وصلتني قبل الدفع بها إلى المطبعة بعد أن أشار الصديق عبد العزيز بركة الساكن في اتصال معي وهو بالنمسا وله يرجع الفضل في خلق جسر من الصداقة مع كاتبها محمد بدوي إلى أن يبعث بالرواية إلىَّ وقد قمت بالاطلاع عليها.. نعم بوتابيكا رواية سترى النور قريباًَ.

فهو بالرغم من غربته في المنافي إلا أن ثقافته الافريقية حتمت أن يرى القارئ رواية قادمة من أعماق المجتمع الأفريقي مفعمة الأحداث مثقلة بويلات القهر وخبايا الطغاة الجبابرة.. يربض الراوي فيها خلف وعي المسافات وأزمنة السرد بواقعية تصحو في أرق الدهشة وعنفوان الصبر..

تحتشد أحداثها بكل ما هو مدهش ومفاجئ وما يشي بجهل القارئ أمام المعرفة الحقيقية لواقع المجتمع والحياة، يقرأ الراوي مستبصراً بموضوعية يكتنفها اندماغ وجداني وعقلاني.. لم يكن يؤطر دائرة أحداثه في عالم (البراكس) حيث شخوص وعالم سرده إلا للخروج لمحكات الصراع الإنساني..

والراوي الذي يصحو على ” المجمعات السكنية التي شيدها المستعمر قبل خروجه أطلق على المنطقة اسم (حي العمال) فيما ظلت تعرف (بالبركس) لدى سكانها الأوائل، ساعات الصباح الأولى قد تصيبك بالدهشة حينما تدرك بأن كل غرفة تقطنها أسرة كاملة ولايزال مسلسل الإنجاب مستمراً، أطفال لاتزال بقايا النعاس في عيونهم وهم يُدفعون للحاق بالمدرسة، رجال بالزي العمالي، نسوة يحملن أطباقاً من السعف عليها بضاعتهن من الموز، والكسافا وفاكهة الأفكاتو، صبيات مسرعات إلى مقار عملهن و صبية في زي شركات الأمن الخاصة يحاولون الإسراع في ربط ربطات الأحذية المتينة التي لا تتوفر لدى القوات النظامية. الجميع مسرعون صوب محطة المواصلات.. يتجسد عالم تيار الوعي لدى الراوي المتوفر على العمل الإبداعي والسردية المادية..

في استخدام أدواته الفنية ودرايته بها فهو فنان تشكيلي يخرج إلى دوائره التشكيلية ليجسد اللامكاني في حالاته المنولوجية الداخلية أو ما يعرف بالحالة الطفلية.. وفق تيار الوعي لدى فرجيينا وولف.. ويراهن على شخصياته في اكتمال حلق السرد لتصب في الهم العام للمجتمع المغلوب أمام تسلط الجبابرة، وتجني شرائح الرأسماليين على حقوق العمال والتغوُّل عليهم في تدنّي الأجور والتجني على بيئتهم بمكبّات فضلات الصناعة الحاملة لمسببات الأمراض الفتاكة والعقم.. بما يشي بمسببات انقراض الجنس من على شاكلة ساكني البركس .. وتكميم الأفواه هو وسيلة التخاطب معهم..

ويكتنف الرواية من أسرار التعامل الوحشي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من ويلاتٍ وثبور وفظائع أمور يمتُّ جميعها لواقعنا.. لم نحسب أو نصدق أننا على هذه الدرجة من الوحشية أمام ابناء جلدتنا.. “بوتابيكا” مجتمع أفريقي مسالم يأمن الوحوش البرية وتصير مأمونة الجانب لديه ولا يأمن على نفسه وممتلكاته وحقوقه من وحشية الآدميين.

وكأن الشقاء والبؤس قدر محتوم لكل أفريقي؛ بل لكل أفريقيا كي تعيش على هامش الحياة.. شقاء فرضه بعض ابنائها في عقوقٍ متعمّد.. وظلمٍ صُراح.. “بوتابيكا “رواية تعِدُ بتحوُّلاتٍ في عالم السرد المتطوِّر وتفتح آفاقاً أمام القيم الإبداعية، ولعلي أحدِّث نفسي بعد قراءتي لها بأن أقوم بدراسة حول هذا العمل الإبداعي الكبير.. (

محمد بدوي) وهو في العمق الافريقي كان حاضراً في الذات الافريقية.. لم ينس في إطاره السردي كل المسحوقين.. يضفي بمعرفته في جغرافيا المكان المتعددة من فضاءات الحياة في أفريقيا وقد خلق عالماً تسوده الفاقة والفقر والقهر والمرض من صميم الواقع الذي لم يعد واقعا أمام المد الميتافيزيقي وخلق آليات تعمية المنظور الآني وقلب الحقائق..

عالم بوتابيكا عالم مواز يعيش بين الهامش والعالم السفلي.. عالم تحت الأرض .. يخرج ليتنفس هواء التعذيب القسري.. وتضييق الحال وعنجهية المآلات المرة بوتابيكا رواية تستحق أن نكرس لها دراسة نقدية، بما تبشر به من تقدم في عالم السرديات الحديثة..

علي تولي

 Touly2007@hotmail.com

بوتابيكا .. سِرماقا يرقص على ضفاف فكتورياhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/05/badawi.jpg?fit=300%2C211&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/05/badawi.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقثقافة وفنونثقافةوصلتني قبل الدفع بها إلى المطبعة بعد أن أشار الصديق عبد العزيز بركة الساكن في اتصال معي وهو بالنمسا وله يرجع الفضل في خلق جسر من الصداقة مع كاتبها محمد بدوي إلى أن يبعث بالرواية إلىَّ وقد قمت بالاطلاع عليها.. نعم بوتابيكا رواية سترى النور قريباًَ. فهو بالرغم من غربته...صحيفة اخبارية سودانية