق مع الاحترام الواجب لوظيفته وما تنظمه قواعد السلوك وقيم المجتمع الفاضلة ).
  2.  المادة (11) (2)من قانون الشرطة ( يلتزم الشرطي في أداء وظيفته وواجباته بالمبادئ الاتية :

( أ ) إحترام سيادة حكم القانون .

(ب) تعزيز وأحترام حقوق الانسان وفقا للدستور ،

( ج ) الالتزام بالنظم والمعايير المهنية والفنية والسلوكية القومية والدولية المقبولة في أداء الوظيفته ،

( د ) إحترام الأديان وكريم المعتقدات .

( هـ) أداء الواجبات بكل حيدة ونزاهه وفقا للقانون والمعايير القومية والدولية المقبولة .

  1. وتنص المادة (61 ) من القانون ( كل شرطي يرفض أو يعصي أي أمر يصدر أليه من ضابطه الاعلي أثناء واجباته دون عذر مقبول سواء صدر له هذا الامر كتابة أو شفاهة يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز ……. ) .
  2. تنص المادة ( 65 ) من قانون الشرطة علي أن ( كل شرطي يرتكب أي فعل أو أمتناع يشكل جريمة بموجب احكام القانون الجنائي أو اي قانون آخر ويشكل في ذات الوقت إخلال بوظيفته أو مخالفة بموجب هذا القانون توقع عليه العقوبة الأشد ) .

كان يتعين علي نقابة المحامين في بيانها أن تكون أكثر تحديد وموضوعية ، بدلا من قولها ( توكد علي ثقتها في قيادة الشرطة في قيامها بواجبها تجاه محاسبة المتفاتين من منسوبيها … ) . ولفظ الجمع هنا غير صحيح وفيه تضليل ، حيث أن مرتكب الفعل ضابط واحد أو علي الاكثر الذين شاهدوا الحادث ( المعزول ) . في غير ذلك لا يجوز الجمع بكلمة ( المتفلتين أو منسوبيها ) ، وانتم في مجلس النقابة للمحامين وليس لأي قطاع آخر لا يفترض فيه العلم بالقوانين ، كان الافضل لمجلس النقابة أن يشرع في إجراءات عملا بنص المادة (61) من قانون الشرطة مقروءة مع نص المادة ( 45 ) (1)طلب الاذن لإتخاذ الاجراءات الجنائية ضد الشرطي والتي تقرر في عجز المادة المذكورة ( ولا يتعدي  القدر المعقول من القوة لتنفيذ واجباته أو لتنفيذ القانون دون أي دافع آخر للقيام بذلك الفعل ) والفقرة (4) تنص علي أن ( كل شرطي يواجه أية إجراءات قانونية تقتضي ايداعه بالحراسة القانونية يحبس بحراسات الشرطة لحين الفصل في الإجراءات … ) أو المادة 46(2) والتي تنص علي ( مع عدم الاخلال باحكام المادة (1) يجوز للوزير أو من يفوضه إحالة أي دعوي جنائية لمحاكمة عادية مختصة إذا اقتضت العدالة ذلك ) .

 علم العنف   

دفعني بيان مجلس نقابة المحامين ، حين ذهب الي أن ماحدث للمحامية ، من ضرب إلي أنه ( حدثا معزولاً ) . وهنا ، تؤكد الدراسات العلمية والبحث العلمي ، ان اي عنف ليس هو حادث معزولاً ، بأي حال ، وألخص مرافعتي في الاتي :

  1. وقد ظهر في الغرب في السنوات الاخيرة علم حديث نسبيا اسمه : Violencologie  أو ( علم العنف ) ويبدو أن الباحثين البريطانيين هم الذين طرحوا هذا اللفظ . الذي أعتبر تأسيسيه ( نقطة تحول في مصير البشرية ) . وحسب رأي مؤسسيه ، تتألف وظيفته من دراسة الاشكال المتعددة لمشكلة العنف ومصادرها وآلية أيضاح هذه الظاهرة ، وطرق تلافيها ، كل هذا بواسطة النظرية التجريبية والنظرية ، مرتكزين علي طرائقهم المناهجية ووسائلهم في المعرفة العلمية . وقد كتب عالم الاجتماع الامريكي نيبوغ : ( ترتبط مشكلة العنف السياسي باية قضية هامة في علم الاجتماع السياسي والنظرية السياسية كما ترتبط باية مشكلة في الحياة الاجتماعية والسياسية … ) ، ومع ذلك ، حتي زمنا قريب لم تعرف العلوم الاجتماعية بشكل ظاهر أي أهتمام ولم تتخذ أية دراسة جدية حول الحيوية السياسية ونمو ظواهر العنف ، معتبر التصرف العنيف كفعل خرج عن العادة وغير وصفي . ( ينجم عن قصر تفكيرنا العلمي الذي يستخف بمعني هذه الظاهرة الحقيقي ودورها ، قلقنا وشعورنا بالخطر المشاهد اليوم موجة العنف المتزايد ) ( العنف السياسي – نيوريوك 1969 – ص5 و6) . وقد كتب أيضا الفليسوف الامريكي لورنس ( اصبح العنف ” موضة ” في العلم والسياسة ) وإنه يثير العديد من المسائل المختلفة الأنواع ويفسح المكان للآراء الأكثر تناقضاً . ماذا تمثل ظاهرة العنف : قانون الحياة أم أنتهاك هذا القانون ؟ أهي عدوة الانسان والتقدم والنظام ، أم هي علي العكس أساس هذه الأمروالضرورى ومصدرها ؟ أهي وسيلة عقلانية للعلاقات السياسية أو أداة إفناء ذاتي ؟ أهي نتيجة العادات المكتسبة والثقافة أم تقررها بعض الغرائز الطبيعية الفطرية ؟ هل العنف شكل مرضي أو إرادي للسلوك البشري ؟ أهو ارتكاس عادي وأع إرادي يستطيع فاعله – بل يجب – أن يتحمل مسؤوليته التامة والكاملة ؟ هل يستطيع المجتمع أن يستدرك ويزيل أسباب ومصادر العنف من الممارسة الاجتماعية أم أنها سوف تتلاشي من تلقاء نفسها وتزيل نفسها بنفسها بطريقة طبيعية خططت لها الطبيعة نفسها ؟ من الواضح ضرورة جلاء الرؤية الفلسفية هنا ، ليس فقط بسبب الاجابات المتناقضة علي هذه الاسئلة ولكن أيضا بسبب طريقة طرحها ذاتها ) ( العنف في النظرية والتطبيق الاجتماعي نيوريوك 1970 الجزء الاول ص 31 . )
  2. ومع أنه غالبا ما يستخدم لفظ ( العنف الاجتماعي ) و ( العنف السياسي ) مترافين في الحياة اليومية وحتي المؤلفات العلمية ، فإنهما مختلفان عن بعضهما البعض بشكل واضح . إن لمفهوم ( العنف الاجتماعي ) معني ومحتوي لفظيا أكبر بلا شك من معني ( العنف السياسي ) . وعمليا تتعلق بالأول كل مظاهر القوة والقمع في الحياة الاجتماعية ، بما فيها العنف السياسي . ويوجد الأساس المنهجي لتمييز العنف السياسي في خصائص تأسيس السلطة ، وفي أختلاف المبادئ الذي يقيمانه بين السلطة الاجتماعية والسلطة  السياسية ، أي الدولة . ولو وجدت في قاعدة أغلبية مظاهر العنف الاجتماعي إرادة طبقة معينة فأن هذه الارادة في ظاهرة العنف السياسي تتجلي بصورة رئيسية بشكل دستوري ، أي كأرادة تشكل حكومي محدد ، أو حزب سياسي ألخ ، والعنف السياسي قبل كل شئ عنف منظم ، يتبع غايات محددة علي الصعيد الداخلي والخارجي ، ويرتكز علي جملة من التشريعات وأجهزة سلطة الدولة المبتكرة خصيصا لذلك .
  3.     أن العنف يمثل كل اللآليات الدفاعية ، لا يمكن الانسان المقهور من حلّ مأزقه الوجودي بشلك ملائم يرد إليه التوازن النفسي . فهي في معظمها لا تتصدي للواقع ، بل تتراوح بين الهروب منه ( الانكفاء علي الذات ) ، والهروب فيه ( التماهي بالمتسلط ) والعيش في وهم السيطرة عليه ( السيطرة الخرافية علي المصير ) . فإذا كانت تحمل حلولا جزئية لذلك المأزق ، فأنها لا تجنب المرء تراكم التوتر النفسي ، وتفاقم الحقد  الداخلي الذي يهدد بالانفجار أو الاندثار . لابد أذن من آلية أضافية تفرغ هذا التوتر وتقضي علي خطر الغليان الداخلي بتصريف الحقد . ذلك هو العنف والقتال ، يتخذ كلاهما معني التغيير الفعال ، وأن كان سحريا في معظم الاحيان ، لمعطيات الواقع طالما أنه يتصدي له باشكال مختلفة . العنف يبقي الوسيلة الاخيرة في يد الانسان للأفلات من هذا المأزق . والعنف هو السلاح الاخير لإعادة شئ من الاعتبار المفقود إلي الذات من خلال التصدي مباشرة ، أو مداورة للعوامل التي يعتبرها مسؤلة عن ذلك التبخيس الوجودي الذي حل به .  والعنف هو لغة التخاطب الاخيرة الممكنة مع الواقع ومع الأخرين ، حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي ، وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم بالاعتراف بكيانه وقيمته . والعنف هو الوسيلة الاكثر شيوعا لتجنب العدوانية التي تدين الذات الفاشلة بشدة ، من خلال توجيه هذه العدوانية الي الخارج بشكل مستمر ، أو دوري ، كلما تجاوزت حدود الاحتمال الشخصي ، فالعنف قد يد يكون عشوائيا مدمرا يذهب في كل أتجاه … ( راجع مصطفي حجازي – سيكلوجية الانسان المقهور ص 165 )
  4. ويبدو أن هذه العدوانية المتفجرة ، تتلمس الفرص كي تضغي علي الوجود والعلاقة . فهي غير متناسبة في معظم الاحيان مع حجم وأبعاد الوضعية التي أثارتها . وكأن هذه ليست سوي الفتيل الذي أشعل برميل البارود ، ويبدو الامر بوضوح في اصغر الصراعات ( تسمي عاميا بالشكله ) ، وكلمة (شكله ) مثير للدلالة الرمزية ،فكأن الصراع لا يمن أن يكون أقل من عملية ( شكّل ) متبادل . والواقع أن العدوانية تتفجر لدرجة تبلغ حد الرغبة الهوامية في ابادة الخصم . يبدو أن هذه الابادة وحدها تطفي جذوة العدوان . وأن كان هذا القضاء علي الخصم يتخذ طابعا رمزيا ( لأنه يكتفي معظم الاحيان بحركات سحرية لها دلالة هزيمته وأبادته ) لحسن الحظ ، فإنه لا يتجسد واقعيا في فعل دموي كارثي ، لا يقدر الفاعل قطعا أبعاده حق قدرها في لحظة الاقدام علية . جنايات القتل الفجائي إثر خصام آني ليست نادرة في المجتمع المتخلف ، خصوصا عندما يصبح علي عتبة أنفجار عام للعنف الكامن في بنيته : ولا تندر في هذه الحالات إلي أين نحن سائرون ، يطلقها بعض من يحسون بالعاصفة أتية ، وغيومها تتلبد السماء . ( الكتور مصطفي حجازي – سيكلوجية الانسان المقهور ، ص 177 ) .

وأخير ، إذا قدر الي أن تجري محاكمة عادلة ، فانه لابد أن يعاد النظر في البرنامج التدريبي للشرطة سواء قبل الخدمة أو أثنائها ، كما أن من المهم في البرنامج التدريبي ، أن تدخل قواعد وبادئ حقوق الانسان للشرطة ، وهي اصبحت عالمية ، مثل التي يراها الاطفال في الافلام الاجنبية ، والتي تظهر تعامل المشرطة مع المتهم وكيف تحفظ كرامته وأدميته ، وتساءله عما إذا كان يود الاتصال بمحامي للدفاع عنه ، أو يحتاج الي تقديم عون قانوني له ، وهذا أثناء القبض . كما أننا نناشد من يقومون بأعداد الدستور القادم أن ينص علي التعويض العادل في حالة أرتكاب الاجهزة الشرطية او الامنية الي ارتكاب اي فعل سبب ضررا أن يتم تعويضه ، كما فعل المشرع في قانون العقوبات لسنة 1974 . وما يمكن قوله أن الرتبة الشرطة التي صدر عنها هذا الفعل ، يجعل قيادة الشرطة أعادة النظر في كامل حزمة التدريب والاختيار والتعيين من جديد ، وهو اقرب الي التقوي .

حميد إمام ، المحامي

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتحقوق إنسانبتاريخ 19 فبراير 2014 ، في جريدة السوداني الاربعاء 19 فبراير 2014( العدد 2930) ، نشر بيان من نقابة المحامين ، ذات الوجوه الجديدة بعناوين القديمة ،( تتأسف) علي ماحدث للمحامية ( الاستاذة ألهام كرار ) ، والتي  لم أتشرف بمعرفتها كزميلة لي في المهنة .  أود أن أتضامن مع...صحيفة اخبارية سودانية