د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  نواصل حديث منهج المساومة مقابل منهج “كل شيئ أو لا شيئ”، ونقول، إن آلية إنفاذ منهج المساومة دائما هي المؤتمرات واللقاءات الموسعة التي تضم الأطراف المصطرعة والمتنازعة، وفي الغالب بمصاحبة وسيط أو مجموعة من الوسطاء. لكن، نجاح هذه الآلية يتطلب شروطا محددة وواضحة، نتناولها من خلال النموذجين التاليين: في العام 2010 دعت حكومة الإنقاذ عبر حزبها، حزب المؤتمر الوطني، إلى لقاء واسع يضم كل ألوان الطيف السياسي لمناقشة قضية الاستفتاء، وحددت الخميس 19 أغسطس من ذاك العام لعقد اللقاء الموسع. لكن، فشل ذلك اللقاء حيث قاطعته كل القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية، شريكة المؤتمر الوطني في الحكم آنذاك. ببساطة، رفضت القوى السياسية حضور المؤتمر لأن حزب المؤتمر الوطني لم يستجب لمطلب مشروع وأساسي لإنجاح المساومة، وهو التحضير المشترك للاجتماع، بدلا من إحتكار المؤتمر الوطني لهذه العملية…!. وقوى الإجماع الوطني إقترحت  إضافة بندي قضايا التحول الديمقراطى ودارفور والضائقة المعيشية لجدول أعمال الاجتماع، كما أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بيانا أتهمت فيه المؤتمر الوطني بنقض اتفاقه معها حول موضوعات اللقاء وإجراءات التحضير له والمشاركة الخاصة به، وشروعه في التحضير له بنفس الأساليب السابقة مما يجعله أقرب لإجتماع لقيادة المؤتمر الوطنى منه لإجتماع مشترك بين القوى السياسية يحقق الإجماع والخروج برؤية مشتركه. ومن وجهة نظري الخاصة، كان من الممكن الموافقة على أن يناقش ذلك اللقاء قضية الاستفتاء فقط بإعتبارها في موقع الأولوية القصوى، لكن ما كان من الممكن الموافقة على أن يتولى المؤتمر الوطني وحده إجراءات التحضير للإجتماع.

النموذج الثاني، يتعلق بمواصلة قوى المعارضة، خلال الفترة الإنتقالية، الطرق على ضرورة إنجاز المؤتمر القومي الجامع كمخرج للبلاد من أزماتها. وهو بالطبع، وبكل المقاييس، طرق صحيح لا شك في ذلك. فالمؤتمر القومي الجامع يسعى لمخاطبة الجوانب المختلفة للأزمة السودانية: التحول الديمقراطي، مأساة دارفور، الضائقة المعيشية، مستقبل شكل الحكم في البلاد…. لكن، أعتقد أن أستدعاء فكرة المؤتمر الجامع للتطبيق ونحن نعالج قضية الاستفتاء ومهددات وحدة البلاد، أعتقد أنه إقترب قليلا من مفارقة الحكمة. فدائرة تركيز شعبنا في الجنوب في ذلك المنعطف الهام من تاريخ وعمر الوطن، كانت تنحصر في مسألة الاستفتاء وحده، ولاتعبأ كثيرا بقضايا التحول الديمقراطي أو الضائقة المعيشية… لذلك كان من الضروري التركيز على طرح مشروع محدد يقنع المواطن الجنوبي بالتصويت بنعم لإستمرار وحدة البلاد على أسس جديدة، علما بأن هذه الأسس الجديدة ستنعكس إيجابا على بقية القضايا مثل التحول الديمقراطي وقضية دارفور والضائقة المعيشة، وهي كلها قضايا حيوية ومصيرية. ومن هنا كان إقتراحنا، آنذاك، لمؤتمر مائدة مستديرة يعالج جدول أعماله موضوعا واحدا هو الاستفتاء وقضية الوحدة والانفصال. إن استدعاء فكرة المؤتمر الجامع في كل منعطف تمر به البلاد دون مراعاة المستجدات الملموسة في الفترة الزمنية المحددة، يضر بالفكرة ويعكس تمسك المعارضة بمنهج “كل شيئ أو لا شيئ”!، وهو منهج، إضافة إلى مفارقته لفنون العمل السياسي، فإنه يظلم قضية الوحدة التي كانت في قمة أولويات العمل السياسي في تلك الفترة. ويحضرني هنا ما أشار إليه مراقبون كثر من أن مؤتمر جوبا (2009)، والذي شاركت فيه كل القوى السياسية السودانية ما عدا حزب المؤتمر الوطني، لم يلبي طموحات الشارع السوداني بالمستوى المطلوب، كونه لم يخرج بموقف محدد وحاسم تجاه المشاركة في الانتخابات، ولم يحقق حلم الشارع في إلاتفاق على قائمة انتخابية موحدة على مستوى رئاسة الجمهورية والبرلمان، كما أنه لم يتعرض من بعيد أو قريب لمسالة الوحدة والانفصال، اضافة إلى أن ما توصل إليه المؤتمر حول قوانين التحول الديمقراطي لم تدعمه الحركة الشعبية داخل البرلمان بالشكل المطلوب لحسابات تتعلق بمصالحها السياسية المرتبطة بإجازة قانون الإستفتاء.

منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات مقابل منهج الأفق الأنبوبي ذو الاتجاه الواحد:

 لم تندفع البشرية بوتيرة متصاعدة صوب هدف اكثر مما فعلت تجاه الديمقراطية. حتى دولة العدالة

الاجتماعية، كما كانت تعنون نفسها في المعسكر الاشتراكي، كان من ضمن الأسباب الرئيسية لسقوطها هو تغولها على حرية الفرد. واعتقد أن الكثيرين يتفقون معي على ان هذا السقوط احدث جرحا غائرا في أحلام الشعوب الفقيرة كما سبب فوضى ملحوظة وذات آثار سالبة في اجندة أولويات قادة العالم. والتاريخ يعلمنا بان إستجابة أولويات القادة لأحلام الشعوب هي التي بنت الحضارة البشرية، والأخيرة يمكن ان يصيبها التصدع حالما تتساقط هذه الاحلام من جدول اولويات القادة.

والشعب السوداني من ضمن هذه الشعوب الفقيرة، واحلامه مثخنة بنفس الجرح: انظروا إليه يتحرك صوب أعبائه اليومية مثقل الخطى مهموما بكيف يواجه غول الغلاء الشره ويتصدى لأهوال المرض والفاقة، وكيف يسدد الرسوم الدراسية وفواتير خدمات السكن والمياه والكهرباء والصرف الصحي والعلاج، رغم عجز هذه الخدمات عن توفير كريم العيش له ولإسرته..! انظروا إليه يسير مكبلا بتدهور وموات المشاريع التنموية الكبيرة التي لسنين عددا ظلت محفورة في ذاكرته: مشروع الجزيرة، السكة حديد، مصانع النسيج، النقل الميكانيكي، الخطوط البحرية والنقل النهري، الخطوط الجوية….الخ. هذا الجرح الغائر عجزت كل النخب السياسية، حتى الآن، عن رتقه، علما بان رتق هذا الجرح بالذات يحتاج إلى خيوط متينة وأيدي ماهرة، وجميعها، الخيوط المتينة والأيدي الماهرة، لا يمكن ان تتوفر إلا  في لإجماع كل النخب السياسية السودانية. وهذه الخيوط تستمد متانتها، مثلما الأيدي تكتسب مهارتها، من حقيقة أن بناء الدولة السودانية الحديثة يحتاج إلى التنمية والديمقراطية وتوسيع مبدأ القبول والمشاركة لتتعايش فيها القبائل والاديان والألسن، المتنوعة والمتعددة. اما إذا كانت هنالك مجموعات ترى في دحر الآخر هدفا استراتيجيا لبلوغ مبتغاها، فلتستعد لبناء ترسانتها الحربية، وليستعد الوطن لنزف ما تبقى من دمائه.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (7)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  نواصل حديث منهج المساومة مقابل منهج 'كل شيئ أو لا شيئ'، ونقول، إن آلية إنفاذ منهج المساومة دائما هي المؤتمرات واللقاءات الموسعة التي تضم الأطراف المصطرعة والمتنازعة، وفي الغالب بمصاحبة وسيط أو مجموعة من الوسطاء. لكن، نجاح هذه الآلية يتطلب شروطا محددة وواضحة، نتناولها من خلال النموذجين التاليين:...صحيفة اخبارية سودانية