أزمة التعليم في السودان بكل ابعادها وتداعياتها افرزت نظام التعليم الخاص في كافة المستويات من الروضة حتى الجامعة اولا لضيق فرص التعليم الحكومي وثانيا لتدني مستوياته وسوء بيئته فاصبح التعليم الخاص مكونا اساسيا للتعليم الحكومي وتحمل الناس ومصروفاته المرتفعة بحثا عن فرص تعليم افضل لاطفالهم.

وبعد ان اصبح التعليم بهذا المعنى تجارة رابحة لم يكن غريبا ان يقدم عليه البعض دون استعداد كامل وما دام الناس في حاجة للتعليم وعلى استعداد لان يدفعوا بسخاء مقابله فالفرصة تصبح متاحة لكل من يريد ان يلج هذا المجال ويخدع الناس ويقدم لهم تعليما معطوبا وفي بيئة غير مناسبة وليس في ذلك غرابة لانه التعليم الحكومي يعاني من تدهور البيئة ونقص الاساتذة المدربين وازدحام الفصول وسوء اعدادها وقلة مرافقها- فلماذا يكون التعليم الخاص احسن حالا.

ولذلك لم نفاجأ عندما اعلنت ولاية الجزيرة ان لجنة تفتيشية كونتها وزارة التربية هناك لمراجعة الاوضاع في كل المدارس الخاصة والتأكد من سلامة البيئة التعليمية في تلك المدارس والوقوف على مدى التزامها بالموجهات القانونية واللائحة ووجود المدرسين الاكفاء فيها وجدت ان ربع عدد مدارس مرحلة الاساس في الولاية وما يقارب ثلث المدارس الثانوية الخاصة لا يرقى للمستوى المطلوب بيئة او اداء وعلى ضوء ذلك التقرير اتخذت قرارا عاجلا بتعليق الدراسة فورا في واحد وستين مدرسة وانذرت واحد وسبعين مدرسة اخرى لتوفيق اوضاعها وازالة اوجه الخلل في عملها وطال العقاب حتى بعض رياض الاطفال- كما اوقفت عن العمل ثلاثين معلم خالفوا النظم واللوائح حيث تولوا عملا مزدوجا فكانوا معلمين في مدارس حكومية ويعملون مدرسين في مدارس خاصة في نفس الوقت.

وقد احسنت وزارة التربية عملا حين طافت في جولة تفتيشية على تلك المدارس الخاصة لتقف على طبيعة الاوضاع فيها ولكن الانصاف كان يقتضي منها ان تقوم بجولة مماثلة على المدرس الحكومية حيث ترصد تردي البيئة المدرسية في مدارس الحكومة ومدى استعدادها للعملية التعليمية بكاملها ومدى توفر المعلمين المدربين بها ومستوى الاداء فيها ولو فعلت ذلك لاكتشفت ان الكثير من مؤسسات التعليم الحكومية ليست احسن حالا من هذه المدارس الخاصة التي انزلت بها العقاب اما المعلمون الذين يعملون في المدارس الحكومية والمارس الخاصة في نفس الوقت فهذه مشكلة عامة وما من معلم يتقاضى مرتبا حكوميا يكفي لمواجهة اعباء حياته واغلب المعلمين يعملون في وظيفتين- الاولى التعليم بمرتب لدى مؤسسة تعليمية حكومية او خاصة والثانية تقديم لدروس الخصوصية للطلاب كافراد او مجموعات مقابل عائد مالي هو المرتب الثاني للمعلم الذي يضمن له ان يواجه متطلباته الحياتية مع ضعف الرواتب وارتفاع حدة الغلاء.

ازمة التعليم اكبر من مجرد المخالفات التي رصدتها اللجنة لدى مؤسسات التعليم الخاص وهي ازمة اشمل واعم وتطال القطاعين العام والخاص وتتجاوز ذلك الى محتوى التعليم ومناهجه وميزانيته المعتمدة وتوفير البيئة الصالحة له ولن ينصلح الحال ما لم تعالج كل تلك المشاكل دفعة واحدة والتعليم حتى الآن لا يحتل الاولوية التي يستحقها في اهتمامات الدولة ولا في ميزانيتها- والتوسع في التعليم الخاص يقف شاهدا على هذا الخلل ولكنه بات يتساوى في السوء مع التعليم الحكومي.

وعندما تغلق وزارة التربية في ولاية الجزيرة بعض المدارس فإن التلاميذ هم الذين يقع عليهم العقاب وليس في امكان الوزارة ان تفتح لهم مدارس جديدة وغاية ما ستفعله الوزارة تجاههم هو ان تلحقهم بمدارس قائمة وهي مدارس اصلا تضيق بطلابها الحاليين فكيف يكون حالها بعد ان يفد اليها الوافدون الجدد؟؟

محجوب محمد صالح

ليس باغلاق المدارس تعالج أزمة التعليم !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-196x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءالتعليمأزمة التعليم في السودان بكل ابعادها وتداعياتها افرزت نظام التعليم الخاص في كافة المستويات من الروضة حتى الجامعة اولا لضيق فرص التعليم الحكومي وثانيا لتدني مستوياته وسوء بيئته فاصبح التعليم الخاص مكونا اساسيا للتعليم الحكومي وتحمل الناس ومصروفاته المرتفعة بحثا عن فرص تعليم افضل لاطفالهم. وبعد ان اصبح التعليم بهذا...صحيفة اخبارية سودانية