أتيم سايمون ،
أتيم سايمون ،

 ان الاتفاق الذي توصلت اليه حكومة جنوب السودان ، والحركة الديمقراطية لجنوب السودان – فصيل الكوبرا- الذي يتزعمه المتمرد السابق ديفيد ياوياو ، يوم الجمعة الماضي بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا ، يمثل سابقة سياسية خطيرة في تاريخ التطور السياسي في جمهورية جنوب السودان حديثة الاستقلال ، وذلك لكونها أقدمت علي تقسيم ولاية جونقلي المضطربة ، ومنحت ما اطلقت عليه الاتفاقية بادارة منطقة بيبور الكبري ، والتي تضم مجموعات (المورلي- الانواك- الجيه- والكاشيبو) ، والتي ستصبح اقليما فرعيا تتبع إدارته المباشرة لرئاسة الجمهورية ، يجلس علي راسها مدير إدارة يكون موازيا في منصبه وسلطاته لحاكم ولاية ، إدارة تتمتع باستقلال ذاتي ، بجهازها التشريعي ، وسلطتها القانونية ، ومصلحة خاصة تهتم بجمع الضرائب وتحصيلها ، جاءت الاتفاقية بعد حوارات قصيرة قادتها مبادرة قادة الكنائس وبعض ممثلي حكومة جنوب السودان ، ناقشت مطلب وحيد لمجوعة ياوياو ، هو منحها ولاية منفصلة ، جادلت المطلب فعادت منه بادارة مستقلة عن اقليم جونقلي ، لها ذات الصلاحيات والملامح من حيث الهيكلة والتبعية والمخصصات ، أي ان الحكومة وافقت علي المطلب القديم (ولاية للمورلي) ، لكن تحت مسمي جديد تقريبا .

مررت علي اجندة الاتفاق المكون من إحدي عشر ورقة ، حيث كنت أتوقع ان يكون لهكذا اتفاق غاية يرمي الوصول اليها في تلبية مطالب أهل الاقليم بعد الوقوف عليها بصورة فعلية وجادة ، ولكنا اذا مانظرنا الي الظرف الزمني الذي جري فيه التفاوض مع ديفيد ياوياو ، فاننا سندرك بان الحكومة آثرت إبعاد ديفيد ياوياو ومجموعته عن حركة التمرد الجديدة التي يقودها ديفيد ياوياو نفسه في ولاية جونقلي ، وفي هذا إضعاف للتمرد يتطلب إيفاء بالوعود ، لذلك لم تتحدث الاتفاقية عن اي ترتيبات انتقالية ، مثل الاستفتاء علي مستقبل المنطقة ، أو مناقشة وضعيتها ضمن الازمة الكلية التي تشهدها ولاية جونقلي نفسها ، بما فيها منطقة بيبور الكبري ، عليه فان اتفاق الحكومة ومجموعة ياوياو التي ستكون بمثابة الحزب الحاكم للمنطقة ، وفقا للصلاحيات التي منحتها له الاتفاقية في تعيين الادارات الحكومية و محافظي المقاطعات الست ، حيث تحدثت عن (الحركة الديمقراطية لجنوب السودان) ، هذا الاتفاق سيكون عرضة لنقاشات كبيرة ستلقي بظلالها وتاثيراتها علي مستقبل علاقات الحكم في جنوب السودان ، خاصة في المرحلة التي تشهد فيه البلاد نقاشا حول كتابة دستور دائم للبلاد.

هذا المنهج الذي أقره الاتفاق باعطاء القوميات حقوقها في ادارة انفسها ، كان يتطلب اجراءات هيكلية ودستورية ،وحوارات سياسية عميقة بين المركز والولايات ، أو بين الحكومة والمجموعات الاقليمية التي تتعالي اصواتها بمنحقها سلطة ادارة مناطقها بنفسها ، مثلما ما ظل ينادي به الاستوائيين منذ فجر الاستقلال في 2011، وهي مطالب دأبوا علي تكرارها مرارا ، وقد منحتمه هذه الاتفاقية الباب علي مصراعيه أمام تجدد تلك المطالب علي ضوء ماحصلت عليه مجموعات البيبور الكبري علي راسها المورلي كمجموعة حملت السلاح وانتصرت لاهدافها في نهاية المطاف. ان جنوب السودان كدولة حديثة ، لم يسفد كثرا من تجربته السابقة مع السودان الذي انفصل عنه نسبة لغياب الوضعية الدستورية الملائمة الي جانب قضاياه في التنمية ، فطريقة القطع المتبعة حاليا وفي ظل احتدام الصراع المسلح والتمردات الاقليمية سيغري بقية المجموعات علي السير علي ذات النهج الذي انتهي بتخصيص ادارة خاصة بمنطقة بيبور ، الي جانب ترفيع نسبة مشاركتهم في البرلمان، ومنحهها مقاعد وزارية اتحادية ، ومناصب دبلوماسية ، وهو انجاز مابعده انجاز ، أعدت له الحكومة التي انصرف نظرها الي اضعاف التمرد ، لكنها تناست انها ربما تفتح الطريق امام آخرين لاتباع ذات النهج الناجع .

انها مسألة تحتاج لمراجعات شاملة ، ان تبدا المجموعات القومية بعد فترة وجيزة من تحقيق استقلالها ، الشروع في ترتيبات الانسحاب من الرباط القومي ، ومن ثم الانحسار و التقوقع علي أسس مناطقية ، لماذا قنطنا من وحدتنا هكذا بغتة ، وأين تكمن المشكلة الفعلية ، هل هي أزمة حكومة ،أم نظام حكم ، أم انها مشكلة كامنة في وعينا الاجتماعي الآبق ، هذا سؤال أساسي وجرئ ، يستوجب الاجابة عنه الآن وليس غدا حتي لاننتهي الي غرف معزولة داخل لايجمعها شئ سوي (الحوش) في فلسفة المكان.

تحليل سياسي:  أتيم سايمون

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتجنوب السودان ان الاتفاق الذي توصلت اليه حكومة جنوب السودان ، والحركة الديمقراطية لجنوب السودان – فصيل الكوبرا- الذي يتزعمه المتمرد السابق ديفيد ياوياو ، يوم الجمعة الماضي بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا ، يمثل سابقة سياسية خطيرة في تاريخ التطور السياسي في جمهورية جنوب السودان حديثة الاستقلال ، وذلك لكونها أقدمت...صحيفة اخبارية سودانية