من منعم رحمة إلى عثمان حميدة، 4 مايو:” كيف لا ينفجر شريانك ياااعثمان…والخرطوم تصرف على العرق الفاسد و المبنج، لتبنج أحزانها، ولا تقتلها الحسرة التى قتلت المبدعين…بل وقتلتك أنت ياااعثمان...ما الذى دفعك دون أية مقدمات لتدخلنا في طقس الموت،،،تحياتى لمن معك”!

أنت محظوظ يا منعم رحمة في واقعيتك، في رثائك، في بكائك، بل وفي دخولك إلى طقس موت وتأبين عثمان حميدة، كيف واتتك(م) المقدرة؟… كيف تجرأوا أجمعين في قبول هذا الموت … هذا العبث … هذا الطقس، البالغ ذروته في تأبيننا لعثمان حميدة الأن! هل مات عثمان؟ ما الموت!

أعلن، هنا، عجزي التام عن الإستيعاب والتفاعل مع ذلكم السر المجهول واللغز المهول، الموت، وأعجز عن إستيعاب موت عثمان! لا أستطيع التمييز بين الحياة والموت، بل حتى لا أعرف أين عثمان الأن! بمعنى أدق، حياة وموت عثمان حميدة أراها صنوان، تربك إستيعابي وتفاعلي إلى حد العبث، عبث أشبه بلطف وحزن إحتفائنا الأن وفي هذا المكان: فالعبث في ذروته هو مشاركة عثمان لنا في تأبينه، في مزاوجته لتناقضات لا تحد: للحياة والموت، للنشاط والخمول، للخوف والأمل، للخيال والواقع، للأحاسيس والنزوات، للإصرار والإنزواء، للمقاومة والإنهيار، للحضور والغياب… فقائمة عثمان حميدة لا تحد من العبث العام العلني، الخلاق الجدلي المنتج المعطأة، دوماً، من غير منٍ أو أذى! لقد رايناه وسمعناه وشممناه وتذوقناه، بما فيها تلاشي حدود الخاص والعام عند عثمان وإلتزامه الماهر بمبداء ” الشخصي هو السياسي”! حتي في مماته يفجر عثمان الحواجز، بشريانه هذه المره، ليتدفق قلبه، لونه قاني، راسماً لرسومه، لعلاماته وعلو كعبه في مسارات حياتنا الواسعة، وقبلها في مسارات ما نتصوره ونغنيه من وطن أحببناه مع عثمان خيال وواقع مأزوم.

  منذ ذلك اليوم الشؤم … منذ تلك اللحظة البعيدة القريبة، إنخلعت قلوب وأفئدة، من كافة جغرافيات الكون، سعـــــت تضميداً لذلك الشريان ولذلك القلب الإستثنائي. جموع القلوب والعقول تلك سطرت دمعاً وحزناً وحبراً، منظمات وأشخاص، تحدثوا عن عظمة عثمان الإنسان وأدواره الجهورة مما لا تحتاج إلى تذكير ( في السياسة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان) … فالذكرى تنفع فقط من ينسى! ولسنا ممن سينسى، حتماً، من هو عثمان حميدة!

نحن اليوم، وفي مقدمة حضورنا عثمان حميدة نفسه، هنا بالتحديد في بيت حقوق الإنسان، في مدينة كمبالا، وفي ضيافة صديق وزميل، بل أخ لعثمان ، العزيز حسن شيخ، والذي بمناسبة وغيرها ظل وفياً، مشدداً ومكرراً لسنوات عن إسهام عثمان في بناء وفي تطوير هذا الصرح وغيرها من منارات حقوق الإنسان في السودان وغيره. أنا هنا لست شاكراً لحسن شير وزملائه/ زميلاته، فالواجب يعرف ويعرفه أهله، وحسن ، عرفناه زمناً، من أهل الواجب وأكثر.

حسن سعى منذ ذلك اليوم الشؤم، وكما يفعل اليوم، بجعل موت عثمان أكثر واقعية بإستضافتنا وإستنطاقنا في إحتفائنا، وفي ذروة حزننا، بتأبين عثمان حميدة! لذا، فأنا ممتن لحسن وللعشرات هنا لإستنطاقي عبر هذه المشاركة الضئيلة والضئيلة جداً، مقارنة بما أستبطن إحساساً ووعياً، تجعلني في محاولة إدراكي وإستيعابي العابثة هنا حول حضور/غياب، حياة/ ممات عثمان، تجعلني أختار الأجترار والوقوف مع عثمان نفسه خلف إحدى نوافذه، لأحدثه معكم، وعن البعض منكم(ن)، خلال لحظات العبث … الموت تلك … والتي لا أجد سوى قول:  يا عثمان لكن فاجأتنا!

قد تبدو هذه الكتابة/ الإجترار مستهينة بعظمة عثمان في فضائه(نا) العام وإسهاماته المشهودة، كما تأتي قاصرة وإنتقائية في الأسماء والحالات المستعرضة… عفواً فهي كذلك، هي إنفعال. وأظنني تعمدت في ضآلة إستنطاقي إتياني بما قد يسعدني وعثمان حميدة في إحتفائنا/ إحتفالنا الأن، وما قد يستثير نقاشاتنا وجدلنا وقطائعنا الغير منتهية- في حيوات أخرى- حول قضايانا العامة. أعرف أن هذا السرد، ومع رفضه له، سيرفع من غريزة حب الإستطلاع والشمارات عند عثمان إلى أقصاها لمعايشة تفاعل بعض من هم(ن) قريبين اليه، ضمن حيثيات العبث … الموت … التابين لعثمان اليوم!

سردي في السطور التالية، ممثلاً في حالات ولحظات منتقاءة لبعض الأسماء/ الشخوص، هو إهداء وونسة إلى ومع عثمان حميدة، ومعكم(ن)، كما يمكن أن تعبر عن حالة عدم إستقراري، حتى اللحظة، وأظنها حالة العديد منكم(ن) حول حضور/ غياب عثمان حميدة.

إتصلت بي صديقتك يا عثمان، ديادرا كلانسي، زوجتي، وسربت في مكالمتها الخوف والأمل سوياً، حين أخبرتي بمصاب قلبك، وجِلة كانت تخفي خوفها بالشرح العلمي وبعض أمل واقعي. سكنني الخوف عندها. وطيلة رحلتي، فقد كنت في طريقي من القاهرة إلى المناطق المحرره بالنيل الأزرق، سربت خوفي ذلك إلى صديقك، القريب لنا، إلى الحاج وارق، وتيقت أحساسه به، فقد ظل يتصل مرات ومرات في اليوم الواحد، خاتماً لمكالماته كل مرة بالدعاء… ربنا يرفعوه! مع وراق ظل خوفي ينخفض ليعلو الأمل، وأنا واثق من تعاظم خوف الوراق عند كل مكالمة.

فيصل الباقر يا عثمان، كان كما تناديه دوماً، القصيّر..خيت الشلّة، يقفز مثل الطفل في نقائه عند ملمتك. وأنت مبتسم في سريرك الأبيض ترسم بدمك القاني لمسارات حقوق الإنسان، كان أن وضعت أوتادها الحديثة مع فيصل. في براءته فيصل الباقر كان كالطفل، كحال مريم المجدلية، إبنتي بسنواتها الست، وهي تحاول أثناء ملمات وفاة أحد أقاربنا، وبينما الجميع في وجوم و بكاء، إرتبكت مريم ورأت أن تخفف ذلك الحزن والألم بإستعراض غنائي للمعزين لتسعد وتقلب حالة الحزن تلك! فصيل الباقر  كذلك ياعثمان حاله كمريم في إرتباكات تفاعلهما مع حضورك وغيابك!

هالة الكارب، وأنت عليم بحدة بصيرتها يا عثمان، ظلت قبل النباء/ العبث تكاتبني، لا تقوى على الحديث، كانت تكذب في حسها وحدسها في مكاتباتي، بإرتباك فاضح، ظلت مره تكيل السباب على العام 2014، قائلة: دي سنة شؤم وأيام شر، فقد تكاثرت هزائم قضايانا العامة وفقدنا العديد ممن نعز. في رسائلها هالة يا عثمان أعلنت ثقتها فيك، فظلت تكاتبني: عثمان قوي… عثمان بحب الحياة… أكيد حايهزم أزمته دي، وحيجينا طالع بقلبو المحب للحياة … حيجينا ضاحكاً بانتصاره ويدعونا للإحتفال … وها نحن نحتفي بك يا عثمان!

أما محمد بدوي وأمير عثمان، أقوياء كانوا وموضوعيين في إدارتنا وفي كيفية تفاعلنا وتعاملنا مع مصابك الجلل. فعلى مدار الساعة، وكانما كانوا تروس تراقب وتحلل تلك الاجهزة المعقدة المحيطة بك، يخبرونا على مدار الساعة عن معركة الحياة والموت التي قاتلتها، بدوي بمهاراته الجديدة في تكنولوجيا المعلومات والسرد القصصي، وأمير عثمان بملاحقتك وجسدك بين نيروبي وجوهانسبيرج ولندن. كليهما أبرزا حساسية وواقعية وضعتنا قريبين منك خوفاً وأملاً، وإلى حين إبلاغهم وإدارتهم لنباء/ عبث رحيلك!

ياعثمان، حتي في إبلاغي  لنباء/ عبث رحيلك أراك تصر على تضمين رسائل محبتك لثنائياتك المربكة، ومنها جدلك حول الحياة الموت. لقد أرسلت إلي ياعثمان، متعمداً، عبدالباقي مختار ( بقه) لتمرير قرارك بالذهاب. لماذا بقه يا عثمان؟ ربما لإداركه المتجاوز مقارنة بمعظمنا لسر ولغز ذلك المجهول- الموت. لكني ايضا أنتبه الأن، وكانما أنت ياعثمان تتآمر مع عبدالسلام حسن ضدي وترسلان إلىّ برسائل غيابكما عبر القليل من الأقربين إلىّ. فذاته عبدالباقي مختار كان من أيقظني باكراً، رحيماً واقعياً وحكيماً في إبلاغي كما في حالتك، معلناً نبأ/ عبث مغادرة عبدالسلام حسن في ذلك العام الشؤم!

منفاك الثاني، كمبالا، والتي عشقتها وعشقتك، شهدت تجسيرك للشخصي مع السياسي. فيا عثمان ومنذ أن مثلت لك ” كنبة المثقفاتية” تلك في داري بإنتندا مقاماً ثانياً، فهي اليوم كذلك تحتفي بعبث حضورك/ غيابك في حفل تأبينك هذا بمدينتك هذه! فمحبتك المجيدة للمدينة، ضمن محبتك للحياة، جلبت أصدقاء لك، شركاء في فضائنا العام. فنهارات وامسيات كمبالا جمعتك بعد غياب مع علي ترايو، الشكري أحمد علي، ابوعبيدة الخليفة، أمين حسب الرسول، هالة الكارب، الحاج وراق، سليمان بلدو، ماجد معالي، وغيرهم(ن) حضروا من أزمان وأماكن شتىّ يركنون للأمان في بحثهم(ن) لخلاص الوطن. محبتك للحياة يا عثمان وإحتفاءتك بمن يزينون جمالها في تلك المدينة المنفى، في كمبالا، جاءت أكثر وضوحاً في تعبير صديقك ياسر عرمان عند سماعه لنباْ فقدانك وذهابك، فجاء حديثه معي وكتابته عن عظمة مساهماتك العامة، وعن حضورك الباذخ قبل أيام قلائل من رحيلك، عندما كنت يا عثمان نوارة وصاحب مبادرة جمع ياسر بأصدقائكم، العزيز محمد خالد وأخرين، لم تلتقوا من زمن بعيد، فتسامرتم وإجترحتم بعض علاج لأزمات وطننا العاتية.

ذروة العبث يا عثمان الذي وضعتني فيه في حالة عدم إستقراري أو إستيعابي لغيابك/ حضورك المختلف جاءت مع أمير سليمان، ثالثنا في كهف الإعتقال ذاك. لقد هزمني أمير فاضحاً عجزي بعدم إستيعابي، أو قراري الواعي برفض رحيلك. هزمني امير سليمان عندما أقحمني مؤخراً في التحضيرات وتفاصيل تنظيم هذا التأبين! من ندعو؟ أين يقام؟أين نجد صورك؟ الخ؟ ذروة هزيمتي وهزيمة أمير كلذك، وبلوغنا إلى لحظة حزننا القصوى في ذلك اليوم التحضيري جاءات- دون إنفجار عاطفة حتى الأن- عندما قال لي أمير صادماً ومطبعاً لإحساسي، قال: طبعاً انا لغاية هسع ما مصدق القصة دي- رحيلك يا عثمان- وما متعامل معاها بجدية، لانو ببساطة متوقع عثمان دا هسع دي يجي داخل هنا في المكتب ويضحك فينا!

كلام أمير سليمان طبعاً أصابني بالضبط في موقع ما بين الخوف والأمل، ودي من الثنائيات المحببه ليك يا عثمان في إثارتك للجدل وفي تأكيد غموضك الذي يغبطتك. لكن، ونحنا الأن بنحتفي، وفي ذروة حزننا، بتأبين عثمان حميدة، أكاد أقول أني أرى عثمان حولنا، روحه على الأقل! كعادته طبعاً في القلق وعدم الإنضباط ما قادر يقعد في الكرسي لثانية واحدة … يضحك فينا… وفي نفسه كذلك … قائلاً: إنتو صدقتوا العبث دا… ! وفي ذات سياقنا الحالي، وما بين تاريخ النبأ الشؤم… وتأبيننا العبثي الأن … أراه كذلك مطلاً بخطوه الذكي، يطل عبدالسلام حسن عبد السلام وسخريته الدائمة- والدائم الله- تعلوه، قائلاً: يا عثمان يا خي جننتا بالقتاته والدسدسه بتاعتك… يعني نحن نخش في راسك ده عشان نفهم إنك قاصد شنو؟ هسع نحن هنا لشنو”.

ومنذ ذلك الحين، وإلى لقاءانا وحديثنا في عبثية اليوم، لا يزال علي العجب في سخريته العميقة وغير الأبهه، يهزاء ويضحك على عبدالسلام حسن وعلى  عثمان حميدة وعلى شخصي… وعلى كل شي … يسخر على عجب من منافينا، وعلى ماجمع أربعتنا من قضايا وهموم، وعلى هزائمنا، بل يسخر عجب من كل من ورد إسمه/ إسمها في هذا التأبين العبث … وغيرهم(ن) ممن أحبهم(ن) واحبوا عثمان حميدة!

أما أنتي يا عزة … يا عزة مالك، فستجدين ليّ العذر ، وستبلغين إعتزاري، يوماً ما، لنايل ولريان، عن قولي هذا وانتي في ذروة حزنك وأحزاننا حول غياب/ حضور عثمان. ففور بلوغي نباء رحيل عثمان كانت صورتك أول ما جاء وجال بخاطري، بل مثلت صورتك أول مخاوفي من هزيمة عدم إستيعابي الواعي والمتعمد لغيابه! لا أدري لماذا، ولكنه قد يفسر عدم مقدرتي في مقابلك حتى الأن؟ لكنها الحقيقية! بحضورك اليوم يا عزة إلى بعض من أحبهم عثمان تأكيد لذلك النبأ الشؤم… ولهذا التأبين العبث. حضورك يا عازة تاكيداً: بأن عثمان حميدة قد مضىّ… نبأ موته حقيقه… وتابينه الأن حقيقة، وهو ما ظللت أخشاه واقتله بأمل ما!

الأن، وبعد تأكدي بأن عثمان حميدة حاضراً بيننا في إحتفائنا به، وعبر هذه المشاركة، أرجو إزالة بعض اللبس وأقدم العذر لمن بدت لهم(ن) محاولة هذه المساهمة مستهينة و/ أو مستصغرة لمساهمات عثمان حميدة وحضوره الكبير والمشهود في فضاءات العمل العام، هذا إضافة إلى تقديم العذر الممدود في يوم عثمان الخالد إلى كل من يلوم قصور وإنتقائية إختياراتي للأشخاص، ممن رصدت عبرهم(ن) حيثيات حضور/ غياب عثمان بيننا.

ما تبقى من هذه المساحة ساتركه لتسليط الضوء على بعض ركائز عثمان المشهودة، بإجلاء بريق ما أضفاه عثمان على عدد من قضايا العمل العام.

*      ما ورد من أسماء وشخوص أعلاه في علاقاتها وتفاعلاتها مع حيثيات حضور وغياب عثمان حميدة ليست سوى مدار أو موجة ضمن نسيج وشبكات عثمان الإستثنائية من المؤسسات والأفراد، فقد ظل عثمان نواة لعشرات المدارات ومحيط لموجات غير محدودة من زملائه/ زميلاته وأصدقائه/ صديقاته، يمتدون من من قوشابي الى مدني الى الخرطوم إلى لندن الى بانجول الى نيويورك الى جنيف الى الفاشر الى نيروبي، والى حيثما حطت قدميه.

*    عثمان حميدة يمثل جيل قيادي لحركة المجتمع المدني وحقوق الإنسان السودانية الحديثة. تعود له الريادة في نشأت وتطور عدد من منظمات حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب، أخرها المركز الإفريقي لدراسات السلام والعدالة، وقبلها المجموعة السودانية لضحايا التعذيب، والمنظمة السودانية لمناهضة التعذيب، ومركزي الخرطوم لحقوق الإنسان تنمية البيئة ومركز الأمل لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، هذا إضافة إلى العديد من المبادرات والتحالفات المدنية وطنياً وإقليمياً ودولياً.

*     الإسهام والأدوار التاريخية لعثمان حميدة في بناء وتطوير المجتمع المدني وحركة حقوق الإنسان السودانية الحديثة ما كان له ليتم، في تقديري، لولا إستناده على تنشئته وتطوره الفكري والسياسي في كنف الحزب الشيوعي في البداية، وضمن حركة اليسار العريض بعدها. تلك البنية الفكرية والسياسية مكنت عثمان من إدارة تناقضات البنية الإمبريالية- الرسمالية المتحكمة نسبياً في النمط الحديث للمجتمع المدني/ حقوق الإنسان بنقله لفضاءاتها في السودان لأفاق أعلى، أهمها العلاقة ما بين السياسة والنضال ومجالات عمل حقوق الإنسان.

*    في تقديري الشخصي، ومن خلال حواراتنا وإشتباكاتنا الأخيرة، بدأ لي بعض فتور لحماس ولنضالات عثمان، والتى مبعثها وملهما عملية التغيير الشامل نحو التقدم، وإرتضائه لتيارات ” الإصلاح” والتسويات بدلاً عن التغيير الجذري- والتي أصبحت موضة مؤخراً وسط أعداد من المثقفين والمدافعين عن التغيير الجذري الشامل.  قد تحتاج الى حوارات وتفاسير حالات الفتور أو الميول الإصلاحية\ التسويات تلك. إلا ما أطلقت عليه بفتور محتمل عند عثمان لا ينتقص بأي قدر من نصاعة جوهره أو من إسهاماته العامه حتى لحظات ما قبل رحيله، بمبدئية راسخة في الدفاع عن حقوق الإنسان والسلام والديمقراطية والعدالة.

*     لقد ظل عثمان حميدة حاضراً في ذهني ووجداني طيلة طوافي في المناطق المحررة بالنيل الأزرق بعد سماعي لنباء الرحيل. رايته هنالك كل يوم وسط قاطنيّ معسكرات جندراسا ويوسف باتل ودورو من اللاجئين. لقد رأيت ضحايا المؤتمر الوطني وحروبه في النيل الأزرق في تلاحم مآسيهم مع ضحايا دارفور يندهون إلى عثمان. حضوره في ذهني انذاك يعود إلى أن عثمان حميدة ظل يمثل رمزاً في إختراقه وهزيمته لهيمنة تيارات الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية في الشمال النيلي والوسط، وذلك بفتحه لأكبر ملفات إنتهاكات وطننا، العنصرية والتطهير العرقي وغيرها من حقوق جماعية. أدوار عثمان ظلت كبيرة في بروز أسماء مثل صالح محمود، مساعد محمد علي، وجين ألاو، وفي العدالة الدولية وفي توفير العون القانوني وفي التأهيل النفسي من صدمات عنصرية المركز السياسي وعنف الحروب، وغيرها من مجالات ما كان لنا بسبر اغوارها لولا عثمان. الأن، مواطنو وال ضحايا في النيل الأزرق، وجبال النوبة، والشرق، وغيرها من شعوب هوامش السودان في إنتظار وترقب لمواصلة مبادرات وإختراقات عثمان حميدة النوعية تلك.

بقدرما مثل حضوره السهل، المنسرب، العميق المعقد، جاء غيابه مفأجئاً في سهولته في إنسرابه، وعميقاً ومعقداً في الفراغ الذى يتركه… الفراغ الذي نسعى عبر هذه الإحتفالية الإحتفائية في ملئه باحزاننا، لذا، لتحويل حزننا وذكرى عثمان إلى خبرة عملية، ولكي يظل إسماً وتجربةً ورؤية خالدة، أقترح تغير إسم المركز الأفريقي لدراسات السلام والعدالة، ليصبح: مركز عثمان حميدة لدراسات السلام والعدالة، ولنا من التجارب السودانية والعالمية إسوة.

ختاماً، وكما بدأت بمنعم رحمة، في جراءته ورثائه وبكائه بدخول طقس موت عثمان حميدة، أختم بمقدرة وجراءة أكبر في الإعتراف ودخول ذلك الطقس… أختم في إستنطاقي ومشاركتي الضئيلة هنا، في هذا التأبين … بصديق عثمان وصديقنا، طلال عفيفي.  قال طلال عفيفي في 18 أبريل:

” الآن، مات عثمان حميدة، بعد أن توقف قلبه اللطيف … الطيب ذاك عن الخفقان!

نوبة قلبية حادة حادة أصابته وهو في نيروبي. إنفجر شريان قلبه الكبير!

في جنوب إفريقيا، حاول الأطباء ترميم القلب النازف … قلب عثمان … لكنه غافلهم وغافل الحياة كلها ومات”.

 

منعم الجاك

كمبالا، 28 يونيو 2014م

الموت ... العبث: نحتفي، في ذروة حزننا، بتأبين عثمان حميدة!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/07/10487415_10152470560080073_905690232263895760_n-300x186.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/07/10487415_10152470560080073_905690232263895760_n-95x95.jpgالطريقمن منعم رحمة إلى عثمان حميدة، 4 مايو:' كيف لا ينفجر شريانك ياااعثمان...والخرطوم تصرف على العرق الفاسد و المبنج، لتبنج أحزانها، ولا تقتلها الحسرة التى قتلت المبدعين…بل وقتلتك أنت ياااعثمان...ما الذى دفعك دون أية مقدمات لتدخلنا في طقس الموت،،،تحياتى لمن معك'! أنت محظوظ يا منعم رحمة في واقعيتك، في رثائك،...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية