أن كان ثمة حوار سيدور بين القوى السياسية المختلفة حول معالجة الازمة السودانية فإن ذلك الحوار ينبغي ان ينصب على تحقيق التحول الديمقراطي دون ان ينحرف نحو التركيز على فكرة(الحكومة القومية) لأن الحديث عن الحكومة القومية بمعزل عن مفهوم التحول الشامل سيحيل الحوار المرتقب الى مجرد (صفقة) لالحاق البعض بالسلطة الحاكمة بينما تظل الازمة الكبرى تراوح مكانها.

الحكومة القومية بمعنى اشراك بعض الاحزاب في الحكومة لا معنى لها في غياب البرنامج للتغيير الشامل الذي ينشئ دولة الوطن القائمة على المشاركة الفاعلة في صناعة وتنفيذ القرار فدولة الحزب الواحد التي انفردت بحكم السودان ربع قرن من الزمان بل هي قد تغلغلت وسيطرة على كل مفاصل الدولة من ادنى وظائفها الى اعلا مراقيها واحتكرت الثروة والنشاط الاقتصادي لفئة محدودة وهيمنت على سائر الانشطة المجتمعية ومنعت كل حراك الا حراك اجهزتها ومنسوبيها.

ماذا تفيد مشاركة بضعة وزراء يجلسون على قمة هرم حكومة كل منسوبيها يتبعون للحزب الحاكم ؟ هذا تمرين جربته احزاب شاركت في حكومات وصفت بانها ذات(قاعدة عريضة) ثبت بالدليل العملي انها لا قاعدة لها وان وجود اولئك الوزراء كان مجرد وجود(ديكوري) لتزيين الوجه ولا سلطة لاولئك الذين التحقوا بالحكومة غير الوجاهة الخاصة والمصلحة الشخصية بينما تستمر كافة هياكل في عملها لخدمة اهداف ومآرب الحزب الحاكم ولذلك لم تنجح هذه المحاولات الديكتورية لا في حل ازمة الدولة ولا في وقف الحرب واستتباب الامن ولا في تحرير الاقتصاد او تقديم الخدمات او زيادة الانتاج والانتاجية.

اذا قدر للحوار الجامع ان ينطلق وتوفرت كافة مستحقاته فينبغي ان يركز على رؤية شاملة تغير واقع السودان تغييرا جذريا ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة تعترف بتعددية هذا المجتمع وتحترم تلك التعددية وتنشئ دولة المواطنة التي يجد كل مواطن نفسه فيها ويمنحها ولاؤه باعتباره شريكا فاعلا لا تابعا مسيرا يعبر عن رايه بكامل الحرية ويسهم في ادارة الشأن العام على قدم المساواة مع الآخرين في مجتمع يسوده حكم القانون ولاتحتكر القرار فيه اي جماعة منفردة تدير امور الوطن على هواها.

عندما يفرز مثل هذا الحوار هذا المشروع الوطني المطلوب لاعادة بناء دولة السودان يمكن بعد ذلك ان يتحدث الناس عن هياكل الحكم ووظائفه وحكومته اما الحديث عن حكومة قومية او حكومة انتقالية قبل ان يفرز الحوار المجتمعي الشامل مثل هذا المشروع الجامع فأمر لا يمكن وصفه بانه محاولة للانحراف بالقضية نحو ازمة جانبية بعيدا عن الطريق المستقيم وتحويل الحوار الى مجرد صفقة انتهازية لتبادل المنافع بين نخب راغبة في (الاستوزار) دون مشروع وبرنامج ولن تكون سوى اعادة انتاج الازمة بشكل جديد واثارة قضية نوع الحكومة قبل الاتفاق على برنامجها سينحرف بالحوار الوطني عن مقاصده.

نحن ما زلنا في مرحلة(الحوار حول الحوار) ولم نصل الى تحديد ابعاد الحوار ولا اهدافه ووسائله ولم نوفر مستحقاته الى تضمين شفافيته وحريته وطرائق ادارته وما لم نفعل ذلك بداية فإن اي حديث عن هياكل الحكم القادم مجرد اهدار للوقت والطاقات وانحراف بالقضية عن مسارها الطبيعي واذا كان كل اهداف الحوار هو(استوزار) بعض الاشخاص فهو شأن لا يهم سوى اولئك النفر الذين يبحثون عن وظائف – فدعونا نجنب مفهوم (الحوار الوطني) هذا المستنقع الآسن وذلك بالتركيز على مستحقات الحوار واهدافه وقضاياه حتى اذا اتفقنا على ذلك انطلقنا في الحوار المرجو باجندته المتفق عليها اما اذا لم نصل الى اتفاق حوله كفينا انفسنا مشقة الحديث المكرور حوله !!

محجوب محمد صالح 

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,السلام أن كان ثمة حوار سيدور بين القوى السياسية المختلفة حول معالجة الازمة السودانية فإن ذلك الحوار ينبغي ان ينصب على تحقيق التحول الديمقراطي دون ان ينحرف نحو التركيز على فكرة(الحكومة القومية) لأن الحديث عن الحكومة القومية بمعزل عن مفهوم التحول الشامل سيحيل الحوار المرتقب الى مجرد (صفقة) لالحاق البعض...صحيفة اخبارية سودانية