التطورات التي صاحبت ما نشرته صحيفة (الصيحة) عن امتلاك وكيل وزارة العدل الحالي ومدير الأراضي السابق عدداً من قطع الأراضي، وأن هناك شبهة استغلال نفوذ فيها تعكس بوضوح المستوى الذي يمكن أن يقود إليه تضارب المصالح من سوء في إدارة العملية العدلية والصعوبات التي ستواجه حملة اجتثاث الفساد.

وكيل وزارة العدل ينبغي ان يرسم خطاً فاصلاً بين الشبهة التي أثارها الخبر الموجَّه إليه شخصياً وبين وضعه الوظيفي كوكيل لوزارة العدل. كمواطن فإن له الحق في أن يتملك ما يمتلك بالطريقة المشروعة، وأن يدافع عن نفسه كمواطن عادي، وأن يفند الاتهامات التي توجه إليه، وأن يثبت أنه امتلك ما امتلك بطريقة مشروعة ويبرئ ساحته، ولكننا في هذه الحالة واجهنا تداخلاً مريعاً بين الوكيل بسلطته الرسمية والمواطن العادي الذي يدافع عن نفسه، لأن الامر عندما تعلق بمحاسبة الصحيفة حول ما نشرت سقطت كل الضوابط المتفق عليها في التعامل مع قضايا النشر.

لقد تم اتفاق سابق بين وزارة العدل والصحفيين على أسلوب عادل ومقبول للتعامل جنائياً مع قضايا النشر وذلك بأن تنشأ نيابة للصحافة وأن تستقبل تلك النيابة الشكاوي ضد الصحف، وأن يستدعى رئيس التحرير وكاتب المقال للنيابة للتحقيق معهما مع وجود ممثل لاتحاد الصحفيين ثم يطلق سراح رئيس التحرير بالضمان الشخصي بعد بدء الإجراءات، وظل ذلك الاتفاق قائماً ومطبقاً بطريقة روتينية وبموجبه يمثل عشرات الصحفيين أمام النيابة، ومن ثم أمام المحاكم، ولكن ذلك الاسلوب انهار تماماً في هذه الحالة حينما تم اعتقال رئيس تحرير (الصيحة) الدكتور ياسر محجوب مباشرة بعد نهاية المؤتمر الصحفي الذي عقده الوكيل لتبرئة ساحته، وأمضى رئيس التحرير ست ساعات بين وزارة العدل وقسم الشرطة الشمالي قبل أن يبدأ معه التحقيق وأُطلق سراحه بعد ذلك بالضمان.

التعسف في الإجراءات عندما يحدث في قضية طرفها الآخر وكيل وزارة العدل فإن الأمر يثير كثيراً من التساؤلات حول حياد الأجهزة العدلية وانعكاس ذلك على حملة اجتثاث الفساد التي بدأت ولن تتراجع لكننا نحتاج لوضع عدلي أكثر حيدة.

الإعلام لم يحمل إدانة لوكيل الوزارة وإنما أثار شكوكاً مبررة، ومن حق الوكيل كمواطن أن يدفع الاتهام عن نفسه، وأن يبرئ ساحته كمواطن يمارس حقوقه المشروعة وليس كوكيل للوزارة المسؤولة عن العدالة والإنصاف. هذه حالة تتضارب فيها المصالح تماماً وسيصعب الفصل بين الموقفين وهو أمر سينعكس سلباً على وزارة العدل ذاتها عندما تكون الخصومة بين صحيفة ووكيل الوزارة المسؤولة عن إدارة العدالة. لقد ساد الدوائر الصحفية أمس إثر وقوع الممارسة غير المسبوقة تجاه رئيس تحرير الصحيفة، ساد إحساس بأن وضع وكيل النيابة على رأس وزارة العدل هو ما أدى لذلك التعسف مع رئيس التحرير وسيتطلب الأمر أن ترفع وزارة العدل يدها عن هذه القضية وتتركها للشرطة والمحاكم حتى تنأى بنفسها عن هذه القضية، وحتى يسير فيها الشاكي كمواطن عادي وليس كمسؤول في قمة الجهاز العدلي. وقد بدا هذا الخلط حين عقد الوكيل مؤتمره الصحفي للدفاع عن نفسه داخل مباني الوزارة التي هو رئيس كل العاملين فيها، وحين خاطب الصحيفة لإلغاء نشر حوار معه جرى بمكتبه كوكيل للوزارة. وزير العدل ينبغي أن يدرك تضارب المصالح، وأن يتخذ من الإجراءات العاجلة ما يصحح هذه الأوضاع ضماناً لحيدة وزارته، ولابد أن يتطرق الدستور القادم لوضع النيابة العامة وضمان استقلالها عن الجهاز التنفيذي لكن ذلك موضوع آخر لابد أن نتطرق له لاحقاً.

محجوب محمد صالح 

تضارب المصالح في قضية وكيل وزارة العدلhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادالتطورات التي صاحبت ما نشرته صحيفة (الصيحة) عن امتلاك وكيل وزارة العدل الحالي ومدير الأراضي السابق عدداً من قطع الأراضي، وأن هناك شبهة استغلال نفوذ فيها تعكس بوضوح المستوى الذي يمكن أن يقود إليه تضارب المصالح من سوء في إدارة العملية العدلية والصعوبات التي ستواجه حملة اجتثاث الفساد. وكيل وزارة...صحيفة اخبارية سودانية