أشرت في حديث الأمس في هذه المساحة الى ضرورة توخي الصرامة في مواجهة الفساد المستشري في البلاد، وقد لاحظت كما لاحظ غيري أن موضوع الفساد وضرورة محاربته وكشف كل أبعاده ومحاسبة كل الضالعين قد استحوذ على الاولوية في تفكير الناس، وشارك الكثيرون في التعبير والمطالبة بحملة كاسحة لاجتثاثه من جذوره، فأفرد له الائمة خطبة الجمعة الماضية في العديد من المساجد، وتناوله الناس بالتعليق والمتابعة في لقاءاتهم، وأفرد له كتاب عديدون أعمدتهم، وتناولته المواقع الإعلامية المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي كاشفة عمقه وأبعاده وضرورة التصدي الحازم له.

ومن المهم في هذه المرحلة أن الفساد ليس هو مجرد اختلاس أموال الدولة بصورة او بأخرى، فهو أبعد كثيراً من ذلك، وأعمق وأكثر تنوعاً، وهو أشبه بالجريمة المنظمة التي تطال العديد من جوانب الحياة، وهو يستقوى ويشتد عودته عندما تغيب الرقابة والمتابعة المجتمعية، ولذلك فإن الانظمة الاستبدادية تخلق الأجواء الأفضل لنموه واتساع رقعته، ويجب ألا نخطئ فنحصره في تقارير المراجع العام السنوية أو في حوادث الاختلاسات المكتشفة، ولابد أن نتابعه في كافة الانشطة وعلى كافة المستويات.

المحسوبية مدخل كبير للفساد لأنها تعني عطاء من لا يملك لمن لا يستحق… الشاب الذي يتخرج في الجامعة ويبقى عاطلاً لسنوات بينما يحظى بالوظيفة من هو أقل منه درجة وأقل كفاءة ولكنه(مسنود) بسبب ولاء حزبي أو علاقة عائلية أو مصلحة شخصية هو ضحية لنوع من الفساد الذي قُنِّن في عهد الإنقاذ تحت مصطلح(التمكين)، والشخص الذي يفقد وظيفته وعمله لأنه ليس من أهل (الولاء) ولذلك يصرفونه عن العمل باسم(الصالح العام) هو ضحية فساد مؤسسي ورسمي يمارس علناً ولا يحاسب الذين يرتكبون تلك الجريرة، ولابد أن يأتي يوم حسابهم إذا ما تصاعدت هذه الحملة، والذي(يجنب) المال العام فهو مفسد حتى لو صرف تلك الاموال في أعمال رسمية مشروعة لأنه حصل على أموال عامة ولم يدخلها خزانة الدولة وصرفها خارج إطار الميزانية الرسمية المعتمدة… هذا فساد رسمي لا يجد من يحد منه بل قد يجد من يشيد به من كبار المسئولين… هذه جريمة ينبغي أن يحاكم عليها القانون لأن المال العام ليس مالاً سائباً يستطيع أي مسؤول أن يتصرف فيه كما يشاء. لقد آن الأوان لمساءلة المسؤولين الذين شيدوا المباني الحكومية الفاخرة دون أن تكون تلك المشروعات معتمدة ومجازة في ميزانية الدولة، ودون أن تتوفر لها الأموال من خزينة الدولة، لكنها مال عام يتحصله المسؤول ويحتفظ به بغير وجه حق بعيداً عن الخزينة العامة. تلك جريمة لابد من أن يحاسب المسؤول عليها، وهي مدخل لفساد عظيم وستنفتح ملفاته إن عاجلاً او آجلاً.

مشتريات الحكومة لها قواعد وأسس ولوائح تضمن نزاهتها وتكافؤ الفرص أمام مقدمي الخدمات، والشفافية في طرح العطاءات وكل تصرف يؤدي إلى تعاقد مؤسسة عامة على شراء معدات أو خدمات بمعزل عن الاجراءات المقررة لهو فساد في أعلى الدرجات تجب المحاسبة عليه والحد من ممارسته إلا إذا كان حكم القانون غائباً تماماً… كل الملفات ينبغي أن تفتح، وكل من تصل إلى علمه بعض هذه الممارسات ينبغي عليه أن يوثقها فلابد من ان تنفتح ملفاتها ذات يوم.

إهدار الممتلكات العامة فساد بيِّن وواضح، وهو انتهاك لحرمة المال العام وتبديد لأصول يمتلكها الشعب بأسره، وما حدث في مشروع الجزيرة  مثلاً جريمة مكتملة الأركان وثقت لها لجان رسمية ولم يحاسب احد على جريمته. لانريد أن نستبق حكم المحكمة في قضية الأقطان ولكن ما تكشف منها حتى الآن يستحق ان يدرس بعناية لأن أحداثاً شبيهة به وقعت في مواقع عديدة ولم ولم تسلط عليها الاضواء بالدرجة الكافية.

ملف الفساد الذي انفتح يجب أن يظل مفتوحاً ومتابعاً متابعة لصيقة من كافة المعنيين بالشأن العام، ويجب أن تتسع رقعة المتابعة لملاحقة كل تلك القضايا فكلها نماذج من مشروع متكامل للفساد نخر في عظام الدولة السودانية ومازال يهدد أهم مقومات بقائها!.

محجوب محمد صالح 

والفساد أعظم اتساعاً مما تظنون!https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالفسادأشرت في حديث الأمس في هذه المساحة الى ضرورة توخي الصرامة في مواجهة الفساد المستشري في البلاد، وقد لاحظت كما لاحظ غيري أن موضوع الفساد وضرورة محاربته وكشف كل أبعاده ومحاسبة كل الضالعين قد استحوذ على الاولوية في تفكير الناس، وشارك الكثيرون في التعبير والمطالبة بحملة كاسحة لاجتثاثه من...صحيفة اخبارية سودانية