تحدث المبعوث الامريكي لدولتي السودان وجنوب السودان الدبلوماسي المخضرم دونالديوث في محاضرة القاها في معهد اتلانتيك الامريكي عن علاقة امريكا بدولتي السودان وجنوب السودان بمناسبة مرور عام على تعيينه مبعوثا امريكيا رئاسيا للدولتين فبدأ حديثه بالاشارة لتطورات الاحداث خلال عام ولايته الاول وما شهده ذلك العام من متغيرات في الدولتين.

توقف المبعوث الامريكي بداية عند احداث العام في دولة جنوب السودان معبرا عن خيبة أمل الولايات المتحدة في مآلات الاوضاع في الدولة الجديدة بعد موجة التفاؤل التي صاحبت مولدها في يوليو عام 2010 مشيرا الى ان العديد من الشخصيات الامريكية البارزة والمؤسسات الامريكية الفاعلة جمعتها علاقة خاصة بنوب السودان وان تلك العلاقات تعززت خلال الحرب الاهلية طويلة المدى وخلال النضال من اجل تحقيق السلام في الجنوب وتقرير المصير الذي قاد الى مولد الدولة الجديدة والشعور بانفجار والامل عندما قرر الجنوب الانفصال وتأسيس دولته الخاصة ثم ما لبث ان تبدل الحال وشعر الامريكيون بالصدمة عندما انفجرت الحرب الاهلية في الدولة الجديدة والاستياء الامريكي العام لدى اصدقاء الجنوب ازاء ذلك الصراع الدموي المسلح في تلك الدولة.

منذ البداية لم تتعامل امريكا مع الصراع الشمالي الجنوبي باعتباره جزءا من تحديات بناء(الأمة) في مجتمع قبلي وتأسيس الدولة القومية من مجموعات عرقية وقبلية متعايشة ومتنافرة داخل كيان سياسي واحد فرضه واقع الهجمة الاوربية على القارة الافريقية في القرن التاسع في اعقاب مؤتمر برلين- وان معظم دول القارة تعاني من مثل هذه التحديات التي تختلف درجة وحدة من دولة الى اخرى لكن الحكمة الافريقية منذ مرحلة التحرر حرصت على وحدة تلك الكيانات كدول واحدة ومعالجة مشاكلها في ذلك الاطار.

امريكا لم تبنى سياستها تجاه السودان على ضوء هذه الحقيقة لكنها سمحت لنفسها أن تنحاز الى مفهوم الدولة السودانية الى دولتين بتأثير جماعات ضغط غير مستنيرة وغير مدركة لابعاد التحديات والمشاكل وانضم لجماعات الضغط نافذون امريكيون دفعوا نحو(الانفصال) بدلا من ان يتعاملوا مع الازمة على حقيقتها ويدعمون جهود حلها في اطار السودان الواحد فكانت نتيجة جهلهم واندفاعهم وتبني الحكومة الامريكية لسياستهم الانفصالية ان ولدت دولة جديدة تحمل في دمائها(جينات) الازمة وتحديات بناء الامة من قبائل متصارعة فكان الانفجار الأخير نتيجة حتمية لذلك.

لقد ركزت امريكا كل جهودها نحو انفصال الجنوب واصرت على ان تكون مفاوضات نيفاشا محصورة في قضية الجنوب والشمال رغم ان نفس الأزمة خلقت حربا اهلية جديدة في دارفور ولكن رفضت مبدأ المعالجة الشاملة للازمة السودانية بكاملها تجلياتها في منبر نيفاشا مستعجلة الوصول الى اتفاق فطير يحقق انفصال الجنوب- وبدلا يواجه المجتمع الدلي سودانا واحدا يعاني من ازمة بات اليوم يعاني من التعامل مع بلدين مأزومين واضاف الى تلك الازمة ازمة جديدة هي ازمة العلاقة بين الدولتين الناتجة عن القضايا العالقة في تصفية ارث الدولة الواحدة.

اصحبت الآن هناك ازمة في دولة الشمال وهناك ازمة في دولة الجنوب وهناك علاقات مأزومة بين دولتين متجاورتين ووجود مبعوث رئاسي امريكي واحد لدولتين ومبعوث واحد من الامم المتحدة لشئون الدولتين المتجاورتين هو واحد من تجليات ونتائج السياسة التفتيتية التي اتخذتها امريكا تجاه المشكل السوداني.

الصراع الدائر الآن في جنوب السودان لم يكن مفاجئا فهو صراع يكرر نفسه وقد انفجر من قبل في نفس المنطقة(اعالي النيل الكبرى) ومن نفس اللاعبين(الدينكا والنوير) ابان الحرب الاهلية في الجنوب وذلك عندما انفصل ريك مشار عن الحركة الشعبية وقاد الجيش الابيض المكون من شباب النوير في غزوة على ارض الدينكا مخلفا الاف القتلى ومستهدفا المدنيين وممتلكاتهم ومواشيهم- لكن امريكا لم تهتم بابعاد هذا الصراع واحتمالات انفجاره من جديد لانها كانت معنية آنذاك فقط بانجاز انفصال جنوب السودان- ولم تهتم ، ايضا، باثر ذلك الانفصال على الدول الافريقية التي تعيش ظروفا مشابهة او يقدم لها النموذج الانفصالي كاحد خيارات حل مشاكل بناء الدولة القومية وبالتالي فإنها بصورة ما تسهم في تفتيت الكيانات الافريقية.

ولا يبدو في الأفق ما يفيد ان امريكا مستعدة لاعادة النظر في الاستراتيجيات التي تحكم حراكها في التعامل مع هذه الأزمة ولا الأزمات في شتى انحاء العالم!

محجوب محمد صالح 

امريكا وتداعيات انفصال الجنوب !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتعلاقات خارجيةتحدث المبعوث الامريكي لدولتي السودان وجنوب السودان الدبلوماسي المخضرم دونالديوث في محاضرة القاها في معهد اتلانتيك الامريكي عن علاقة امريكا بدولتي السودان وجنوب السودان بمناسبة مرور عام على تعيينه مبعوثا امريكيا رئاسيا للدولتين فبدأ حديثه بالاشارة لتطورات الاحداث خلال عام ولايته الاول وما شهده ذلك العام من متغيرات في...صحيفة اخبارية سودانية