يخطئ كثيرا من يظن ان ما يحدث في جنوب السودان اليوم من صراع دموي أمر لا يهم السودان بعد انفصال الجنوب وتأسيس دولته المستقلة فانفصال الجنوب سياسيا لا يلغي الجغرافيا ولا يلغي التاريخ فالجنوب هو دولة الجوار المباشر وحدودها معنا هي اطول الحدود وكل صراع داخل اراضي جنوب السودان وخاصة في الجزء الشمالي منه لا يترك مجالا للمدنيين هناك سوى اللجوء الى الشمال.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما يكون الشمال نفسه يعاني من حروب داخلية في مناطق مجاورة لمناطق النزاعات المسلحة في الجنوب لأن هذا سيؤدي بالضرورة الى ترابط بين النزاع هنا والنزاع هناك ويخلق اجواء مواتية (للحرب بالوكالة) وهذا هو ما نشهده الآن من اتهامات متبادلة بين البلدين فحكومة السودان تتهم حكومة الجنوب بدعم حركة العدل والمساواة الدارفورية وقطاع الشمال للحركة الشعبية وكلاهما يشن حربا في السودان وفي نفس الوقت تتهم حكومة الجنوب حكومة السودان بدعم حركة ريك مشار المناوئة لها ومساندتها، ولذلك فإن الصراعات المحتدمة في كلا البلدين سيغذي بعضها بعضا وسيقود في نهاية المطاف الى توتر العلاقة بين الدولتين المتجاورتين رغم ما يبديه كلاهما في هذه المرحلة من ضبط النفس.

ومعارك السودان الداخلية افرزت نازحين ولاجئين وبعضهم وجد مخرجه في اللجوء لدولة الجنوب وهناك الآن في جنوب السودان رغم معاركه الداخلية المحتدمة معسكرات تضم لاجئين من السودان وبالمقابل هناك لاجئون من جنوب السودان يعيشون الآن في دولة السودان وعددهم مرشح للزيادة بعد المعارك الأخيرة.

ومن الناحية الاقتصادية فإن كلا البلدين يتطلع الى علاقات اقتصادية اكثر استقرارا والى تبادل المنافع بين البلدين عبر التجارة والى مرور نفط الجنوب عبر انابيب الشمال لكن الحروب الدائرة داخل البلدين وفي مناطق قريبة من الحدود اجهضت اي مخططات اقتصادية وجمدت الاتفاقيات التسعة التي توصل اليها الطرفان بعد جهد جهيد وقد توقف تنفيذها تماما وقد انتقل الصراع مؤخرا الى مناطق انتاج النفط مما يهدد بتوقف او على الاقل اعاقة مرور نفط الجنوب عبر خط الانابيب الذي استثمر فيه السودان كثيرا وكان يعول على ان يكون مصدر دخل ثابت له رغم انفصال الجنوب ولفترة سنوات قادمة، وقد بات هذا المصدر مهدد تماما.

ودولة الجنوب اشد هشاشة من دولة الشمال ولا تستطيع ان تحتمل المزيد من الضغوط الناتجة عن الحرب الاهلية ولا تملك اي مقومات اقتصادية سوى عائدات نفطها واذا توقف ضخ النفط فهي مهددة بالانهيار والانهيار سيتبعه نزوح جماعي على الاقل من اعالي النيل الكبرى وبحر الغزال الكبرى نحو الشمال والشمال ليس في وضع اقتصادي يمكنه من تحمل تبعات مثل هذا النزح الجماعي وسيناريو الانهيار اصبح اكثر احتمالا بعد انتقال المعارك الى حقول النفط وما لم يتم تدارك الأمر بسرعة فقد يصيب تلك الحقول باضرار يحتاج علاجها لسنوات وسنوات.

من اي زاوية نظرنا الى أزمة جنوب السودان فإن مآلاتها ستؤثر علينا بقدر او آخر في وقت نعيش فيه نحن انفسنا مأساة الحرب الاهلية المتطاولة ونعاني من صراعات حادة مما يزيد من وقع تلك الكوارث ومن ثم فإن اوضاع الجنوب ينبغي ان تستأثر باهتمامنا لانها تنطوي على تهديدات خطيرة واحتمالات لا يمكن تجاهلها!!

محجوب محمد صالح

أزمة الجنوب.. تستحق اهتمامنا العاجلhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءعلاقات خارجيةيخطئ كثيرا من يظن ان ما يحدث في جنوب السودان اليوم من صراع دموي أمر لا يهم السودان بعد انفصال الجنوب وتأسيس دولته المستقلة فانفصال الجنوب سياسيا لا يلغي الجغرافيا ولا يلغي التاريخ فالجنوب هو دولة الجوار المباشر وحدودها معنا هي اطول الحدود وكل صراع داخل اراضي جنوب السودان...صحيفة اخبارية سودانية