ما بين الدناقلة شمال و حي المزاد

عندما كتبت عن حي المزاد شمال، كنت أريد الإشادة بمبادرة شباب الحي في تكريم أمهاتهم و أبائهم، و بعض المرضي، لكي يجمعوا الوصل و يشدوا وثاق الربط بينهم، و يزيدوا في محبتهم محبة، قائمة علي الصدق و طيب المعشر و إخلاص النوايا، مع تذكير بالقليل جدا من تاريخ الحي و ظرفائه، و لكن المقال فتح علي باب واسع من الشجن و الهوي، و عبق الذكريات الطيبة، و تواصل مع إخوة باعدت بيننا المسافات و السنين، و البحث عن الحياة الأفضل في أماكن بعيدة و غريبة لم تدر في خلدنا تلك الأيام، و لكنهم كانوا يختزنون في الذاكرة أيام جميلة قضينها معا، إن كانت في الحي، أو في مراحل التعليم المختلفة، و جاءت رسائلهم علي بريدي الالكتروني، لتفتح نفاجا للتواصل و إعادة الذاكرة، و من هؤلاء من لامني علي إنني قد ركزت علي حي المزاد، دون الحديث عن الدناقلة شمال، التي كانت فيها أول صرخة لي، و أنا استقبل الدنيا، و التعليم الابتدائي، و لعب الطفولة الباكر “لعب البلي و حرينة و البت يا لبوت و كم في الخط و الرمة و الحراس” و غيرها من الألعاب الجميلة بين الصبية في ذلك الزمن الجميل.

يذكرني بقول الشاعر

ولي وطن آليت ألا أبيعه        و ألا آري غير له الدهر ساكنا

عهدت به شرخ الشباب و نعمة      كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا

فقد ألفته النفس حتى كأنه       شجر إن بان غودرت هالكا

و حبب آوطان الرجال اليهم    مآرب قضاها الشباب هنالك

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهموا    عهود الصبا فيها فحنوا لذلك

الملاحظة الجملية كل الذين علقوا و كتبوا تجاهلوا اسم شهادة الميلاد زين العابدين و رجعوا إلي أسم الحي، و هو محبب إلي قلبي، و لي به من الذكري أشياء جميلة، و أذكر إن والدتي حتى توفيت لم أسمعها يوما نطقت اسم زين العابدين، و لا يستعمل هذا الإسم إلا الوالد و شقيقتي سناء رد الله عافيتها، و عندما بدأت أكتب باسم الزين صالح استنكر و الدي ذلك، باعتبار إن جدي هو الذي سماني و عليه يجب أن احتفظ بالاسم و ذكر جدي، دلالة علي الرضي و القبول، و هذا الذي يجعلني أكتب اسمي ثلاثيا لوعد قطعته علي الوالد، و لكن لزين العابدين أيضا محاسنها عندما ذهبت طالبا في جامعة بغداد فكنت مجال ترحيب و قبول عند الشيعة، و كذلك في إيران عندما ذهبت بدعوة لحضور الاحتفال بعيد الجمهورية الإسلامية، كنت مجال حفاوة دون بقية الوفد، و عندما تقصيت عن ذلك، وجدت للأسم بريقه و جاذبيته الروحية الساحرة عند الإثني عشرية، لأن زين العابدين هو بن الحسين بن علي من الحنفية و هو الذي يربط الفرس ببيت رسول الله، لذلك تجد الذين يعممون رؤسهم بالعمامة السوداء هم من آل البيت.

قصة مدينتين، هي للكاتب الانجليزي شارلس ديكنز، و هي قصة كانت مقررة في مناهج التعليم للعديد من الدول لأهمية القصة، لأنها تحكي صراع بين الارستقراطيين و عامة الشعب، في زمن الثورة الفرنسية، و جرت أحداث القصة بين باريس و لندن، و استلفت عنوانها لكي أحكي ليس عن صراع و لكن عن ود متواصل بين الدناقلة شمال و المزاد من اعرق أحياء بحري و ليس أقدمها.

فكل حبة رمل لامست قدمي   و كل نسمة صيف تستحيل سنا

و النفس بين ديار الأهل مسكنها    و القلب في حبهم مازال مرتهنا

و النجم لا يشتهي إلا مجرته      مهما تجرع فيها الهم و الحزنا

ياقرية بالشذي الممرح تأسرني      مهما اغادرها يبقي الفؤاد هنا

حي الدناقلة شمال، تم تخطيطه زمن الاستعمار في الاربعينيات، و نجد الحي يقع بين أحياء عريقة، في الجنوب ” الخور الكبير” الذي يفصل الدناقلة شمال عن الدناقلة جنوب، و الذي بناه نصر الدين السيد، و الذي كان يشغل وظيفة ضابط إداري، ثم أصبح نائبا برلمانيا عن الوطنى الاتحادي في ذات الدائرة، بعد ما انتصر علي الشيخ علي عبد الرحمن ممثل الطائفية، و كان أيضا وزيرا في عهد الزعيم إسماعيل الأزهري، و قد سكن نصر الدين السيد في الدناقلة شمال، في البيوت التي تفتح علي شارع شمبات، و حتى توفي نصر الدين السيد لم يكن لديه منزل، رغم كان بيده كل شيء، هل تجدون أمانة أكثر من هذه.

و في الشمال شارع المدارس من الركن الجنوبي الغربي لمدرسة ميسرة السراج إلي شارع شمبات، و في الغرب شارع شمبات الذي يفصل الدناقلة شمال من حي حلة خوجلي و الصبابيو أخيرا الميرغنية، و في الشرق، الشارع الموازي لشارع الماعونة من ناحية الغرب، و يأتي من مستشفي بحري حتى مدارس ميسرة السراج، و يقع في هذا الشارع نادي الاتحاد و مدرسة ست ليلي رغم إن المدرسة في البدوان، و شرقه ميدان الالوبة، و البيوت التي تقع شرق و غرب شارع المعاونة تابعة لحي ” البدوان أو ديوم بحري” و تخطيط الدناقلة شمال فريد لا تجد مثيلا له في كل السودان، وسط كل أربعة مرابيع ميدان صغير يلعب فيه أطفال هذه المرابيع.

يتوسط الدناقلة شمال شارعان، الأول شارع الضواحي، و يأتي من شارع الماعونة حتى شارع شمبات، يبدأ من ناصية دكان العم سعد قشرة ” يماني” سمي السوق بإسمه لشهرة الدكان في ذلك الوقت، و هو شارع مواصلات الضواحي، و كانت تجري فيه بصات الحكومة و الأهلية، و الشارع من سعد قشرة في اتجاه الشرق يسمي شارع الصناعات، و يسكن في شارع الضواحي نجوم في سماء الفن و الرياض و السياسة، منهم المرحوم أيوب فارس صاحب الصوت الرخيم الذي كان فنان بحري الأول في فن الحقيبة، و شقيقه سليمان فارس السد العالي ” مدرب الهلال المشهور، و جارهم من ناحية الغرب، الاستاذ يوسف حسين أطال الله في عمره عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، و منزلهم يسمي بمنزل آل البوشي، و جار يوسف حسين من ناحية الجنوب، منزل عمنا النور والد جلال النور الأعب السوداني المشهور الذي لعب لفريق الترسانة المصري، و جار جلال النور من ناحية الجنوب يقع في الميدان بيت المرحوم العم بسطاوي أدريس، أول حارس مرمي لفريق سوداني في السودان زمن الانجليز ” فريق إستاك” و حاليا يسمي فريق ” التحرير البحراوي” و شمال بيت آل فارس يقع بيت والد اللواء الزين قديم الذي شغل مدير أمن العاصمة زمن عهد نميري و كان أيضا حارس مرمي فريق التحرير في العهد الذهبي، و في ذات الشارع بيت العقيد صلاح السيد الذي أعدمه البشير في حركة رمضان، و بالقرب من نهاية شارع الضواحي يقع بيت الفنان الكبير رحمة الله عليه عبد العزيز محمد دأوود، و قريب منهم بيت آل يعقوب منهم اللواء كمال يعقوب الذي قتل في أول حادث لانقلاب الجبهة الوطنية ” ما يسمي بالمرتزقة” و بيت أبو زيد محمد صالح و كيل وزارة المالية، و أيضا بيوت السرمندية آل عبد العال كوارع وزير الشباب السابق في عهد البشير.
هناك الشارع الموازي لشارع الضواحي من ناحية الشمال، الذي تقع فيه مدرسة الدناقلة، و دلالة الحاجة سميرة، زوجة خالي عبد الحليم نجار، و هذا المنزل الذي ولدت فيه و تربيت فيه حتى دخلت المدرسة، و من أهم سكان هذا الشارع في ذلك الزمن الجميل أولاد نجار الشلالية، و أولاد بلة، و أولاد بدران، و بيت والد اللواء عمر محمد الطيب الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية في عهد نميري، و الرياضي العريق المرحوم علي الحسن مالك،  و الصحافي المشهور عبد الله رجب، و أفضل ترزي افرنجي في بحري أحمد علي عثمان متعه الله بالصحة و العافية، و صلاح غزالي الذي لعب لفريق الكفاح ثم انتقل للتحرير، و الطيار السر الجزولي،  و الدكتور عثمان السيد الذي قيل أنه كتب أغنية ” هطلت أمطار و الطريق بطال أحب بحري و الدناقلة شمال” و عثمان السيد هو صديق الشاعر أبو أمنة حامد و عديله متزوجين شقيقتي الصديق الخلوق إبراهيم مصطفي ” الحلبي” و لكن الدكتور ترك بحري و استوطن القضارف، و بقي أخوه المحامي مصطفي عبد السيد في الدناقلة، و هؤلاء هم أول من جاءوا بالفنان محمد احمد عوض يغني في زواج شقيقتهم أمال، و أيضا سكن أبو أمنة حامد الدناقلة شمال في شارع المدارس،  و في الشارع أشهر طهار في بحري الطاهر حسن الذي طهر 85% من أولاد بحري بجميع أحياءها، و بين الشارعين كانت هناك عوائل معروفة في بحري عائلة السرمندية و الحاجة حليمة الليلي و هي أول سيدة أعمال في الدلالة و العقارات، و عبدالوهاب خوجلي،  و عباس غالب و عباس علي، و عمر و علي الزين أصحاب مكتبة بحري أمام سينما الوطنية بحري، و اولاد سليم و اولاد شاشاتي و اولاد الشفيع و اولاد محمد صيام و أولاد حرم أم محي الدين و أولاد أبنعوف و اولاد بخيته دوكة و بابورية و اولاد أبرهيم موسي منهم الطيارة يوسف و الفنان التشكيلي صلاح، و اولاد عامر و اولاد العليقاتية آل عصام مصطفي القيادي البارز في قوات التحالف السودانية و جار العقيد الشهيد صلاح السيد، و اولاد عبد العاطي،و اولاد ود باشا، و عمنا محمد ود باشا هو كان شيخ الجزارين في بحري كان له حمار أبيض مثل الفرس كان يعتز به كثيرا، و كان محبا لشيخ بسطاوي الذي ترك الكورة و أصبح شيخ الطريقة القادرية في بحري، و حضرت حوارا بينهما مرة في التاسعة صباحا، بعد ما هم ود باشا بالذهاب ترجاه شيخ بسطاوي لكي يفطر و حلف عليه بالله، و لكن الرجل اصر علي الذهاب و عندما هم بإمتطاء حماره وجه الحديث لشيخ بسطاوي تقول لي عليك الله و عليك الرسول أقعد افطر، يا راجل قول لي علي الطلاق تقعد تفطر شوفني لو لمست الحمار دا قال عليك الله و عليك الرسول.

من الأشياء الملفتة في الدناقلة شمال كانت سياسيا تقسم لحزبين فقط، الحزب الاتحادي و الحزب الشيوعي، و الانصاري الوحيد الذي كان يسكن فيها، هو جدي أبو والدي عبد الرحمن النور الذي كان يلقب ب “شيخ العرب” بسبب أنه كان الضامن لقبائل الحسانية و البطاحين في مركز بحري، و لكن أن يصبح والدي إتحاديا رغم إن والده أنصاري هذا لتأثير البيئة عليه، و الجو العام في الدناقلة، أما أن تكون إتحاديا أو شيوعيا، و أن يكون اتحادي أخف علي جدي من شيوعي و قد كان، و الشيوعية باعتبار أغلبية أهل الدناقلة رغم الأسم هم من الكنوز ” الشلالية” الذين جاءوا من حلة حمد عندما أمتدت و توسعت الأسر، و رحل بعضهم إلي الدناقلة شمال من “شارع الشلالية ” في حلة حمد، كما الملاحظة إن الدناقلة شمال كانت تخلو من المساجد، لم يكن بها جامع و كان الناس يذهبون لحلةخوجلي أو جامع بحري القديم، و جامع صغير في الدناقلة جنوب بالقرب من سوق الحي و المجاور لمستشفي بحري، و حتى جامع الدناقلة الذي يقع غرب نادي الاتحاد و يطل علي الخور الكبير، بني في سبعنيات القرن الماضي، كما لم يكن هناك مخبزا في الحي، و كان المخبز الوحيد هو جنوب الخوار الكبير شرق مدرسة البنات و غرب نادي الاتحاد يطل علي الخور، و كان الذهاب إليه فقط إيام الأعياد عندما كنا نحمل صوان الكعك ليلا، و نساهر حتى الصبح، و أيضا الدناقلة لم يكن لديهم فريق كورة قدم مسجل في الاتحاد، و هذا يرجع لعلاقة أغلبية سكان الدناقلة للأحياء الأخري حلة حمد و حلة خوجلي و الصبابي و الدناقلة جنوب و الختمية.

و في الدناقلة أيضا هناك معالم مهمة، مثلا بيت أولاد الفور، هذا البيت في ناصية الشارع بالقرب من السرمندية كان يسكنه أولاد من غرب السودان يطلق عليه بيت الفور، و كانوا جميعا يخرجون الساعة الثالثة ظهرا في عرارقهم و سراويلهم البيضاء و طواقيهم البرتقالية، يحملون كل منهم جردل ترمس و أخر كبكبي، و يطوفون في الحي، و أيضا هناك بيتوت الفلاته و كان أولادهم لا يذهبون للمدارس و كانوا يصنعون الأكياس للسوق من أكياس الأسمنت، و دائما يخرجون في الصباح الباكر و يرجعون قبل المغرب، و كان هناك أيضا أبو كرنك ” جيمس” و هو من ابناء جنوب السودان و لكنني لم اجد من يقول إليه جيمس فكانوا ينادونه بأبو كرنك، و هو نفسه نسي أسم جيمس لشهرته أبكرنك، هو من أبناء جنوب السودان، و لديه رجل أقصر من الأخري، و عندما يمشي يتكئ بيده اليمني علي ركبته اليمني، و كانت له حدبة في صدره، و كان مشهورا ببيع النعناع و اليمون في سوق بحري، و كان الحي يستقبل يوميا عربة بابا كوسته، و هي عربة يجرها حصانين تشبه عربات القطار و من الداخل فيها أرفف توضع فيها انواع الرغيف المختلفة و المخبوزات الأخري، و عربات الداردرمة، و بايعين الروب، و الكوارع و هؤلاء من النساء و الرجال كبار السن يمتطون ظهور حميرهم.

نواصل الحديث في مقال أخر للعلاقة بين الدناقلة شمال و المزاد و أحياء الأخري و ظرفاء تلك الأحياء.

زين العابدين صالح عبد الرحمن

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/khartoum_from_the_air_blue_nile-300x198.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/khartoum_from_the_air_blue_nile-95x95.jpgالطريقما بين الدناقلة شمال و حي المزاد عندما كتبت عن حي المزاد شمال، كنت أريد الإشادة بمبادرة شباب الحي في تكريم أمهاتهم و أبائهم، و بعض المرضي، لكي يجمعوا الوصل و يشدوا وثاق الربط بينهم، و يزيدوا في محبتهم محبة، قائمة علي الصدق و طيب المعشر و إخلاص النوايا، مع...صحيفة اخبارية سودانية