ظللنا في هذا الباب ننبه بانتظام إلى الاضرار البالغة التي لحقت بالاقتصاد السوداني بسبب السياسات والممارسات الحكومية الخاطئة التي أهدرت كل الضوابط واللوائح والنظم التي تحكم التصرف في المال العام وفي الشأن العام، وإلى النتائج الكارثية لسياسة(التمكين) التي أجهزت على أهل الكفاءة والخبرة والتجربة، كما قضت على مبدأ المحاسبة والمساءلة وأحالت الوطن إلى ملكية خاصة لأهل الولاء الحزبي يتصرفون فيه كما يشاءون دون أن يسألهم أحد أو تحاسبهم جهة، وذنبهم دائما مغفور وغاية ما يلحق بهم من عقاب عندما تتكشف السواءات أن ينقلوا من موقع الى موقع آخر أكثر جاذبية ليستمروا في ممارسة هوايتهم المفضلة في إهدار المال العام… قلنا ذلك وكررناه مراراً دون أن يستمع أحد ودون أن ينتصح أحد.

الآن وبعد ان وصلت الازمة ذروتها بدأ الحديث من داخل الحزب الحاكم، وبدأ الكثيرون من منسوبيه يتحدثون عن هذه الممارسات الخاطئة التي ظلت قائمة على مدى ربع قرن من الزمان إذ اكتشفوا فجأة تلك الاخطاء بعد خراب مالطا، وهم الآن يرددون ما ظللنا نقوله عبر السنين دون ان يتجاوب اي منهم مع الحديث حينما كان التجاوب مطلوبا ومفيدا، وهو الآن يأتي في الوقت الضائع وبعد أن استحكمت الازمة وبعد أن تفجرت المشاكل معلنة عن نفسها.

قلنا من قبل إن النافذين في النظام هم المسؤولون عن تبديد المال العام في صرف بذخي لا يتقيد بالميزانية المجازة، وهم المسؤولون عن تحصيل ايرادات قانونية وغير قانونية وتجنيبها لحساب خاص خارج سلطة وزارة المالية يتصرفون فيه كما يشاءون، وقلنا إن وزارة المالية لم تعد لها ولاية على المال العام لأن بعض مراكز القوى في النظام لا تتقيد بأي قانون ولا أي نظم اجرائية؛ فهي فوق القانون وفوق الدستور وتستطيع ان تفعل ما تشاء.

وبالاول من أمس إقر بعض قادة النظام بكل هذا الخلل، وشكوا من هذه الممارسات التي أهدرت المال العام وأسهمت بذلك في تخريب الاقتصاد؛ فقد تحدث المدير السابق لجهاز الأمن عن تبديد أجهزة القوات النظامية لمليارين ونصف المليار دولار في تشييد مباني غير واردة في الميزانية المجازة ودون اتباع أولويات الصرف الحكومي وعدَّها من الجرائم المدمرة للاقتصاد التي لا يطالها القانون، وأشار الى أن ثلاثة أرباع دخل الدولة يصرف خارج الموازنة، وأن هناك مسؤولين يتخذون قرارات خاطئة تضيِّع على الشعب السوداني ملايين الدولارات، ونقلت عنه الصحف أنه شدد على خلق منظمات مجتمع مدني تعنى بالشفافية ومكافحة الفساد وتوفير المعلومات. ولا شك أن السيد قوش يدرك أن أول من يقاوم إنشاء مثل منظمات المجتمع المدني هذه هو جهاز الأمن نفسه، لأنه ينظر إلى نشاطها كفعل معارض ينبغي محاصرته.

ومن جانبه أقر رئيس البرلمان بوجود انحراف كبير ومعيب للأداء العام للدولة، ورغم أن هذا الاعتراف قد جاء متأخراً فإن المطلوب من رئيس البرلمان أن يقرن القول بالفعل، وأن يفعَّل الدور الرقابي والدور التشريعي للبرلمان لإثبات وجوده بعد أن غاب عن الساحة طويلاً. ولكن السؤال هو هل سيسمح له الحزب بذلك والحزب هو المهيمن على نشاط النواب من أعضائه؟

وقالت الدكتور سعاد الفاتح إنهم يعرفون أولئك الذين ساهموا في تخريب الاقتصاد.. يعرفونهم بالاسم، وشددت على ألا تكون هناك وساطات ولا تسويات ولا كبير على القانون، وعلقت هذه الأمانة في عنق رئيس البرلمان، ورئيس البرلمان لا يتحرك منفرداً فهل هي تضمن أن يوافقها زملاؤها على ما تقول؟.

سننتظر لنرى نتائج هذه الصحوة رغم أنها جاءت متأخرة، فإن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.

محجوب محمد صالح

أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي مطلقاً!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادظللنا في هذا الباب ننبه بانتظام إلى الاضرار البالغة التي لحقت بالاقتصاد السوداني بسبب السياسات والممارسات الحكومية الخاطئة التي أهدرت كل الضوابط واللوائح والنظم التي تحكم التصرف في المال العام وفي الشأن العام، وإلى النتائج الكارثية لسياسة(التمكين) التي أجهزت على أهل الكفاءة والخبرة والتجربة، كما قضت على مبدأ المحاسبة...صحيفة اخبارية سودانية