عبدالقادر الكتيابي، واحد من ألمع الأسماء في الحركة الثقافية السودانية، برز اسمه في مجالي الشعر والكتابة. وهو إنسان مسكون بالأدب ومهموم بالتطورات التي تطرأ على الشأن الثقافي. لا يتوانى في التصريح بآراءه حول الأوضاع السياسية، التي يقول انها ساهمت في تراجع الحركة الثقافية في السودان.. ويرى ان “وزارة الثقافة” من أشد الوزارات السودانية “نحساً”. ومنذ إنشائها لم تحظ بوزير من أصحاب الهم الثقافي الحقيقيين.. كما يرى ان انهيار التعليم في السودان انعكس سلباً على الإبداع.. وتحدث الكتيابي ،في حواره، بجراءة حول ما يقوم به النظام الحاكم ببرمجة مؤسسِّية لتلميع بعض الأسماء قليلة الحظ في الإبداع كبدائل مصنوعة لطمس الأسماء المعروفة، وهو ما أسماه بـ”التحسيب”.

فإلى مضابط الحوار:

– دائماً ما يشكو المبدع في بلادنا من البيئة التي يعيش فيها؟

الإنسان إبن بيئته هذه حقيقة منطقية وبديهية والمبدع شاعر أو في أي من ألوان الفنون يحمل آماله وطموحاته ويحمل كل ما يتأثر به المجتمع إذا لم يكن كذلك، فهو مغرد خارج السرب ومنعزل عن مجتمعه.

– هل ثمة فرق بين البيئة الحالية والبيئة التي عاشت فيها الاجيال السابقة ؟

  في أواسط الستينيات عشنا في بيئة كانت زاخرة بالآداب والفنون والعلوم وتأسسنا على ايدي علماء حادبين على الدراسات العربية والإسلامية الى جانب ذلك كل إنسان جُعلت له خصائص هي هبات ربانية في سعة الزاكرة والتقاط الصور والتفاعل معها ودرجة الإرهاف تتفاوت من شخص الى آخر المقولة التي بدأنا بها الإنسان إبن بيئته كافية وللزمان متغيرات .

–  صف لنا البيئة الأسرية التي عشت فيها؟

طبيعة الأسرة التي نشأت فيها مقصودة فى الآداب والفنون والعلوم وأسرة متفرعة من عائلة كبيرة عرفت بالاهتمام والعناية بالقرآن الكريم وعلومه وكان امر طبيعي وبيئة طبيعية بالنسبة لي.

– تمايلت طرباً مع مايو؟

الأمر ربما يتفق في بعض النقاط تجربة الشعب السوداني مع إنقلاب مايو وتجربته مع نظام الإنقاذ هناك تشابهات وإختلافات الظروف والملابسات بين إنقلاب 1969م كانت متشابهة مع ماهو حادث في الإنقاذ بإعتبار  الإنتماء الأيدلوجي للإنقلاب العسكري الذي يقدم ويطرح نفسه للشعب على انه قومي.

– ما هي أوجه التشابه بين الإنقلابين؟

 هؤلاء الضباط أبناء الشعب هبو لنجدة الشعب  في ظروف تستدعي ذلك سواء في مايو أو الإنقاذ كلاهما إنقلابان قاما في ظروف كانت تحتاج الي إنقلابات لإنقاذ هذا الشعب من إخفاقات وفشل وقعت فيه الأنظمة التي سبقتهما هذه من المتشابهات بين التجربتين ومن المتشابهات ان مايو تبناها معسكر يساري والإنقاذ تبنتها الحركة الإسلامية هذه التشابهات من خلفها تبدو ايضاً إختلافات كثيرة .

– ماهي تلك الإختلافات ؟

أوجه الإختلاف ان اليسار المحتكر لمايو فى بداياته لم يكرس هيمنته كما يحدث الآن في الحركة الإسلامية مع الإنقاذ، اليسار كان منفتح على الشارع لم يكن متقوقع في مجموعات ولم يتحول الى رجال أعمال كان يتبنى الفكر الشعبوي التعبوي التقدمي وان كان لم يمتلك الأدوات لتلك الرؤى.

– ثم ماذا بعد ؟

مايو كانت ناقلة للنموذج الروسي البعيد عن الواقع السوداني كأنهم جاؤا الينا بقميص واسع وطلبوا منا ان ننتفخ لنملئه جاؤا بنظام التجييش والطلائع والاحتفالات بالثورة ما يكلف الشعب فوق طاقته.

– هل فكرة الإتحاد الإشتراكي كانت ناضجة ؟

 فكرة الإتحاد الإشتراكي لم تكن ناضحة اصبحت نهب للنفعيين وهؤلاء لم تكن ورائهم خلفيات ايدولوجية.

– عهد النميري في الحكم مر بعدد من المتغيرات ؟

عهد نميري حدثت فيه تغيرات لحكومات محتلفة الى ان حصلت المصالحة مع الحركة الاسلامية .

– هل استفادت الحركة الإسلامية من المصالحة الوطنية ؟

نعم عندما بدأت الحركة الإسلامية في الإستقواء بالإقتصاد والإعلام والتجنيد هذه هي الإختلافات والتشابهات ونحن عاصرناهم عن وعي ومن الداخل ناطحنا والتمسنا مواضع الخلل هنا وهناك.

– في عهد مايو كان هنالك تدفق كبير للثقافة ؟

انا اعود الى بداية حديثك عن موقف مايو والإنقاذ من الثقافة والإبداع، أريد اولاً ان أحدثك عن تجربة السودان منذ الإستقلال  والى يومنا هذا مع مصطلح الثقافة كحقيبة ثقافية ان ما يسمى بوزارة الثقافة في السودان من أشد الوزارت نحساً منذ إنشائها لم تحظى بوزير من أصحاب الهم الثقافي الحقيقيين، واحد او إثنان.

– نتحدث عن الثقافة في عهد مايو؟

وزارة الثقافة في عهد مايو تم توظيفها بصورة ايدلوجية للنظام فى بداياته قبل إختلاف بدايته وقد عانينا كثيراً فكانت وزارة الثقافة، ومصلحة الثقافة، والمجلس القومي للآداب، وهيئة الآثار كل هده الأشياء كانت تشكل وزارة بأكملها.

– والثقافة في عهد الإنقاذ ؟

  الإنقاذ بطرحها الأيدلوجي الذي جاءت به تعاني من مشكلة أسلمة الشأن التنظيري،  وتسليم امر الثقافة لرؤساء سابقين لإتحادات الطلبة لا تجربة لهم وازكر منهم أخوة كانوا زملاء.

– الآن هنالك غياب تام للشعر السياسي؟

أتفق معك ان هناك تراجع في متسوى المنجز الإبداعي ويقف وراء هذا التراجع ملمح اشد خطورة وهو إنهيار العملية التعليمية  تلاميذ اليوم هم أساتدة الغد تردي العملية التعليمية إنعكس على الإبداع وعلى أجهزة الدولة والذين تعلموا مناهج منهارة هم الذين يصبحون وزراء .

– إلى أي شئ تعزي سبب هذا التراجع ؟

التراجع الحادث الآن يرجع الى تهجير الأدباء والكتاب اصحاب المواهب فنظام نميري في بدايته كان له سعيه، يوجههم ليشاركونه في الاحتفالات، استاذنا محجوب شريف كان يكتب لمايو وعندما خذلته  إنقلب عليهم.

– لكن هذا الإنقلاب يعتبر من المآخِذ في تاريخ محجوب شريف؟

هذا ليس مأخذ عليه لأن مبادئه لم يحيد عنها وانما هم الذين حادوا، فهو نصير المساكين الذين يفتح لهم منافذ للعمل وهذا شأن الحياة.

– بعض الشعراء موصوفون بـ”الإنتهازية”؟

هناك أناس تدفعهم مصالحهم الخاصة لمبايعة النظام، اما الآن فالوضع مختلف والنظام يقوم ببرمجة مؤسسته لتلميع البدائل من الشعراء والكتاب بدائل مصنوعة وهو ما يعرف بالتحسيب وهو مارأيته بأم عيني وهو ما لم نكن نتوقعه في نظام الإنقاذ.

– ما الذي لم تكن تتوقعه؟

 ان يتسلل أصحاب المصالح الى المشهد الثقافي لأمة لها تاريخها العريق نحن امة أثنى عليها العقاد وانتقدت طه حسين في اوجه وخرج منا مبدعين وعلماء، امة يخرج منها الآن واهمون. الآن لايوجد مشهد ثقافي لجأنا الى تنظيم منظمة الكتاب المهاجرين في المهجر.

– نتحدث قليلاً عن إتحاد الكتاب السودانيين؟

 نحن من أوئل أعضاء الاتحاد وكنت من أعضاء ندوة ام درمان الأصل في منزل المرحوم حاج الامين اواسط السبعينات وانا يافع في جلسات اسبوعية كانت تضم امثال حسين طه شاعر المؤتمر، وعبدالهادي الصديق، ومختار محمد مختار، و محمد المهدي المجذوب، ومبارك المغربي، وعبدالله الشيخ البشير ،والنور عثمان ابكر كنا نجتمع في هذا المجلس.

– هل المجلس كان جهة رسمية؟

 لم تكن هناك جهة رسمية تسمى اتحاد ادباء او كتاب حتى تتم مخاطبتها ثم شهدت تأسيسه وامتد حتى السعبينات ومع بروز وإطلالة “انقاذ، مايو” بالرؤى التقدمية  وظن بعض اليساريين ان الامر صار بيدهم عقد مؤتمر للإطاحة بالرموز التى يقولون انها تقليدية شهدت كيف تم سلق الترشيح حدثت بعض الاشكالات وتم تشكيل اتحاد الكتاب وهو ليس حركة سودانية في مصر حدث ايضاً انشقاق.

– متي تم تكوين وتشكيل إتحاد الكتاب السودانيين ؟

حينما حانت فرصة ان تكون الخرطوم عاصمة للثقافة حسب شروط اليونسكو انها تحاطب الاتحادات والبلد ليس بها اتحاد فالأنظمة الشمولية تقوم ضد الكيانات حتى يتفرق الجمع وتصبح الكلمات فردية بدأو بسلق اتحاد. الحمدلله انني لم اكن وارد في كراستهم وبسرعة تم الاعلان عن اتحاد عام للكتاب والأدباء.

– لكن الإتحادات او النقابات بصورة عامة تعاني من ازمة  التسييس ؟

الاتحادات هي منظمات مجتمع مدني ليس للرسمي شأن بها ولكن الرسمي هنا كان واضح الدور بالإحتضان بأحد مباني الانقاذ وهذا ما أثار حفيظة الكتاب اصحاب المواقف فكونوا اتحاد آخر وسجلوه كجمعية ثقافية وبما انه لايتلقى دعم اصبح حاله كحال كل الاتحادات يبحثون عن الدعم وعن جهات تدعمهم وبسببه تم سحب ترخيص هذا الاتحاد ولاتزال القضية في المحاكم .

– الآن هناك حوار ثقافي وحوار وطني من أجل الانفتاح على المثقفين ؟

هذا مما يثير دهشتي، ان يدعو السموأل لحوار ثقافي واين هو عندما بدأت الفرقة وهو من الفاعلين في صنع القرار والحوار لايدعو إليه طرف متسبب لذلك انا اندهش والامر بالنسبة لي مضحك.

– لماذا تبدو ناقماً على “مؤسسة أروقة”  وصاحبها “السموأل” معاً؟

أروقة شأنها شأن مركز عبدالقادر الكتيابى الثقافي، ومنظمة العباسية. لماذا تتقمص مثل هذه المنظمة الدور الرسمي  وشخصية الحزب؟ ولماذا تحظى بهذا الدعم؟. لابد ان يواجه الناس الحقائق بشجاعة. الحزب هو ذراع لنمو وتقدم البلاد. ليس هناك حزب يكبر على الدولة وحينما يشعر بذلك تضيع الدولة.

– ولكن أروقة تبدو – في الغالب- منظمة مستقلة ؟

السموأل خلف الله و”أروقة” هم أذرع لتنظيم الحركة الإسلامية، هذا شئ معروف مهما تم إنكاره.  تتلقى دعم مواقع متعددة مدفوعة إيجارها من جهات رسمية. ليس هذا هو العمل القومي، الذي هو ان يترك العمل الادبي ينمو على طبيعته. وان تقوم وزارة الثقافة برعايته. ولماذا يسمح لأي شخص بأن يجمع افراد اسرته ومن ثم يكون جمعية ثقافية ويتلقى الدعم ويكون في موضع قرار.

– كيف تنظر الى الصحافة السودانية، وسبق أن عملت بالمجال الصحفي؟

التعديلات ومراجعة قوانين الثقافة، والقيد الصحفي هذا يعتبر سقطة  كبرى، فتحت ثغرات كبيرة وانا لدي بطاقة  صحفية موقع عليها الاستاذ الراحل عمر عبدالتام نقيب الصحفيين. عملت في الصحافة مع رعيل اول سابق كنا نتعرض للتعليم الخشن والناعم لتقوية القدرات، الآن يعتمد في القيد الصحفي فقط على المؤهل الاكاديمي، ونحن نعلم ما وصل اليه مستوى الخريج اليوم، فحاملي بطاقات القيد الصحفي لايعرفون عن تاريخ وجغرافية السودان الكثير. لماذا فتح الباب على مصراعيه؟ انظر الى مستوى الكتابة اليوم!. اصبحت الصحيفة الأقوى هي التي تقدم صورة الجرائم والغرائب وهذا يضر بالنفسية الجمعية للشعب.

– كيف تنظر لقانون الصحافة ؟

 قانون الصحافة بحاجة الى مراجعة وكذلك إجراءات منح القيد الصحفي، ثم لابد ان يرفعوا ايديهم عن المؤسسات القومية كانت تسير عبر كل الأنظمة بنموها الطبيعي.

– تغنى مجموعة من المطربين بأغنياتك، أشهرهم مصطفى سيد أحمد ؟

ربطتني بالفنان مصطفى زمالة “الطبشورة”، ومع يوسف الموصلي في القاهرة كنا جيران في عمارة واحدة، وسيف الجامعة. كنا نسكن معاً هذه الملابسات هي التي قادت الى التعاون.. احدهم يعجب بنص يلحنه يفاجئك به ويتغنى به.  في ذلك الزمان لم تكن الأغنية تجارة ولم يكن فن الغناء مسرح للمشروخين نفسياً .. ليس بالاشكال والمكياج وكثرة الآلات وشركات الانتاج الاعلامي والألقاب والعنتريات. الأغنية كانت نص ولحن مولود من وجدانين شاعر وملحن يضاف اليه احساس المؤدي ولم تكن تلك الاعمال للربح.

– والسبب في تحول الفن لتجارة رائجة حالياً ؟

حينما بدأ شباك إذاعة أم درمان يمنح المال ظهر المرتزقة، وقبلها لم تكن هذه الامور.  ثم تطورالامر الى شركات الانتاج وارتفعت قيمة الفنان في الحفلات، وانفلت الامر. اصبح الغناء عمل تكنيكي. والنصوص التي تغنى لي بها هاشم ميرغني و مصطفى سيد أحمد والاخ عبدالعزيز المبارك او بعض الفرق الجماعية والآن في أعمال وجدها مطربين جادين أمثال طارق ابوعبيدة يستأذن بأدب ليغنيها وكذلك حمزة سليمان لازالوا يتعاملون بها، علماً أنني لاأتقاضى درهم واحد من أغنياتي حينما ارسلت لي ارملة الراحل مصطفى سيد أحمد شيك به مبلغ عن أغنيات (على بابك) و(لمحتك) اعدته اليها. وتنازلت لها عنه، لانني لم اكتب بتلك الآنية فأنا اكتب تحت إلحاح المزاج وقد يمر عامين دون ان اكتب .

– مازال البعض يكتب – من قدامى الشعراء – شعراً جميلاً ؟

هناك شعراء ، وهناك آخرون يكتبون الشعر..  فالفرق بين الشاعر وكاتب الشعر فرق كبير. وهناك من إرتبطت بهم ويصرحون بذلك، فهناك شاب صرح في (قناة النيل الازرق) بالقول: “نعم انا أصنع الشعر وأبيعه، واتحدى اي سوداني مافي في تلفونو اغنية حقتي”..!!

– ما رأيك في الذين يكتبون الشعر من أجل البيع ؟

الشاعر الذي يكتب النصوص من أجل الاسترزاق منها شئ مؤلم. ورأيت في اتحاد الفنانين احدهم يحمل نصوص لكنها ضعيفة ومع ذلك انها مجازة حسب شروط اللجنة ويقول لصديقه لو وزعت هذه النصوص سأشتري غرفة النوم، فالمسألة خلت من الصدق بل حتى في أغانينا القديمة في أعمال ضعيفة لكنها كانت مجاملات .

حاورته: رندة بخاري

– وأسرة (الطريق) تشكرها وتُثمن مساهمتها.

عبدالقادر الكتيابي: (السموأل خلف الله) و (مؤسسة أروقة) أذرع للحركة الإسلاميةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/11/kityaabi-300x172.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/11/kityaabi-95x95.jpgالطريقثقافة وفنونثقافةعبدالقادر الكتيابي، واحد من ألمع الأسماء في الحركة الثقافية السودانية، برز اسمه في مجالي الشعر والكتابة. وهو إنسان مسكون بالأدب ومهموم بالتطورات التي تطرأ على الشأن الثقافي. لا يتوانى في التصريح بآراءه حول الأوضاع السياسية، التي يقول انها ساهمت في تراجع الحركة الثقافية في السودان.. ويرى ان 'وزارة الثقافة'...صحيفة اخبارية سودانية