تنمو هوامش الخرطوم “أحياؤها ومناطقها الطرفية”، باطراد، تكبر وتتوسع مع الأيام، ولكن من دون أن تنبض بالحياة المستحقة وتنعم بالخدمات.

المعنى الكامن وراء سكنى الهوامش الطرفية، أن الحياة خارج مركز السلطة الخرطوم أصبحت أصعب من أن تعاش، و ليس بعيدا أيضا عما يجري في مناطق النزاع، فتدور بهم عجلة النزوح، ميممين وجوههم صوب أطراف المدن وبالخصوص أطراف الخرطوم.

الطريق إلى هامش الخرطوم بالتحديد، انطلاقا من وسطها، يعكس الطبقية الفارقة التي تسم الحياة في العاصمة، المكتظة بالملايين، وجلهم تؤويهم الأطراف. بينما يزدان وسطها متجملا إذا ما جسدته كائنا بشريا، هذا الكائن يمد لسانه للعابرين به نحو الهامش ومنه غدوة وروحة، ويبدو في التصور، كأنك خارج من حلم.

في منطقة “المعارضة” الهامشية، نحو 20 كيلومترا غربي الفتيحاب بأم درمان، يقول أحد سكانها ينادى فائز “اسم مستعار” ، 50 سنة، لـ(الطريق)، انهم أطلقوا عليها هذا الاسم، “رفضا واحتجاجا” على الوضع الحياتي المتردي بعمومه.

ليست منطقة “المعارضة” وحدها من تكابد حياة التهميش وانعدام الخدمات، إذ تمتد بعدها مناطق: الحلة الجديدة، نيفاشا، جبرونا، ود البشير، المنارة، كسار، وأقرب مركز لهذه المناطق، هو سوق ليبيا، شمال غربي أم درمان، لتصله بحافلة صغيرة من الحلة الحديدة، تأخذ مسافته أكثر من ثلاثين دقيقة، بتعريفة تبلغ جنيهين للحافلة الكبيرة، وثلاثة جنيهات للحافلة الصغيرة. محط المواصلات القادمة من سوق ليبيا أو المنطلقة إليه سوق شعبية كبيرة تسمى “القربة”. ويصل مواطنو الحلة الجديدة إلى عمق حيهم بواسطة الكاروهات-عربات تقودها الدواب.

 أما “المعارضة” فأقرب مركز لها، منطقة “البنك العقاري”، جنوب غربي للفتيحاب.

لا كهرباء ولا ماء، ولا مراكز صحية تقدمها الدولة لمواطنيها، لكن قد تتعثر قدماك بسلك كهرباء ممتد كثعبان نحيل يعيش فوق الأرض، توجد مولدات  صغيرة تضيء عتمة هذه المناطق ليلا بنور واه،  يدفع مقابله ثلاثة جنيهات لليلة الواحدة.

يقول علي، ٢١ سنة، من مواطني الحلة الجديدة، طالب بجامعة أم درمان الأهلية، لـ(الطريق)، أنه حتى يصل إلى الجامعة الكائن مقرها، غربي حي بانت، جنوب أم درمان، يحتاج إلى ساعة ونصف الساعة، يبدأ علي رحلته راجلا نحو سوق القربة، ثم يستقل حافلة إلى سوق ليبيا ومن هناك يستقل حافلة أخرى، توصله ليس بعيدا من الجامعة.

“جوز الماء بجنيه ونصف، يستأجر المواطنون الكهرباء من مستثمرين، يبيعونها، الليلة الواحدة ب ٣ جنيهات، وهناك من يدفع شهريا، للمستثمر صاحب المولد”، يصف علي وضع الماء والكهرباء في حيه.  ويسترسل قائلا: “يوجد مستوصف صغير، يباشر رعاية طبية محدودة، الحياة لدينا قاسية، ومحفوفة بالمخاطر”، يضيف.

قد تبلغ المسافة من الهامش الأمدرماني، الحلة الجديدة مثلا، إلى أن تصل إلى قلب الهامش ألخرطومي، بمنطقة مايو، جنوب غربي الخرطوم، نحو ثمانين كيلومترا.

اطراف الخرطوم

ومن لم يزر مايو قد ينشأ لديه إعتقاد، بأن المنطقة هي آخر نقطة في حزام الهامش الطويل الذي يطوق جنبات العاصمة الخرطوم، لكن من يزورها،  فمن المؤكد أنه سيتبدد لديه هذا الاعتقاد، لسبب بسيط: أن مايو تعتبر مركزًا كبيرا لهوامش منسلة منها، “القادسية، الأندلس، مانديلا واليرموك”،  فالشخص الذي يسكن اليرموك مثلا جنوب غربي مايو، يحتاج لنحو ٢٠ دقيقة بالعربة وهي تسير بسرعة جيدة حتى يصل مايو، لكن في الواقع لا توجد سيارات تقل المواطنين من وإلى مركز مايو الهامشي.

من السوق العربي، وسط الخرطوم، يتحرك مواطنو مركز مايو الهامشي نساء ورجالا حتى وقت متأخر من الليل، حيث عدد كبير منهم ومنهن يعملون ويعملن بوسط الخرطوم. تبدو وتتبدى مايو، خاصةً إن زرتها صباحاً، فارغة من السكان، إن استثنيت سوق (الله أكبر)، وسوق (ستة الشهير)، وبعض أندية المشاهدة، فسكانها يطلبون الرزق باكراً، وسبب آخر يجعلها فارغة من السكان صباحًا، بعد المسافة، إذ يضطر سكانها للمغادرة باكراً، حتى يتمكنوا من اللحاق بأماكن عملهم.

يفصل مايو عن اليرموك، مقابر. الموتى الذين يتوسدون ترابها، تنغرس إلى جوارهم أشجار ونباتات طفيلية، وأوساخ، بعد أن تجتاز هذه المقابر وأنت متجه من الشمال إلى الجنوب جغرافيًا، يكون إلى يسارك مزارع خضراء على مد البصر، وحظائر تجارية لتربية الدواجن، يشتكي المواطنون، من كونها تؤجج تلوث البيئة، فيما يكون على يمينك، مئات المنازل، المشيدة من الطين، تتجمع أمامها نفايات لا حصر لها، حين تتقدم في المسير، وأنت متجه جنوباً، يظهر لك معسكر كبير من بيوت مشيدة من جوالات الخيش، وأمامها خور كبير، مليء بالنفايات وأطفال ونساء لم يفارقهم العدم قيد أنملة، تشير هيئاتهم وملامحهم.

في حي اليرموك، توجد مدرسة وحيدة، ولم يتسنَ لـ(الطريق) معرفة إن كانت مدرسة للأولاد أم هي للبنات، أو إن كانت مدرسة مختلطة. لا يوجد أي مركز صحي أو معمل صغير لفحص البول أو الدم، ولا وجود للشرطة تماماً، ولم نرّ عربة واحدة طوال مكوثنا هنالك، ولم نسمع صوت أذان الظهر بمسجد المنطقة، وهو صادف وقت وجودنا، إذ لا توجد كهرباء. الصوت الوحيد الذي كان منبعثا من جهاز كهربائي، كان لمسجل يعمل باحجار، سمعنا من خلاله أغان غربية، وكان لشبان يعملون في بناء غرفة طينية فيما يشبه النفير.

قال سائق العربة، وهو من سكان اليرموك، “إذا كان الفصل خريفا، لن يكون بوسعكم القدوم إلى هنا. فالطرقات كانت ستكون مغلقة، من كان بالداخل بالداخل، ومن بالخارج يبقى بالخارج، هذا هو قانون الخريف عندنا”.

لكن إذا ما قررت أن تذهب  في رحلة عكسية جديدة لهامش شمال أم درمان، عند مناطق القرية والفتح 1 والفتح 2 منطلقا من مايو، فإنك بحاجة إلى قطع مسافة نحو 90 كيلومترا، إذ عليك الذهاب مسافة لا تقل عن 30 كيلومترا من وسط الخرطوم لتصل إلى منطقة صابرين شمالي الثورة، ومنها عليك أن تكون في السيارة مدة ثلاثين دقيقة، ومن ثم يلوح لك الجبل، بعدها عليك أن تتجاوزه، لتجد نفسك في الفتح 1 والفتح 2 على التوالي، إن كنت تسكن الفتح وتعمل في الخرطوم، ستكون تكلفة ذهابك وإيابك، لا تقل عن العشرين جنيها، وتنفق فيها من زمنك قرابة الأربع ساعات.

وولاية الخرطوم وسط السودان، تبلغ مساحتها 22,736  كيلومترا مربعا ويقسمها نهر النيل والنيلين الأزرق والأبيض لثلاث مدن هي: الخرطوم، الخرطوم بحري وأم درمان، ومواطنوها نحو ستة ملايين نسمة، بحسب آخر تعداد سكاني أجري في 2008، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عدد سكانها يربو عن العشرة ملايين.

الخرطوم- الطريق

هوامش الخرطوم .. جنبات العاصمة المنسيةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/01/tttt-300x199.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/01/tttt-95x95.jpgالطريقتحقيقاتخدماتتنمو هوامش الخرطوم 'أحياؤها ومناطقها الطرفية'، باطراد، تكبر وتتوسع مع الأيام، ولكن من دون أن تنبض بالحياة المستحقة وتنعم بالخدمات. المعنى الكامن وراء سكنى الهوامش الطرفية، أن الحياة خارج مركز السلطة الخرطوم أصبحت أصعب من أن تعاش، و ليس بعيدا أيضا عما يجري في مناطق النزاع، فتدور بهم عجلة النزوح،...صحيفة اخبارية سودانية