كثيرا ما أشرنا إلى حالة الارتباط التي تسود المشهد السياسي السوداني والتصريحات والبيانات المتضاربة التي تصدر يوميا وتزيد حالة الاحتقان السائدة ارتباكا وغموضا حتى عاد المواطن في حيرة من أمره، لا يدري الى أين تتجه الأحداث في السودان, فالدعوات المتكررة للسلام تختلط بين الأصوات الداعية لتصعيد الحرب والحلول العسكرية ودق طبول المعارك، ودعاوي التغيير الديمقراطي تختلط بالممارسات التي تكرس الديكاتورية، والحديث عن الحوار تقابله دعاوى الآحادية والتمكين عبر التعديلات الدستورية.

وقد حفل الاسبوع الماضي بتصريحات واجراءات كثيرة تستهدف حزب الأمة ورئيسه وتتوعدهم بتجميد نشاط الحزب أو حله عبر المحكمة الدستورية حسب اجراءات رسمية ابتدرت من خلال مجلس الاحزاب والاتجاه لمحاسبة رئيس الحزب جنائيا وملاحقته عبر الشرطة الدولية، ثم عادت صحف اليوم الذي يليه، لتعلن ان الحكومة ترحب بعودة السيد الصادق الى البلاد دون شروط ودون ملاحقة جنائية وتتطلع الى مشاركته في الحوار الوطني، ولم تتطرق التصريحات الى الحزب وهل ستتوقف الاجراءات لتجميده وحله وهل سحبت الشكوى من مجلس الاحزاب أم مازالت قائمة وكيف تنتظر الدولة مشاركته في الحوار الذي تقترحه وحزبه قيد الاتهام.

هذا الارتباك وحده دليل على استفجال الأزمة السياسية وتجذرها وتشابك عواملها لدرجة ان اطرافها باتت عاجزة عن اتخاذ موقف واحد تستمر عليه دون تغيير او تبديل والمسئولية الأكبر في هذا الارتباك تعود الى للحكومة فهي الفاعل الأول في الساحة السياسية وافعال القوى الأخرى مازالت قاصرة على ردود الفعل تجاه قراراتها ومواقفها لكن الحكومة التي تقود هذه الزيارة مغرمة بأن تؤشر يمينا ثم تنحرف فجأة يسار فيسود الصفوف اكبر قدر من الارتباك!

ونتيجة لهذا تبرز في الساحة كل يوم قضية جديدة تشغل الناس وتصبح موضع اهتمامهم وقبل ان يصلوا لرأي حولها تنفجر قضية جديدة، فالحكومة تطلق مبادرة للحوار ويبدأ الناس في مناقشتها وتحديد موقفهم منها واثناء انخراطهم في تلك المناقشة تتخذ الحكومة من الاجراءات القمعية ما يشير الى نقيض الانفتاح والحرية والحوار تماما، وتقبل خريطة طريق لاعادة الامور الى نصابها وقبل ان يجف حبر التوقيع عليها تأتي الممارسات على الأرض متناقضة معها تماما، وتوجه الدعوة لحملة السلاح للدخول في حوار مع وعد قاطع بتوفير كافة اجوائه وشروطه ومستحقاته وضمان أمنهم وحريتهم، وفي نفس الوقت تشن الحرب بطريقة اكثر شراسة.

ثم يدخل الساحة مشروع انتخابات متعجلة تستبق الحوار ومخرجاته فتقاطعها الأحزاب ذات القواعد الكبيرة والمرشحون لمنصب الرئاسة الذين نشرت اسماؤهم بالأمس يعلنون للعالم انها انتخابات تخلو من المنافسة تماما وهي انتخابات لملء اكبر منصب دستوري في البلاد وقد عدل الدستور بسرعة فائقة ليمنح الدستور ذلك المنصب المزيد من السلطات الحصرية ويكرس لجمهورية مركزية قابضة، فالمطلوب اذن انتخابات دون منافسة لمنصب تكرس فيه كل السلطات.

هذا الواقع يرسم أبعاد أزمة مستحكمة ولا يفتح الباب لاي مخرج منها بل الواقع يخلق درجة من الاستقطاب غير مسبوقة ويمهد للمزيد من المواجهات ولكن الذي يثير الاستغراب اكثر ان الحزب الذي يسعى لكل هذا القدر من (التمكين) يواصل حديثه عن الحوار ويكرر الدعوة للآخرين لكي ينخرطوا في الحوار،  فحول ماذا يتحاورون بعد ان حسمت كل قضايا التغيير وقضايا الحرب والسلام؟؟

محجوب محمد صالح

وحول ماذا.. سيتحاور الناس ؟https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,الحواركثيرا ما أشرنا إلى حالة الارتباط التي تسود المشهد السياسي السوداني والتصريحات والبيانات المتضاربة التي تصدر يوميا وتزيد حالة الاحتقان السائدة ارتباكا وغموضا حتى عاد المواطن في حيرة من أمره، لا يدري الى أين تتجه الأحداث في السودان, فالدعوات المتكررة للسلام تختلط بين الأصوات الداعية لتصعيد الحرب والحلول العسكرية...صحيفة اخبارية سودانية