مارس 1935
ديسمبر 2013

سألتك خبارك ؟
مسُوكر لسانك
وصمتك يشفق !
خبارك !
بتغرب شموسك
زمان الشموس البتشرق

(1)

في  الغرفة 223 بالطابق السابع بمستشفي فضيل أسلمت الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد صباح اليوم التاسع والعشرون من ديسمبر الروح لبارئها بعد حياة حافلة سارتها خطوة إثر خطوة ناشدة سعادة شعبها وجاعلةً من نفسها شمعةً حقيقية تذوب لتضيئ طريق الكادحين .

كان يوماً مشهوداً من أيام السودانيين بمختلف سحناتهم وأعراقهم وأديانهم تقاطرت الجموعة البشرية هاتفين بحياة عاشتها سعاد بصدق ومحبة . ولا أبالغ إذ قلت أننني رأيت اليوم ألف سعاد في وجوه الناس من مجايليها ورفاق دربها ورفيقاتها وأبنائها وبناتها الذين إفتقدوا صباح اليوم أجمل إبتسامة عرفوها طوال تاريخهم المجيد .

اليوم إفتقدت البلاد السودانية واحدةً من أنجب اللائي ظللن يعملن بصمت واهبةً حياتها الشخصية لقضية البلاد والعباد فتماهت وأجادت هذا الدور حتي يخيل لك أنت الجالس أمامها أنك بحضرة السودان بقضه وقضيضه بأخدر أحلام الناس ويابس تفاصيلهم .

(2)

والساعة تشير للتاسعة والنصف هاتفي يرن ويرن ويرن ثم يعود ليرن من جديد البركة فيكم ياخدر ؟ سعاد موش يا نصر ؟ يا الله يا الله يا الله ياخ .
علي عجل مضيت لا ألوي الا علي الدمع ، تنهمر مني الدموع وأنا أقف كلوح خشبي في الرصيف . ذكريات كثيرة طافتني وأنا علي ذات الرصيف . ضحكاتها وفرحها الطفولي حالما تجدني أداعبها رامياً في وجهها سؤالي المألوف …. كيفك يا أستاذة أرميها هكذا قبل السلام وأنا أقف بطولي عند باب مكتبها لتجيبني بذات الإجابة المكررة الدسمة المليئة بالتحدي والصبر والنضال الدؤوب … أقاتل … أي والله هكذا تقول أقاتل ويالها من مقاتلة ويا لها من معارك يا سعاد .

(3)

جموع المشيعين خلف نعش الاستاذة سعاد ابراهيم احمد - خاص الطريق
جموع المشيعين خلف نعش الاستاذة سعاد ابراهيم احمد – خاص الطريق

كانت حلماً من أحلامنا الرصينة وشعلةً أصرت لوحدها أن توقد جمراتها جمرةً إثر جمرة كانت أجمل زهرةٍ في حديقة مآساتنا السودانية ، وردة تفتحت علي حطام إنسانيتنا التي مزقتها الحروب والطبول . غير أن سعاد وعلي الدوام ظلت تقاتل . هكذا هم أصحاب الرسالات يعضون علي رسالاتهم بالنواجز يواصلون في الطرق التي إختاروها إلي أخر ثانية في حياتهم .
مشاهد كثيرة عبرتني وأخري جاءت وأخري أبت الا ان تبقي … فجلست أحدق في الوجوه … أي صمود مر من هنا ؟ أي وطنٍ فقدنا ؟ أي أنسانة نودع اليوم ؟

(4)

كان الدرب واسعاً بإتساع فكرتها وجموع المشيعيين يشقون طريقهم حاملين فقيدة البلاد والعباد يلفها علم وطنها التي أحبته كثيراً إلي حيث المركز العام للحزب الشيوعي السوداني . بذات الخطي وبذات الهتافات وبذات الجرح كانت ذات الوجوه قد شيعت قبل عام ونيف الأستاذ محمد ابراهيم نقد . عاش كفاح الطبقة العاملة ـ عاش نضال الحزب الشيوعي السودان ـ ماشين في السكة نمد من سيرتك للجايين ـ خالدة خالدة يا سعاد ـ وعديد شعارات تنبت من رحم الأحزان . كانت جموع بشرية هادرة لو رأتها سعاد لقالت لهم مرة أخري … أقاتل … لكنها لم تقل إذ كان علم السودان الذي لف جسدها النحيل يقاتل إنابة عنها في مشهد يدمي له القلب .

(4)

عبرنا الشوارع …. بشر لا يحصي ولا يعد … شعب جميل يتكئ علي أوجاعه ويتحامل علي ظروفه ويصر علي تشييع محبيهم الي حيث يوارون الثري بأيادي راعشات يهيلون التراب علي فقدائهم بينما هم في حقيقة الأمر يبنون مجد هؤلاء العظماء يبنونهم بمداميك الصبر والذكريات يبنونهم بقدح المحبة ومشاوير الإنس اللطيف التي قضوها بمعية هؤلاء الناس .
إمتلأت مقابر فاروق بجموع المشيعيين ها هنا وعلي مقربة من زوجها حامد الأنصاري سيكون منزل أ/سعاد التي سكنتها بتوقيت الثانية والنصف حسب توقيت الخرطوم . ثم تفرق الناس جماعات ووحدانا كل يبكي سعاده .

(5)

ستبقي سعاد في إنتصارات شعبنا ـ في عيون محبيها وقلوبهم ـ ستبقي في مشاوير الحياة اليوماتي ـ في لقمة العيش ستبقي . ستبقي في مآسينا وآمالنا تطلعاتنا وأحلامنا إنتصاراتنا وهزائمنا أفراحنا وأتراحنا ستبقي قصيداً في الحناجر وهتافاً في الصدور .
العزاء أصدقه لأحمد ولآل إبراهيم أحمد ولعموم آل الأنصاري ولناهد ونعمات العزاء أصدقه لرفاقها ورفيقات دربها في الحزب الشيوعي السوداني وهم يفتقدون برحيلها الموجع أجمل شامة كانت علي جيد حزبنا العظيم .
العزاء أصدقه وأحره للنوبيين علي إمتداد وطننا العظيم وهم يفتقدون ملاذهم الآمن عند الكرب وشمسهم التي لطالما إحتفوا بدفئها العزاء أحره لرفاقنا بالتجمع النوبي وبالجان مناهضة السدود ولمركز الدراسات النوبية التي تيتمت قبل أن تشهد ميلادها الجديد . العزاء أصدقه لرفاقنا بإذاعة كدنتكار في فقدهم الجلل .
العزاء أحره لمعتزعبدالصمد الكندو وهو يبكي وحيداً في الأمارات العربية المتحدة .

رحلت سعاد أيها الناس نعم رحلت سعاد

خضر حسين

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/suad-36961729_n-300x225.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/suad-36961729_n-95x95.jpgالطريقمارس 1935 ديسمبر 2013 سألتك خبارك ؟ مسُوكر لسانك وصمتك يشفق ! خبارك ! بتغرب شموسك زمان الشموس البتشرق (1) في  الغرفة 223 بالطابق السابع بمستشفي فضيل أسلمت الأستاذة سعاد إبراهيم أحمد صباح اليوم التاسع والعشرون من ديسمبر الروح لبارئها بعد حياة حافلة سارتها خطوة إثر خطوة ناشدة سعادة شعبها وجاعلةً من نفسها شمعةً حقيقية تذوب لتضيئ طريق...صحيفة اخبارية سودانية