د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  نواصل إستعراض الملاحظات والنقاط التحليلية حول خارطة التاريخ السياسي للتفاوض:

من البديهي، كما عبر عن ذلك د. قرنق ذات مرة، أن التوقيع على الاتفاقيات المختلفة، اتفاقية السلام الشامل، اتفاقية القاهرة، اتفاقية أبوجا وإتفاقية الشرق، لم يكن نهاية المطاف، وإنما هو مرحلة في عملية طويلة من عدة مراحل (process) لتحقيق الأهداف الممكنة وفق آلية المساومة، آلية الحل التفاوضي. وبالتالي، كان المطلوب من القادة السياسيين الذين وقعوا على تلك الاتفاقات، أن تكون لديهم رؤية واضحة لتحديد كيفية الإستفادة القصوى من تلك المرحلة وإستغلالها للإنطلاق منها إلى النقطة التالية، والتي لابد أن تكون أفضل من سابقتها. إن إنهاء الحرب في جنوب الوطن وفتح الطريق لتحقيق السلام يعتبر قضية وطنية اساسية تم بموجبها وقف التقتيل والدمار، ولو إلى حين، كما شكلت مدخلا رئيسيا لمواجهة الازمة السودانية المزمنة والمتواصلة منذ فجر الإستقلال في يناير1956، والتي إزدادت استفحالا بعد 30 يونيو 1989. ولقد أحدثت الإتفاقيات المختلفة، خاصة اتفاقية السلام الشامل، خلخلة في تركيبة نظام الإنقاذ الشمولي، كما خلقت واقعا جديدا وفر مناخا ملائما للحراك السياسي السلمي في البلاد. وكان من المفترض أستثمار كل ذلك من قبل مختلف القوى السياسية والإجتماعية بهدف تحقيق المراحل التالية في تلك العملية الطويلة (process) وعلى رأسها فرض التحول الديمقراطي الكامل. وأعتقد أن الطاقة الكامنة التي وفرتها الاتفاقيات لتحقيق التحول الديمقراطي كانت كبيرة جدا، لكن تفجيرهذه الطاقة وتحويلها إلى فعل إيجابي ملموس كان يتوقف، في الأساس، على مدى قدرة الحركة السياسية لإحداث هذا التفجير. ولكن يبدو أن تلك القدرة كانت مكبلة بقيود وسلاسل البحث عن الكراسي في صالونات السلطة.
ملامح فرضية المساومة المقبولة يمكننا أن نلحظها في المثال التالي: في إحدى مخاطبات الدكتور جون قرنق للتجمع، ذكر أنه أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، سألته السيدة سوزان رايس بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل: ما هي خططكم بالنسبة للمؤتمر الوطني وبالنسبة لموضوع وحدة البلاد؟ وأجابها الدكتور: “بالطبع لن نلقي بالمؤتمر الوطني في البحر أو في الصحراء، ولكن سنقبلهم ونتعامل معهم كحزب سياسي له حق المنافسة في الإنتخابات. أما بالنسبة لقضية الوحدة، فهذه مسؤولية الجميع، وهي تقع على عاتق أو أكتاف الذين حكمونا منذ 1956.. وعموما الفرصة لا تزال سانحة لتطوير، وربما ليس تغيير، اتفاق السلام الشامل عبر المعارك الراهنة والقادمة سواء معارك تفاوض التجمع مع النظام، أو عبر التفاوض حول قضية دارفور أو من خلال معارك التحول الديمقراطي”.
إتفاقية السلام الشامل أفرزت نظاما للحكم يقوم علي أسس معقدة وهياكل متفاوته في صلاحياتها ومستوياتها: فالبناء الدستوري يقوم علي نظام رئاسي ودستور قومي في المركز، ودستور علماني للاقليم الجنوبي ودساتير مشابهة للولايات الجنوبية، دساتير مستمدة من التشريع الإسلامي (حسب وجهة نظر الإنقاذ) للولايات الشمالية، وضع خاص لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان ومنطقة أبيي (تابع للرئاسة) وكذلك وضعية خاصة للعاصمة القومية…! هذا الوضع عكس تناقضات واختلالات واضحة وعدم مساواة في صلاحيات الاقاليم المختلفة، وبرز ذلك بشكل جلي في تمتع الاقليم الجنوبي بوضعية اقليم موحد وصلاحيات كونفيدرالية شبه كاملة ومشاركة فعالة في ادارة المركز، في حين حرمت الاقاليم الشمالية من ذلك دون سبب محدد. وفي الوقت نفسه ظلت ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان تتمتعان بصلاحيات واسعة بينما منحت الولايات الشمالية الاخرى صلاحيات أدني، مما أضعف روح الترابط القومي وشكل سابقة خطيرة في وطن تصطرع فيه المصالح القبلية والجهوية. هذه الاختلالات والتناقضات كانت تحتاج الي معالجة سريعة تراعي الشمول والعدالة والمساواة مع تقوية المركز، وذلك عن طريق انشاء نظام لامركزي متوازن وبصلاحيات متساوية في كل المستويات وبين كل الأقاليم دون المساس بما جاء في إتفاقية السلام الشامل حول الإقليم الجنوبي.
صحيح أن إتفاقية قسمة الثروة التزمت المعايير الجغرافية والإقليمية في اعادة تقسيم الموارد (خاصة عائدات النفط) بين الشمال والجنوب، لكنها جاءت في شكل الحساب التجاري والمصلحي، وفي الوقت نفسه تجاهلت ضرورة التخطيط الاقتصادي الاجتماعي ودور الدولة والقطاع العام في احداث تنمية شاملة ومتوازنة في كل أقاليم البلاد. بعض المفكرين الإقتصاديين انتقد الإتفاقية من زاوية تركيزها الضمني علي اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية. وأشار بعض من هولاء المفكرين إلى أن مثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشة الاخرى، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق اوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضرية وفئاتها الطفيلية والبيروقراطية. أعتقد أن التجربة أثبتت صحة هذه الطرح في كثير من جوانبه، كما نبهت إلى ضرورة العمل علي ربط عمليات اعادة الاعمار والبناء بخطة اقتصادية اجتماعية عامة يضعها مؤتمر إقتصادي قومي، خطة تراعي تنمية قدرات الاقتصاد الوطني بشكل عام والاستجابة لمتطلبات المناطق المتأثرة بالحرب والاقل نموا بشكل خاص وذلك بالاستفادة من كافة الخبرات الوطنية في هذا المجال ومن دروس تجاربنا في المراحل السابقة بدلا من ترك هذه المهام للخبرات الاجنبية ومؤسسات التمويل الدولية.
معروف أن أي مساومة بين طرفين يفترض أن تؤدي إلى تمتع أي منهما بدرجة من الرضى والشعور بالمكسب (win – win)، لكن أحيانا يحدث ذلك على حساب طرف ثالث، هو موضوع المساومة نفسها. فالمعروف أن اتفاق السلام الشامل نجم عنه اختلال واضح في تركيبة المؤسسات التشريعية والتنفيذية الانتقالية، حيث سيطر حزب المؤتمر الوطني علي الولايات الشمالية، وسيطرت الحركة الشعبية علي الجنوب (70% لكل منهما في مجال سيطرته) وسيطر الطرفان علي رئاسة الجمهورية، والحكومة المركزية (52% للمؤتمر، 28% للحركة) مع منح القوى السياسية الاخرى مشاركة صورية بسيطة (20%). وكذلك الحال بالنسبة للجان الفنية والخدمة المدنية والاجهزة الامنية والعسكرية وغيرها، من خلال نصوص الاتفاقية نفسها. هذا الوضع عكس شراكة سيطرت علي مؤسسات الدولة خلال الفترة الانتقالية بصورة مطلقة. ونظريا، قبل التجربة العملية، ما كان من الممكن لوضع كهذا أن يخدم قضية السلام والإستقرار والحفاظ على وحدة البلاد. وهو ما تأكد عمليا، بعد التجربة، خاصة في ظل عدم التوافق المستمر بين الشريكين خلال الفترة الماضية.
أعتقد ما أوردناه أعلاه، وفي المقالات السابقة، من ملاحظات ونقاط تحليلية حول الخارطة الزمنية للتفاوض، وتحديدا التفاوض الذي أفضى لإتفاقية السلام الشامل، يفي بالغرض المنشود، وهو التمهيد لماقشة لاحقة حول منهج ومفهوم المساومة. وكان من الممكن الإستمرار في رصد العديد من الملاحظات ذات الصلة بموضوع المقال، خاصة من واقع تجربة تنفيذ الاتفاقات الأخرى، القاهرة وأبوجا والشرق، ولكنا لا نهدف إلى كتابة رصد تقييمي لهذه الاتفاقات، إضافة إلى أن إتفاقات القاهرة وأبوجا والشرق كانت بعيدة نسبيا عن التأثير المباشر لجوهر الفعل السياسي خلال الفترة الإنتقالية، وإكتفى عدد من موقعيها بالمشاركة في السلطة.
في المقالات القادمة سنقدم عرضا مختصرا للخرطة الزمنية الخاصة بالحراك السياسي الجماهيري مع بعض الملاحظات حولها، ثم ندلف إلى مناقشة صلب الموضوع المتعلق بالأسئلة التي أشرنا إليها في مقالاتنا السابقة، والتي تناولت جوهر قيمة الفعل النضالي وجدواه، سواء تاريخيا أو في لحظته الراهنة، كما تناولت مناهج التعامل مع هذا الفعل.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (4)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  نواصل إستعراض الملاحظات والنقاط التحليلية حول خارطة التاريخ السياسي للتفاوض: من البديهي، كما عبر عن ذلك د. قرنق ذات مرة، أن التوقيع على الاتفاقيات المختلفة، اتفاقية السلام الشامل، اتفاقية القاهرة، اتفاقية أبوجا وإتفاقية الشرق، لم يكن نهاية المطاف، وإنما هو مرحلة في عملية طويلة من عدة مراحل (process) لتحقيق...صحيفة اخبارية سودانية