د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  في المقالات السابقة قدمت رصدا لأهم المحطات الرئيسية في تاريخ مشوار الحراك السياسي للمفاوضات بين الانقاذ والمعارضة حتى تاريخ التوقيع على اتفاق السلام الشامل، وأعقبت ذلك بتلخيص لبعض الملاحظات والنقاط التحليلية حول ذاك الحراك. وفي مقال اليوم نقدم عرضا مختصرا للخرطة الزمنية الخاصة بالحراك السياسي الجماهيري خلال فترة ما قبل التوقيع على الاتفاقات، ونتبعه بسرد مختصر لبعض الملاحظات حوله:

الحراك الجماهيري خلال الفترة 1989 – 2005

– التوقيع على ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي في 21 اكتوبر 1989، وإلتفاف الجماهير حوله وعقد آمالها عليه، لا في الخلاص من الشمولية فحسب، وإنما في إخراجها من حالة الإحباط الممتدة منذ فجر الإستقلال، وتحقيق تطلعاتها إلى وطن تترجم فيه الديمقراطية والحرية السياسية إلى حياة تزدهر مادياً وروحياً بإطراد.

– مذكرة القادة النقابيين للرئيس البشير عقب الانقلاب في 30 يونيو 1989 مطالبة بعودة الحريات النقابية وشرعية النقابات. ثم إضراب الأطباء الشهير في نوفمبر1989، والذي أثار رد فعل عنيف من جانب السلطة حيث حكمت بالاعدام على قادة النقابة، وكذلك استشهاد الدكتور علي فضل تحت التعذيب، ثم الإضرابات المتتالية للعاملين بالسكك الحديدية خلال 1990/1991، وانتظام الحركة الاحتجاجية الواسعة في كل البلاد من قبل العاملين والمزارعين من أجل حقوقهم المشروعة ومن أجل إرجاع المشردين وضد الخصخصة العشوائية.

– حركة  رمضان/ أبريل العسكرية المناهضة للنظام، وإستشهاد كوكبة من خيرة ضباط القوات المسلحة.

– مظاهرات الطلاب ضد الشمولية وضد سلبيات ثورة التعليم العالي ومن أجل ديمقراطية التعليم وضد تصفية السكن والإعاشة وممارسات صندوق دعم الطلاب. وقد وصلت احتجاجات الطلاب ذروتها في سبتمبر 1995 و1996، ثم تواصلت في ظل استشراء العنف الطلابي في الجامعات. ونتيجة لذلك قدمت الحركة الطلابية عددا من الشهداء: بشير، سليم، التاية، محمد عبد السلام…وتطول قائمة الأنجم التي أفل بريق حياتها لتبقى ذكراها نبراسا يضيء طريق الصمود وحركة الاحتجاج الإيجابي.

– رفض طلاب الخدمة الالزامية الذهاب لمناطق العمليات الحربية في الجنوب.

– مذكرة القوى السياسية والنقابية للبشير في سبتمبر 1996، مطالبة بالحريات.

– إنتظام واتساع حركة المفصولين سياسيا وتعسفيا من المدنيين والعسكريين.

– أنخراط المرأة السودانية في حركة المقاومة.

– الدور المقدر للصحافة والصحفيين في مقاومة الشمولية وتداعياتها، وفي كشف الفساد ونهب المال العام.

– إحتجاجات الكتاب والمفكرين والأدباء والصحفيين على نشاطات جماعات التكفير والهوس الديني.

– النشاط المسلح المعارض في جنوب الوطن وفي جبال النوبة وفي شرق السودان ثم في دارفور.

بعض الملاحظات من واقع المحطات المختلفة للحراك الجماهيري.

– لعل الملاحظة الأولى هنا هي الضعف الواضح في نشاط الأحزاب والحركة الجماهيرية بشكل عام. صحيح أن جزءا من أسباب هذا الضعف تعود إلى سياسات القمع العنيف التي ظلت تمارسها الإنقاذ منذ أول يوم لها في السلطة، لكن، قطعا هنالك أسباب ذاتية تكمن داخل هذه الأحزاب. وفي تقديري فإن هذه الأسباب الذاتية تتعلق بالازمات المصاحبة للبنية الداخلية لهذه القوى، خاصة في مستوياتها القيادية، كما تتعلق بضعف إلهام الخطاب السياسي وبتخلف مناهج العمل في الظروف الجديدة المتغيرة. وفي هذا السياق، أعتقد من الضروري الإشارة إلى أن من أبرز السلبيات التي صاحبت بدايات عمل التجمع الوطني الديمقراطي، أن كل أطرافه، أحزابا ونقابات، انطلقت عقب 30 يونيو من تقديرات ذاتية مريحة فحواها أن السلطة الجديدة لا تملك مقومات البقاء، وأن الجماهير جاهزة للانتفاض، وأن المسألة مسألة وقت..! ومن ثم أسقط التجمع واجب إقناع وكسب الجماهير في ظروف سياسية جديدة اتسمت بتساؤل هذه الجماهير عن ما هو البديل، وهل ننتفض لنعود مرة أخرى إلى المربع الأول، مربع الأزمة؟. صحيح أنه في أي تحالف واسع مستند إلى ميثاق حد أدنى، يصعب استقرار هذا التحالف وترجمة نواياه وتوجهاته إلى نشاط ملموس وفعًال دون برنامج عمل تسهم كل أطراف التحالف في صياغته والالتزام بتنفيذه، ثم مراجعته وتطويره عند كل منعطف. وفى الحقيقة فإن السؤال الذي ظل يتكرر عن ضعف الأداء التنفيذي لتحالف الأحزاب في التجمع الوطني الديمقراطي، نبحث عن إجابته في غياب برنامج عمل مرن ومتحرك ومتجاوب مع متغيرات الوضع السياسي ومتطلبات حركة الجماهير وحالات الصعود والهبوط في نشاط المعارضة. وعلى الرغم من الاتفاق على الهيكلة القيادية للتجمع بعد مؤتمر أسمرا 1995، إلاً أن الأمر بدا وكأن كل اجتماع للهيئات القائدة منعزل عن الاجتماع السابق أو اللاحق له. لذلك ظلت هناك قرارات تلو قرارات دون ترجمتها إلى أفعال ملموسة. وكذلك، ولفترات طويلة، كان التجمع يفتقد التفاعل المؤسسي السريع مع الأحداث، كما ساد عدم تناغم الخطى بين إيقاع الأحداث وإيقاع أداء التجمع وردة فعله المناسبة، مع استمرار الممارسات التي تجد مكاناً أرحب خارج الإطار المؤسسي للتجمع بدعوى بطء حركة أجهزة التجمع، علما بأن تسريع خطوات التجمع تعتمد على رغبة وإرادة وأداء فصائله المكونة. وبعض الفصائل اتخذ من هذا الواقع ذريعة للعزف خارج زمن إيقاع التجمع بينما الحقيقة أن موقفه وتقديراته السياسية أصبحت غير منسجمة مع موقف وتقديرات التجمع، فسعى لتمرير خطه الذي يتناقض مع الخط السياسي المتفق عليه، مما ترتب عليه حدوث درجة من الصدام كما حدث عقب اتفاق جيبوتي بين النظام وحزب الأمة (نوفمبر 2000)، وكذلك عقب التوقيع على اتفاق القاهرة (2005). ولعل هذا من الأسباب الرئيسية لسريان حالة الجمود والركود في التجمع، وتفشى حالة الإحباط وسط الجماهير وهى ترى توقعاتها العالية الممتلئة بالأمل عقب قرارات مؤتمر أسمرا التاريخية، تتكسر وتتفتت على صخرة عدم الفاعلية التنفيذية لأداء أكبر تحالف سياسي في تاريخ البلاد، ضم القوى السياسية والنقابية في الشمال وفي الجنوب وفي الشرق وفي دارفور، كما ضم قيادات من القوات المسلحة والشخصيات الوطنية…!

– لكن، وعلى الرغم من مظاهر الضعف هذه، عجزت الإنقاذ عن حسم معركتها مع المعارضة، والحكم بإرتياح. هذا الوضع أدى إلى حالة من التوازن، توازن الضعف والإرهاق الذي تمكن من الصراع السياسي في البلاد. وكنتيجة مباشرة لهذا التوازن، برزت آلية الحل التفاوضي وصعدت إلى القمة، متزامنة مع الثقل الدولي الذي دفع بكل ترسانته في السودان من أجل وقف الحرب في الجنوب منطلقا من فهم محوري أساسه أن المشكلة في السودان جوهرها الصراع بين الجنوب والشمال، ومن أجل وقف القتال في دارفور مركزا على القضايا الإنسانية والأمنية والإنتهاكات. وفي هذا السياق، أعتقد بعدم صحة القول بأن الدخول في التفاوض ومانتج عنه من إتفاقيات، هما فقط ثمرة الفعل العسكري في ميادين القتال بين الحركة الشعبية والحكومة، أو نتيجة لجهود المجتمع الدولي وحدها. بل هما ثمرة الجهد الجماعي والإرادة الجماعية لكافة الأطراف: ميادين القتال، الفعل السياسي للتجمع والمعارضة الشعبية، مقاومة الشعب السوداني للحرب، دور الشخصيات الوطنية، ثقل المجتمع الدولي ومساهمات أصدقاء السودان دوليا وإقليميا.

– وعلى عكس المرات السابقة، أي عقب ثورة اكتوبر 1964 وإنتفاضة ابريل 1985، فإن المفاصل الرئيسية للأزمة السودانية، والمتمثلة في الديمقراطية (بما في ذلك قضية السلطة والحكم) والسلام والتنمية والوحدة، بدت وكأنها ناتج ثانوي لمسألة تصفية الحرب الأهلية، كما بدا إتجاه حركة الصراع السياسي وكأنه ينطلق هذه المرة بقوة من الأطراف إلى المركز، وليس العكس كما كان سابقا، دون أن يعني ذلك إنتفاء إمكانية الحراك من المركز.  وعقب التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، وعلى اتفاقية القاهرة،  ظل الناس في انتظار تغيير مماثل لما افرزته ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، اللتان جاءتا بواقع جديد مباشر وملموس تخلق وتشكل منذ الوهلة الأولى. لكنهم، أي الناس، هذه المرة لم يروا في الأفق تخلقا أو تشكلا مماثلا أفرزته أي من إتفاقيات نيفاشا أو أبوجا أو القاهرة، بل، في نظرهم، ظل النظام هو نفس النظام عقب التوقيع على الإتفاقات، والمعاناة هي نفس المعاناة. بل والكثير من الناس كانوا يرون، عن حق، بأن تلك المفاوضات قد انتهت فقط بإقتسام كراسي السلطة، ناهيك عن الشعور بأن ما وقع من إتفاقيات ربما وفرت الأمان لمنتهكي حقوق الإنسان وأثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام القادمين من صفوف شرائح الطفيلية الجديدة….!

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (5)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  في المقالات السابقة قدمت رصدا لأهم المحطات الرئيسية في تاريخ مشوار الحراك السياسي للمفاوضات بين الانقاذ والمعارضة حتى تاريخ التوقيع على اتفاق السلام الشامل، وأعقبت ذلك بتلخيص لبعض الملاحظات والنقاط التحليلية حول ذاك الحراك. وفي مقال اليوم نقدم عرضا مختصرا للخرطة الزمنية الخاصة بالحراك السياسي الجماهيري خلال فترة ما...صحيفة اخبارية سودانية