انتهى المدى الزمني – ثلاث سنوات- للبرنامج الثلاثي الذي وضعته الحكومة للتعافي من الأزمة الاقتصادية التي ترتبت على انفصال الجنوب وفقدان عائدات صادرات النفط؛ انتهى المدى الزمني دون أن تتحقق نتائجه المرجوة بزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي حتى يسد الحاجة المحلية ويوفر فائضاً للتصدير ليحقق زيادة معتبرة في حصيلة الصادرات غير البترولية. ورغم تفاؤل الحكومة فقد شككنا منذ البداية في نجاح هذا البرنامج الثلاثي لأن المعطيات المطلوبة لنجاحه غير متوفرة وفي مقدمتها توفير التمويل المطلوب لذلك البرنامج الطموح، بالإضافة إلى ضعف البنى التحتية، وسوء الإدارة دون وجود أي مؤشرات على إمكانية تحسين تلك الأوضاع خلال فترة إنجاز البرنامج.

وكان واضحاً أن أزمة(التمويل) تحتاج إلى دعم خارجي في شكل منح وقروض ميسرة من دول صديقة تكفي لتوفير موارد أساسية تستغل في تمويل ذلك البرنامج، وذلك لا يتحقق إلا بإصلاح جذري في علاقة السودان الخارجية المبنية على استراتيجية تستصحب مصلحة السودان وتُنفذ بأسلوب راشد وبتنسيق بين الأجهزة الرسمية المعنية، ولعل الشكوى التي ظل يرددها وزير الخارجية دون انقطاع عن ارتباك في التعامل مع الأوضاع الخارجية، وانعدام التنسيق، وتدخل جهات مختلفة برؤى متناقضة في مسار العلاقات الخارحية يقف دليلاً على ذلك.

ثم إن الممارسات الداخلية لها انعكاساتها السالبة على وضع السودان الدولي، فانتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث تخلق أجواءً غير مواتية وتزيد من حدة الحصار المفروض على السودان وتعيق أي محاولة لتطبيع علاقاته مع الخارج حتى يستطيع أن يستفيد من سوق المال العالمي، أو يجد من الدول الصديقة ما يعنيه على اجتياز تلك العقبات. وعلى العكس من ذلك تنفجر من حين لآخر أزمات غير محسوبة النتائج تزيد الأمر تعقيداً. وآخر هذه الأزمات التي تفجرت خلال الأسابيع القليلة الماضية تمثلت في قضية الفتاة المتهمة بالردة والتي صدر عليها حكم بالإعدام فتصدرت ومازالت تتصدر كافة وسائل الأعلام في شتى أنحاء العالم، ثم الهجمة الكبيرة التي شُنَّت على الصحف فور ممارستها لقدر من الحرية التي أعلنت الحكومة التزامها بها، ثم قضية حبس السيد الصادق المهدي على خلفية تعبيره عن وجهة نظره في ممارسات قامت بها جهة نظامية أو شبه نظامية في ظل حكومة أعلنت فتح باب الحوار الوطني دون قيود.

هذا الارتباك في المشهد الداخلي لن يقتصر أثره على الداخل فحسب بل يتجاوزه إلى وضع السودان الخارجي وصورته في المشهد الدولي. وبالإضافة إلى زيادة الاحتقان السياسي الداخلي واستمرار الحروب فإن هذه الممارسات ستجرد السودان من أي تعاطف خارجي يسهم في إصلاح موقفه الاقتصادي، بل وسيسهم في ابتعاد المستثمرين عن أرض تعيش كل هذا القدر من الارتباك.

والأزمة الاقتصادية تحت هذه الظروف ستتصاعد، وبرامج الإنقاذ الاقتصادي ستتعطل، ولن يحقق الموسم الزراعي النتائج المرجوه منه، ولن تتقدم الصناعات المحاصرة بضعف التمويل وقلة النقد الأجنبي المطلوب لمدخلات الإنتاج ولقطع الغيار، وسيزيد هذا الوضع المتردي من هجرة العقول والكفاءات، ولذلك فإن مجالات الإنتاج والخدمات ستحرم من ثروة البلاد البشرية. ليس هذا سيناريو متشائماً ولكنه صورة للواقع المعاش الذي يواجهه المواطن كل صباح. ورغم كل الوعود التي تتردد عن البحث عن حل شامل إلا أن شيئاً من ذلك لن يتحقق لأن الحكومة على قناعة بأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان، ولذلك فهي تقاوم مطالب التغيير أملاً في معجزة تنقذ الأوضاع. لقد ولَّى زمن المعجزات ولن تتحسن أوضاع السودان إلا بتغيير شامل يتصدى بشجاعة لجذور المشاكل ويخلق جبهة داخلية موحدة في مواجهة التحديات، ولابد من أن يتحقق ذلك طال الزمن أم قصر!.

محجوب محمد صالح

كل الأزمات متداخلة... وكلها تنتظر حلاًّ شاملاً !https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانانتهى المدى الزمني – ثلاث سنوات- للبرنامج الثلاثي الذي وضعته الحكومة للتعافي من الأزمة الاقتصادية التي ترتبت على انفصال الجنوب وفقدان عائدات صادرات النفط؛ انتهى المدى الزمني دون أن تتحقق نتائجه المرجوة بزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي حتى يسد الحاجة المحلية ويوفر فائضاً للتصدير ليحقق زيادة معتبرة في حصيلة الصادرات...صحيفة اخبارية سودانية