“أن تكون بروح طفل، يعني أن تطرح من الأسئلة أقساها وأوضحها، وأكثرها فضحاً لبنىً كاسدة.. لذلك فإن بوي جون هو الأكثر اعتناقاً للطفولة في جيله”

(حاتم الكناني)

” رأيتُ الناسَ يحرقون الدّجاجَ لأجل الناس/ والجنجويد يحرقون الناسَ لأجلِ الدّجاج/ لكني لم أرَ يدَ الله تُنقذ الأبرياء/ وحين صرختُ: أين الله؟/ غضبَ الناس وترافعوا عن اللهِ وتناسوا الأبرياء”

(بوي جون – عشر مكانس لتنظيف الصمت)

” كيف لوعلِ الحقيقةِ أن يرعى في سهوب الخيالِ، و يشعر بالفزعِ عند الغروب كأي خروفٍ! على شطِّ نارٍ خاطبني صوتُ الإله: اخلع ثيابك واسبح/ – أخاف الغرقْ/ ـ إذا غرق الطينُ في الماءِ اختفى/ إذا غرق الطينُ في النار سما”

(بوي جون – نشيج)

“يقرأ بوي (حربة تغلق الشمس) ويؤسطر ما لم يتأسطر من دقائق اليومي.. يقرأ ونصاعة اللغة تخترق العقل والقلب معاً، وتخلخل دون ضجيج ما أسن في المخيلة”

(حاتم الكناني)

 

حتى العام 2005م؛ كان الجنوب لدى الكثير من السودانيين، كياناً ما، يعني أشياء متنافرة وغامضة؛ كان يعني الموت، الحرب، جمال الطبيعة، التخلف، يعني د.جون قرنق، الباباي، أنيانيا، البفرة، منقو زمبيري، الكناف، جوزيف لاقو، الخشب.. ولدى القليلين جداً، كان يعني في ما يعني كتَّاباً وشخصيات مثل أبيل ألير، فرانسيس دينق، تعبان لوليونق، وغيرهم. بعد توقيع الاتفاقية، تغيرت أشياء، واستترت أشياء أخرى لم تتغيَّر، لكن خفتت صورة الموت القديمة، مفسحة لصور أخرى أن تتنفس ولو قليلاً، ليعرف كثيرون أن ثمة أكثر مما يظنون في الجنوب، وأن ثمة (إنسان) هناك ليس أقل ولا أكثر، لتسمع أجيال جديدة بـ (كواتو)، ستيفن، ستيلا، أتيم، مثيانق،… وغيرهم، وبالتأكيد بوي جون أوانق.

ثمة حدّة ممزوجة بنفادِ صبر؛ ربما تلمسها وأنت تحادث بوي جون للمرة الأولى، لكنَّ سرعان ما تكتشف أنك كنت مخطئاً، وأن ابن مدينة الحاج يوسف فقط صريح ومباشر خارج المعتاد. قد تتوقف – عندها- قليلاً وأنت تحاول العبور إلى ما خلف عينيه اللتين لا تراوغان، وتنظران إليك باستقامة، وإن نجحت في العبور؛ عندها قد تجده صديقك بأكثر مما كنت تظن.

سريعاً برز اسم بوي جون في المشهد الثقافي كثيف الحراك وقتها، في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، تحمله منشورات متباعدة في الملفات الثقافية، مميزاً بلغة على بساطة تركيبها إلا أنها مفتوحة الدلالة وتتحرك في زوايا خارج المألوف لذائقة الكثيرين، لكنها كذلك لغة بمذاق مستطاب.

يتعدد بوي منشرّاً على حقول الكتابة المختلفة، مع أنه عُرف لدى الكثيرين بوصفه شاعراً؛ إلا أنه يكتب القصة والرواية، كذلك مارس التمثيل وعمل صحفياً وكاتباً راتباً.

يقول بوي: “البدايات الأولى للكتابة كانت شعرية.. الآن أكتب الشعر كما كتبته أول مرة؛ أكتبه كي أكتبه.. أما القصة فكنت وما زلت لا أعتقد نفسي كاتباً للقصة على الإطلاق، فأنا في هذا المجال مثل الدرويش الذي يأتي ليتعلم عند شيخ ما، ثم يرحل.. الرواية هي المجال الذي يجد المرء نفسه من خلاله قادراً على ممارسة التحدي مع النفس، كما إن كل التجربة الإبداعية في القصة والشعر والاستماع للآخرين، والاستمتاع بالحياة نفسها، تجد طريقها إلى النص الروائي، لأن الراوية البحر.. وتصبح جميع ضروب الكتابة الأخرى مثل الروافد للبحر”.

ولد بوي بمدينة جوبا في عام 1983م؛ عام اندلاع الحرب، إلا أنه قضى طفولته بمدينة الحاج يوسف التي يصفها بأنها المدينة التي صنعت ذكرياته. يقول عنها: “الحاج يوسف يحس جميع من سكنوها بالحنين الذي لا ينقضي نحوها، ورغم أنها تعتبر من الأماكن النائية للكثيرين، فإنها تعتبر المكان الأجمل لنا… نعم أنا أنتمي إلى الحاج يوسف وروك سيتي كليهما، لكن الحاج يوسف لا خيار لمن سكنها إلا الاستمرار في الانتماء إليها.. هي مكان روحي أكثر منه فضاء جغرافياً.. مثل الكنيسة، فكما إن الكنيسة هي جماعة المؤمنين حيثما اجتمعوا؛ كذلك الحاج يوسف تكون حيثما اجتمع الذين ينتمون إليها، وهم كثر، مثل مثيانق شريلو، وإستيلا قايتانو، وغيرهما”.

يقول أتيم سايمون محرر ملف (تنوع) الثقافي بصحيفة (المصير) التي تصدر من جوبا عاصمة دولة الجنوب، إن بوي جون وطّن الجغرافيا ذات الخلفيات المتعددة التي ينتمي إليها، في دفتر أشعاره ونصوصه القصصية، فصارت تحمل رائحة السفر وتعدد الأماكن. وذات الملاحظة يبذلها الشاعر محمد إبراهيم عمر بقوله إن بوي “كاتب يمتاز بقدرة هائلة ومدهشة على الوصف والسرد”، وإن هذه “خصيصة أتته من ذاكرته القوية التي امتصها من الأماكن الكثيرة والشخوص والبيئات المتعددة، فهو يحب الترحال والسفر”.

يقول بوي: “أهم ما منحتني إياه اتفاقية نيفاشا حرية الحركة، وهو الأمر الذي يعنيني بالأساس، إذ لا تستند الكتابة الجيدة من وجهة نظري إلا على الاكتشاف المتواصل؛ اكتشاف الناس، والأمكنة، ودلالات الكلمات نفسها، وهذه الأمور يتم تعلمها بوساطة السفر، أكثر من أي شيء آخر، ربما لهذا قضيت كل فترة ما بعد اتفاقية السلام مسافراً في أنحاء الجنوب المختلفة”.

أسس بوي جون مع عدد من المبدعين في الحاج يوسف جمعية (أماسي القطاطي) الثقافية في العام 2000، منهم مثيانق شريلو رئيس تحرير صحيفة (المصير) التي تصدر من جوبا، وقبرييل أرنست أحد ملحني النشيد الوطني لدولة جنوب السودان، والقاص ألدو ديمو، والدكتورة سوسن فيتر لادو.  و(أماسي القطاطي) هي ورشة إبداعية مفتوحة، شكلت تجربة يصفها بوي بأنها من الأحداث الأكثر عمقاً في حياته، إذ أتاحت له اللقاء بالأصدقاء الذين سوف يؤثرون –كما يقول- في كيف ينظر إلى الأشياء وكيف يتعامل مع الحياة في الكتابة.

يقول بوي: “الشيء المهم في تجربة أماسي القطاطي، أنها تجربة لا تنتهي، وتتمثل في ما وضعناه لأنفسنا من أحلام كانت جميلة لأنها نبعت من مشارب مختلفة في الإبداع، إذ كان بيننا تشكيليون وموسيقيون وعازفون وكتاب قصة وشعراء”.

كان منتدى (أماسي القطاطي)، قبل أن يتوقف بعد عام 2011 بسبب تشتت الأعضاء في جهات الأرض المختلفة داخل وخارج السودانيْن – كما يقول بوي- محاولة لكسر النظرة النمطية للإبداع المقدم من جنوبيين، تلك النظرة التي تجعله مهماً فقط لأن من قاموا به جنوبيين. وهي النظرة التي سادت بعد اتفاقية السلام، بل وربما يمتد أثرها إلى الآن. لذا جاءت التجربة لتحاول التعامل مع الإبداع كإبداع وليس لأن من أبدعوه جنوبيين.

يصف الشاعر حاتم الكناني كتابة بوي جون بأنها تخبر القارئ “أن هناك دوماً قوة كامنة في اللغة، قادرة على إنتاج حقيقتها ومحاربة أوهام الحياة والناس”. وغير بعيد من ذلك يقول الشاعر محمد إبراهيم إن كتابة بوي “عميقة ودقيقة وغنية لأنها جزء من نسيجه الفسيح والزاخر بالمعرفة والمحبة وجماليات الأمكنة والمناخات المتنوعة”.

يقول أتيم سايمون: “كتابات بوي تخبر عن شخصية الطبيب المداوي الذي يبحث عن مكامن العلل العصية”. ويقول: “النص الشعري في كتابات بوي بسيط في مدلولاته والمحتوى.. عميق في المتخيل والمرئي.. لا يغفل استلهام الموروث الفولكلوري ولا يتجاوز المرددات الشفاهية للمجموع”.

المفردة عند بوي جون، تطغي عليها المسحة الكاثوليكية المتسامية فوق المعطيات، والغارقة في الأسفار المقدسة – يقول أتيم – وهو ما يمكن أن يقود إلى ملاحظ أخرى وهي أن بوي كان من “المرنمين” في الكنيسة منذ الصغر. ويصف بوي أثر الترانيم عليه بأنها “الموسيقى التي تدوزن الكتابة، إنها مثل الغيتار في موسيقى الريغي اليوم”. تدرج بوي في النشاط الثقافي والنقابي حتى أصبح سكرتير اللجنة التنفيذية لشباب الكنيسة الكاثوليكية “رعية القديس إستيفانوس” بالحاج يوسف (2000 – 2003).

مثلما تتعدد الأمكنة، كذلك تتعدد اللغات التي تكتنف بوي جون. لكنه ينظر إلى علاقة هذا التعدد بالكتابة، بأن الأمر برمته يكمن في الروح التي تسكن الكتابة نتيجة إرث يعود إلى لغات مختلفة، وأن الحكم في النهاية يعود –كما يرى- إلى المنطلقات والأمزجة التي تقرأ النص المعني.

يقول بوي: “مسألة الكتابة باللغة العربية بالنسبة إليَّ جاءت من باب المصادفة فقط، فالكاتب يظل كاتباً بأي لغة كتب، ومرات ينتابني شعور بأنني كنت سأكتب حتى لو قدر لي، أنا الجنوبي، أن أنشأ وأتربى في الصين”.

اليوم، يتجول بوي في أزقة طفولته، وشوارع لطالما عرفها وعرفته قبل أن تصير الخرطوم عاصمة دولة أخرى، إلا أن رأيه في قضية الانفصال، هو –كما يقول-  نفس رأيه في جميع الأشياء الأخرى المشابهة له، وهو أن الأشياء المنطقية يجب أن تحدث حتى يتفرغ الناس لأشياء أخرى. إذ يرى بوي أن الوحدة بشكلها الذي كان، لم تكن لتستمر بأي حال من الأحوال، طالما فشلت النخب في استحداث نوع جديد من الوحدة يرضى عنه الجميع. لكنه ينظر إلى  الانفصال بأنه ليس سوى بداية لحل المشكلات في البلدين، وليس تتويجاً لحل المشكلات كما قد يفهم البعض.

وعما إذا كان يجد اختلافاً الآن يقول بوي: “بالنسبة لي أفريقيا تظل أفريقيا، سواء أكنت في جوبا، أو في الخرطوم، نفس مشاعر الطفولة والمراهقة التي قضيتها في الخرطوم، في أزقة الحاج يوسف بالتحديد، هي نفسها التي ما تزال تدفعني لعيش كل يوم بمزيد من الحماس”.

 الخرطوم – محفوظ بشري

https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/Boy.jpg?fit=300%2C196&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/Boy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقثقافة وفنونثقافة 'أن تكون بروح طفل، يعني أن تطرح من الأسئلة أقساها وأوضحها، وأكثرها فضحاً لبنىً كاسدة.. لذلك فإن بوي جون هو الأكثر اعتناقاً للطفولة في جيله' (حاتم الكناني) ' رأيتُ الناسَ يحرقون الدّجاجَ لأجل الناس/ والجنجويد يحرقون الناسَ لأجلِ الدّجاج/ لكني لم أرَ يدَ الله تُنقذ الأبرياء/ وحين صرختُ: أين الله؟/ غضبَ...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية