بدأ ان الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الحكومة السودانية، زادت من وتيرة ولع الاستثمار في كل مساحة من الأرض، فاصبحت الميادين والساحات العامة، في الأحياء الشعبية، هدفاً مباشراً لطالبي الإستثمار والسلطات الحكومية، واشتدت الصراعات بين السكان المحليين والسلطات حول نزع الأراضي، والساحات العامة والميادين وتحويلها لاستثمارات حكومية أو مرتبطة بالحكومة.

ولم تنجو دور الثقافة من حُمَّى نزع الأراضي وتحويلها لمساحات استثمارية، التي اجتاحت السودان مؤخراً، ففي نهايات فبراير الفائت، أزالت السلطات الحكومية دار “سينما كلوزيوم” العريقة، بوسط العاصمة السودانية، الخرطوم، واُخليت محتويات السينما مقاعد المتفرجين.

وقال المشرف على عمليات الإزالة: ” سنزيل محتويات السينما لأنها آلت إلى شركة تجارية ستستثمر في مساحتها بعد ان اشترتها من الحكومة السودانية”- دون أن يكشف عن اسم الشركة.

واضاف الرجل، الذى رفض الكشف عن هويته، لـ(الطريق) : “لا أعلم الجهة التي باعتها للشركة.. أنا أعمل مع مستثمر وجئت لتنفيذ عملية الازالة وليست لديّ تفاصيل أكثر”.

وتأسست سينما كلوزيوم في العام 1935م. وكانت قِبلة رواد السينما والمثقفين، قبل ان تغلق أبوابها، مطلع التسعينيات، وتُزال مع بداية العام الحالي، لصالح شركة تجارية تنوي الاستثمار في مساحتها وموقعها المميز بوسط الخرطوم.

وفي مدينة كسلا، شرقي السودان، هدمت السلطات المحلية بالمدينة، السينما الشرقية، القريبة من سوق كسلا، في حي البنك، مطلع العام الحالي. فضلاً عن سينما الوطنية.

وتحولت المساحة، التي شيدت عليها سينما الشرقية قبل 50 عاماً، إلى ساحة لغسل السيارات والتخلص من زيوت ماكينات السيارات قرب مستوعب للنفايات يتوسط المكان. قبل أن تعلن السلطات المحلية في كسلا، نيّتها بتحويل المساحة الخالية التي ازيلت منها مباني دار السينما إلى استثمارات حكومية.

وكانت “سينما الشرقية” في كسلا، تجذب آلاف الشبان والفتيات وتعرض أحدث الافلام، قبل ان تغلق أبوابها منتصف التسعينيات.

ولم تتوقف عمليات الإزالة على دار السينما فحسب، بل طالت منازل الموظفين المحيطة بها، وهي منازل شيدت منذ عهد الاستعمار البريطاني.

وقال متعامل في بيع العقارات، في مدينة كسلا، لـ(الطريق)، ان “حكومة الولاية تبيع هذه المساحات إلى الأفراد والشركات بثلاثة آلاف جنيه للمتر المربع”.

واندثرت تجمعات المثقفين التي كانت تستضيفها السينما الشرقية، بعد عمليات الهدم، التي احالت دار السينما إلى خراب.

وقال أحد قدامى سكان كسلا، إبراهيم الحاج، لـ(الطريق) : “ان السلطات المحلية ازالت السينما الشرقية بجانب سينما الوطنية في قلب السوق الكبير، واختفت إثر ذلك تجمعات المثقفين الذين كانوا يلتقون في مقاهي مجاورة لدور العرض، حتى بعد أن أغلقت أبوابها”، إذ ظلت دور السينما في كسلا مكاناً ملائماً لتلك التجمعات التي ما زالت تحن إلى أيام ازدهار السينما.

وتعتزم الحكومة المحلية تشييد محلات تجارية في المساحة التي هدمتها بالتزامن مع موجة غلاء اجتاحت أسعار العقارات في المنطقة.

وسبق ان اتهم معتمد حلفا الجديدة، في ولاية كسلا ، عبد الجابر مرعي حكومة الولاية ببيع الأراضي لدعم خزانة الولاية بعد تعطيل وتدهور الانتاج في المشاريع الزراعية.

وقال مرعي، في تصريحات صحفية أعقبت اعفائه من منصبه لاحتدام خلافاته مع والي كسلا، في العام 2013م : “الخزانة الحكومية بالولاية تعتمد على ايراداتها من بيع الاراضي”.

وازدهرت السينما في السودان، في سبعينيات القرن الماضي، وانتشرت في مدنه المختلفة أكثر من 60 دار عرض في تلك الفترة. وشهد السودان أول عرض سينمائي في العام 1912م, وعرف دور العرض منذ عشرينيات القرن الماضي.

إلا ان السينما تدهورت، مع وصول الإسلاميين للسلطة، في العام 1989م، وعانى قطاعها الإهمال تماماً. وتقلصت دور العرض لتصل إلى أقل من 6 دور، و اجبرت على إضاءة قاعاتها أثناء العرض.

وتمت تصفية مؤسسة السينما ووحدات السينما في التلفزيون الحكومي ووزارة الثقافة، وتوقف الإنتاج السينمائي، عدا محاولات محدودة سعت لإحياءها، مؤخراً، مؤسسة “سودان فليم فاكتوري” المستقلة.

تقارير الطريق

حُمَّى الإستثمار تطيح بصروح ثقافية عريقة في السودانhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/02/cinma2.jpg?fit=300%2C169&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/02/cinma2.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرثقافةبدأ ان الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الحكومة السودانية، زادت من وتيرة ولع الاستثمار في كل مساحة من الأرض، فاصبحت الميادين والساحات العامة، في الأحياء الشعبية، هدفاً مباشراً لطالبي الإستثمار والسلطات الحكومية، واشتدت الصراعات بين السكان المحليين والسلطات حول نزع الأراضي، والساحات العامة والميادين وتحويلها لاستثمارات حكومية أو مرتبطة...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية