يومها لم يتمالك النزيل (جعفر) نفسه واخذ يذرف الدموع بسخاء وقد خنقته العبرة تماما، وحالت بينه وبين مواصلة تلاوة القرآن في فاتحة احتفال رسمي باطلاق سراح نزلاء بسجن كوبر بالخرطوم بحري قبل بضعة اعوام.

تلك الصورة التراجيدية الحزينة جعلت الجميع يتساءلون من هو جعفر؟! وباي ذنب ادخل السجن؟! وجاء الجواب سريعاً بان الرجل حبيس على ذمة مطالبة مالية لاتتعدى (19) الف جنيه لاغير.

جعفر يروي بانه ذهب الى احد التجار بالسوق العربي واشترى منه ملابس جاهزة وليبدأ رحلته في التجارة لكن لم تأتي الرياح كما تشتهي سفنه.. فقد باء بخسارة فادحة ورفض صاحب البضاعة التي اشتراها بالاجل الصبر عليه وانتهى به المطاف الى السجن.

وقتها قال وزير العدل عبدالباسط سبدرات في كلمته بالاحتفال  :” لوكنت اعلم بقصة جعفر من قبل لحملت طاقيتي وجمعت له المال من السوق”.

المهم ماكان من امر جعفر لم يلبث إلا قليلا حتى حلت مشكلته وحل وثاقه معها وغادر محبسه، لكن بقي مشكلة مئات وربما الآلاف غيره نزلاء خلف الاسوار في قضايا على تلك الشاكلة.

وفي الاسبوع الماضي، أعلنت الشرطة السودانية وجود (2700) نزيل بسجن الهدى، غربي العاصمة السودانية الخرطوم، محبوسين على ذمة قضايا مالية بحتة كجرائم الشيكات وقضايا الاحتيال، التي ينص قانون الإجراءات المدنية في إحدى مواده بأن يبقى المدان فيها بالسجن لحين سداد ما عليه من استحقاقات مالية صدرت فيها أحكام قضائية.

 وأوضح مدير مدينة الهدى للإصلاح والتأهيل اللواء عبداللطيف سرالختم، لبرنامج تلفزيوني، الاسبوع الماضي :”إن المحبوسين تحت مادة يبقى لحين السداد تعادل (40%) من نزلاء سجن الهدى، والآخرون تم حبسهم في جرائم خاصة بالمخدرات والتحرش الجنسي وجرائم السرقات”.

واشتكي النزلاء من داخل سجن الهدى من أضرار لحقت بهم جراء بقائهم لحين السداد بسبب تراكم الشيكات وخسارة التجارة والعلاقات.

كل تلك الارقام والتوكيدات والقصص قد تشكل مدخلاً منطقياً للنظر الى عقوبة السجن بطريقتها التقليدية ” محكومين وحرس وزنازين” وتفتح الباب واسعا امام تساؤلات شتى عن تقصير  الجهات الرسمية او ابطائها في سن تشريعات لعقوبات اخرى او مايعرف بـ(العقوبات البديلة) بما يتناسب مع الجريمة من غير افراط في (واجبات)  الجاني او (تفريط) في حقوق المجني عليه.

يُعتبر مفهوم إدخال العقوبات البديلة، من حيث عدم اللجوء إلى الاحتجاز في السجون، تأكيداً لمراعاة حقوق الإنسان، حيث تنص المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية علي انه” لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”.

ويؤكد د. سعد عبد القادر القويعي في مقالة بصحيفة (الجزيرة) السعودية عن (تقنين العقوبات البديلة) : “في ظني، أن إقرار العقوبات البديلة للعقوبات السالبة للحرية بدءًا من بدائل العقوبة، تليها عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية، وانتهاءً بعقوبات سالبة للحرية، تُعتبر أكثر إنسانية من العقوبات المعمول بها في الوقت الراهن.

وينادي قانونيون كُثُر بتبني (العقوبات البديلة) بدلاً عن العقوبات التي تسلب الحرية من مبدأ كونها – اي العقوبات البديلة – تدعم فكرة إدماج السجين في المجتمع، عن طريق  إشراكه في اختيار العقوبة المناسبة له، كتقديم خدمات اجتماعية، أو حضور السجين دورات تدريبية إصلاحية، أو المشاركة في الأعمال الخيرية، أو غير ذلك، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى،” فإنها ستبرز النهج الإنساني، المتمثل في حفظ كرامة الإنسان. وهو ما يصب في نهاية المطاف، في منظومة العدالة؛ وليكون خياراً مهماً في التخفيف من إشكالية اكتظاظ السجون، والتقليل من النفقات التي يتحملها، والمساهمة في القضاء على عقوبات الحبس قصيرة المدى” – بحسب مختصين قانونيين.

وفي السودان يمكن أن تصبح العقوبات البديلة ترياقاً مضاداً لكل العلل التي تعاني منها سجونه، كالتكدس وكلفة ميزانية التأمين والغذاء التي تزداد يوماً بعد يوم، كما تؤكد وزارة الداخلية ذاتها.

وغير منكور أن سجون السودان تشكو من التكدس فسجن كوبر على سبيل المثال يضم بين جنباته ما يقارب الأربعة آلاف نزيل، طاقته الاستيعابية مصممة لـ (1200) نزيل في الحد الأقصى، وللتكدس إشكالات عديدة على رأسها انتقال العدوى ، وتفشي الأمراض وتعلم السلوك الاجرامي وتبادل الخبرات الاجرامية .

وهناك أمر آخر يتمثل في غذاءات السجون التي كثيراً ما أثارت لغطاً كثيفاً حولها؛ مع الاشارة الى أن متوسط الاستهلاك الشهري لنزلاء سجن الهدى، على سبيل المثال، كان نصف مليون رغيفة بمعدل (180) رغيفة للنزيل الواحد – حسب احصائيات رسمية اذيعت في العام 2010م .

وأمر آخر يدخل ضمن كلفة السجناء، يتمثل في نظام المراقبة داخل السجن التي تحتوي على أنظمة المراقبة الالكترونية (الكاميرات) جنباً الى جنب مع عمليات التأمين الداخلي التقليدية كالكلاب البوليسية و(الديدبانات).. ومن المعروف أن تكثيف الانتشار الشرطي يتناسب طردياً مع زيادة عدد النزلاء بالسجن.

وكشفت  مصادر موثوقة  لـ(الطريق) أن تكلفة النزيل الواحد تتراوح بين (30) الى (40) جنيهاً في اليوم تشمل الأكل والشرب والحراسة والخدمات الأخرى كالكهرباء والمياه.

في المقابل يؤكد نزيل قضى قرابة العامين داخل سجن كوبر وغادره في العام 2011م أن كلفة الأكل والشرب والعلاج يمكن أن تبلغ (20) جنيهاً يومياً في المتوسط للنزيل الواحد وقتها ، ويذهب اللواء سمير خميس، الذي شغل منصباً رفيعاً في شرطة السجون السودانية قبل انفصال شماله عن جنوبه، في يوليو 2011م  أن ميزانية السجون يمكن أن تصل الى (42) ملياراً سنويا.

ويسوق اللواء سمير ما تقدم ذكر دلائل على عدم جدوى الحبس دائماً فيما عدا حالات الضرورة القصوى. ويتساءل “بماذا تسفيد الدولة أو المجتمع من سجن مدان باحتساء خمر مثلاً”.

 مع العلم أن هذا المدان يمضي مدة العقوبة كاملة على نفقة الدولة.

ويشير اللواء سمير الى ان  السبب وراء عدم اشتمال نظام السجون في السودان على آلية العقوبات البديلة الى أن: “مسألة التوسع في العقوبات البديلة تشريعية بحتة لا صلة لشرطة السجون أو وزارة الداخلية بها، لأنها جهة منفذة للقانون والأحكام القضائية لا شأن لها بسن القوانين والتشريعات”.

ويمضي ليقول: “لكن بالنظر الى كلفة النزلاء من غذاء وكساء وتأمين وغيرها فيجب التفكير جدياً في اقرار الآلية المذكورة”.

ويضيف أن التشدد في بعض الأحكام القضائية غير مطلوب في أحيان كثيرة.

ويفضل أن يكون اللجوء لعقوبة السجن في أضيق نطاق ممكن.

 وأيضاً التقليل من توقيع غرامات باهظة لأن الشخص قد يضطر لاختيار السجن لعجزه عن سداد العقوبة المالية التي وقعت عليه.

ويتفق الخبير القانوني، نبيل أديب ، مع اللواء سمير بأن العقوبات كما تنص القاعدة الفقهية إيلام مقصود يتناسب مع الجريمة.

وحسب المفهوم التقليدي فإن السجن هو البديل الأصيل للإيلام البدني فيما تأتي العقوبات المالية (الغرامات) استثناءً.

 لكن في ظل تطور منظومات حقوق الإنسان توجهت الكثير من الدول لاتخاذ تدابير احترازية أخرى بديلة للسجن لاسيما في الجرائم غير الخطيرة وغير العمدية، حيث يجري التركيز على إعادة تأهيل الجاني عوضاً عن سجنه، حتى لا يعود لارتكاب ذات الجريمة أو غيرها في المستقبل مرة اخرى.

 ويفرض على المدان أداء خدمة للمجتمع، مثلاً مدرس حُكم بالسجن، يمكن الحكم عليه بتدريس حصص إضافية لـ(25) يوماً بدون مقابل أو نظافة الطرقات أو غيرها من (العقوبات البديلة) حيث يمكن الاستفادة من كل مدان في مجاله لكن مع التأكيد على أن هذا الأمر يكون مع الجرائم غير الخطيرة أو غير المتعمدة التي تقع بدون قصد جنائي كحوادث السيارات.

وأيضاً العقوبات البديلة تكون لجرائم لا تستحق السجن كالجرائم الالكترونية والتعويض بالحق المدني كالشيكات والإيجارات وتعثر السداد، فتلك الفئة من النزلاء تقضي أعواماً طوالاً في غياهب السجون كان يمكن أن يستفيدوا منها أن تصبح معيناً لهم في العمل وجني المال لإقالة عثرتهم ومن ثم مغادرتهم الزنازين.

وقد اشارت وزيرة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم السابقة، عفاف احمد عبد الرحمن، لقضايا كهذه لنزلاء يقضون مدداً بالسنوات في السجن لعدم تسديد مديونيات.

 وتساءلت الوزيرة :” ألم يكن من الأفضل أن تتاح لهم الفرصة للعمل لتسديد ما عليهم من مطالبات بدل البقاء خلف القضبان في انتظار تسوية تقوم بها دواوين أو مؤسسات الدولة أو الخيرين”؟!!.

وهناك شيء آخر في عقوبة السجن تتبدى في أن عقوبة الأب أو الأم لا تقف عندهما وحدهما، بل قد تمتد في أحايين كثيرة لتأخذ أبناءهم في طريقها، إذ يعانون من التشرد والتسرب من المدارس وربما يصبحون صيداً سهلاً لعصابات الجريمة لغياب المراقبة والتوجيه لظروف غياب آبائهم أو أمهاتهم.

ويعضد تلك الفرضية اللواء سمير خميس بأن السجن ذا آثار سالبة على الشخص وأسرته. ويؤكد أن السجن يفضي الى تبادل الخبرات في مضمار الجريمة فتسهم في تخريج مجرمين أكثر خبرة ودارية بكيفية ارتكاب الجرائم والإفلات من العقاب.

وهذا عين ما يمضي اليه نبيل أديب أن حبس شخص ما ارتكب جرماً صغيرا، ولم يكن ذا ميول إجرامية فطرية مع عتاة الإجرام مضر بشدة ويمكن أن يقود هذا الاختلاط الى ضرر أكبر في المستقبل إذ يمكن أن يتعلم ذاك الشخص أو تتفتح أعينه على أنماط من الجريمة كانت خافية تماماً عليه.

وعلى ذات النهج يؤكد اختصاصي علم النفس عبدالباقي دفع الله، في برنامج  تلفزيوني، الاسبوع الماضي، الى :”أن السجن وصمة اجتماعية محزنة على الفرد والمجموعة”.

ويضيف: “التأثيرات النفسية تتمثل في الحرمان من الحرية لأن السجن مظهر من مظاهر التفسخ الاجتماعي، به تبعات نفسية سالبة للفرد، والكثير من الدراسات قالت إن المحبوسين في أعمار من 30 إلى 50 عاماً”.

نافلة القول أن العقوبات سواء أكانت توقيفاً في حراسات الشرطة، أو حبساً في زنازين السجون، اتسعت بشكل لافت في ظل اتساع مساحات التجريم للمواطنين.

مع الأخذ في الاعتبار التخليط في تصنيف الجرائم، إذ إن القانون الجنائي لا يفرق كثيراً بين الجناية والجنحة والمخالفة.

وهذا ما استدعى أن تصبح مخالفات عادية كعدم تسديد رسوم النفايات، أو فواتير المياه أو العوائد، مدعاة وسبباً كافياً لتوفيقك ومحاكمتك بالسجن لحين السداد.

هذا في ظل تناقص الاعتماد على البدائل الأخرى كالضمان والتعهد الشخصي والضمان بمحل السكن أو غيرها من الوسائل المطلوبة للحد من الإجراءات التي يمكن أن تؤدي الى توقيف المطلوبين واقتيادهم الى الحبس.

ويؤكد أديب، أن ما سبق يندرج تحت بند عدم معقولية بعض القوانين السارية ويمثل بأن قانون النظام العام ينص في إحدى مواده على عدم غسل السيارات إلا في الأماكن المخصصة لها وتبعاً لذلك يمكن بسهولة – حسب أديب – أن تؤدي تلك المخالفة لحبس الشخص الذي قام بارتكابها.

ويشير الى أن عدم معقولية القانون قد يصبح مدعاة لعدم خضوع الناس إليه لجهة أن القانون إذا فقد المعقول لا يحترم. ويمكن أن يقاوم بوسائل سرية فمنع تدخين (الشيشة) على سبيل المثال بقوة القانون قد يسهم في تفشي تعاطيها خفية بعيداً عن أعين القانون.

.لكن اذا ارتكزت الحملة ، كما يقول اديب، على مخاطر التدخين الصحية يمكن أن تلقى تجاوباً أكبر من فرض النهي بالقانون.

ربما اذا طبقت العقوبات البديلة كما ينبغي يمكن لبلادنا ان تحقق حلما قديما راود شاعر الشعب محجوب شريف والموسيقار محمد وردي ان يصبح مكان السجن مستشفى.

 

تحقيقات الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/sigin-300x185.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/sigin-95x95.jpgالطريقتحقيقاتحقوق إنسانيومها لم يتمالك النزيل (جعفر) نفسه واخذ يذرف الدموع بسخاء وقد خنقته العبرة تماما، وحالت بينه وبين مواصلة تلاوة القرآن في فاتحة احتفال رسمي باطلاق سراح نزلاء بسجن كوبر بالخرطوم بحري قبل بضعة اعوام. تلك الصورة التراجيدية الحزينة جعلت الجميع يتساءلون من هو جعفر؟! وباي ذنب ادخل السجن؟! وجاء الجواب...صحيفة اخبارية سودانية