د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

ما ناقشناه في المقالات السابقة، رأيته تمهيدا ضروريا، أو مدخلا لا بد منه، لبدء مناقشة القضايا السياسية / الفكرية ذات الصلة بالمناهج المختلفة والمتعددة للإقتراب من قضايا الوطن. وسنبدأ بتناول الزوايا المختلفة لتلك القضايا السياسية الفكرية في ارتباطها بقضية بناء الدولة السودانية، وإرتباط الأخيرة بالأزمة الوطنية العامة التي تعيشها البلاد. أشير إلى أن رصدي لتلك الزوايا سيتم من موقع تناول القضايا الملموسة المطروحة في الحراك الساسي الراهن، بعيدا عن التنظير المجرد.

منهج المساومة مقابل مبدأ “كل شيئ أو لا شيئ”: 

أعتقد أن المساومة، أي مساومة، compromise، هي معادلة بين طرفين، لكنها معادلة من نوع خاص، لا تخضع بشكل كامل لقواعد وقوانين المنطق الرياضي الصرف، حيث، مثلا: 1+1=2. فالمساومة، تعني واحد + واحد = واحد ونصف وليس اثنين..!! وذلك، لانها أخذ وعطاء، وتفرز نصرا أو مكسبا للطرفين، رغم أنه أقل من المأمول أو المطلوب لأي منهما(win win situation)، لكنها في نفس الوقت الذي تأتي فيه بربح لطرفين (حزبين مثلا) يمكن ان تسبب خسارة لطرف ثالث (الوطن مثلا). فإنفصال الجنوب هو خسارة فادحة للوطن/السودان، لكنه ربما يشكل مكسبا للنخب الحاكمة في الشمال وفي الجنوب من حيث إستمرارها في السلطة ولو إلى حين! ومن جانب آخر، إذا بنيت المساومة على أساس ان الطرف المفاوض جاء ليفهم الاخر، وليفكر بطريقة المكسب لكل الأطراف، وإعلاء المصلحة العامة، والتفكير في بديل ثالث وليس الانتصار لأطروحته، سيحدث التغيير(transformation)، في حين إذا تبنى الطرف المفاوض منهج المناورة والإلتفاف والإنقضاض اللاحق على الطرف الآخر، ستكون النتيجة هي التقاطع (transaction). وبالطبع، لا بد أن مع نأخذ في الإعتبار الحقيقة الثابتة والدائمة التي تقول بأن الفعل السياسي فعل تراكمي…فلحظة التغيير الحاسمة ليست وليدة الفجاءة كما يبدو، وإنما هي نتاج تراكم طويل سابق لها، وأن مراكمة فعل المقاومة هو الذي يصنع التغيير. لكن، طريق التوصل بنجاح إلى مساومة ما هو طريق طويل وشاق ومليء بالمنعرجات والمطبات، وتتصارع فيه دوافع مختلفة ومتضادات متنوعة، مثل الرغبة في الانتقام، استخدام الخداع السياسي، حماية الظهر، المصلحة الخاصة…الخ. وفي حالة الوطن فإن المساومة المطلوبة هي بناء الوحدة في اطار التعدد والتنوع، مع التشديد على أن الوحدة هنا لا تعني التماهي في الآخر، ولا تعني الاندماج في الواحد، كما لا تعني النمطية.

وهكذا، إذا كانت القوى السياسية جميعها قلبها على الوطن كما تقول، وتمتلك جميعها قدرا من الخبرات والذكاء السياسي كما نعتقد، فالمنطقي أن يحترم كل منها وجهة نظر الآخر التي لا يتفق معها. لأن بالضرورة كل حزب لديه مرجعية فكرية ومنظور ورؤية منهجية مختلفة. والجوهري المطلوب هنا هو البحث عن المشترك في هذه الرؤى وهذه المرجعيات من اجل مصلحة الوطن والشعب، وهذا يتطلب التنازل والمساومة في مواجهة فكرة التمترس للدفاع عن الرؤية الخاصة والمصلحة الضيقة. ومن هنا إصرارنا على ضرورة إخضاع الخيارين المصطرعين، خيار دولة التوجه الإسلامي مقابل الدولة المدنية الديمقراطية، إلى مبدا المساومة. لقد سبق وأن أشرت في عدة مقالات سابقة إلى أن العقبة الكبرى أمام إستمرار السودان الموحد كانت هي إصرار حزب المؤتمر الوطني، حزب الحكومة، على إدغام الدين والسياسة، بينما الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت تصر على الفصل بينهما، متفقة في ذلك مع سائر القوى السياسية الأخرى. وكثيرا ما كنا نسمع كوادر المؤتمر الوطني وهي تؤكد دعوتها للتضحية بالجنوب في سبيل بقاء دولة الشريعة!!.

وفي الحقيقة، فإن ما يتمسك به هولاء ليس دولة الشريعة، وإنما حماية ما تحقق لهم من مكاسب وثروات نتيجة سيطرتهم على جهاز الدولة السودانية وفق نظرة آيديولوجية ضيقة لا تعترف بأي حقيقة خارجها، وهذه نظرة لاعلاقة لها بأي شريعة! وعموما، وفي إطار منهج المساومة، أعتقد من الضروري التأكيد، مرة أخرى، على حقيقة إننا عندما ندعو لتحجيم إقحام الدين في السياسة لا نعنى عدم احترامنا لوجهة نظر المؤسسات التي تنادي بهذا الطرح، ولا يعني أن نطلب من هذه المؤسسات إسقاط غطائها الأيديولوجي المرتبط بالإسلام. ولكنا نطلب منها التوافق معنا على أفضل صيغة تحقق قبول التعايش مع الآخر الذي يتبنى غطاءا مخالفا، ما دمنا نود العيش معا في كيان واحد. بمعنى أننا نطالبهم بمعالجة قضية الدين والسياسة وفق مصالحة / مساومة تاريخية لا تتجاهل دعاة الخيار الديني مثلما لا تتجاهل دعاة الدولة المدنية. مساومة تنطلق من حقيقة أن السودان بلد متعدد الديانات والمعتقدات، أغلبية مسلمة ومسيحيون ومعتقدات أفريقية.

ومن هنا شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة للمساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير، بصرف النظر عن المعتقد الديني، حيث أن المعتقدات لا تخضع لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية. ومن هنا أيضا شرط إقرار حقيقة أن الدين يشكل مكونا من مكونات فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدين في حياة الفرد وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته. ومن هنا كذلك شرط ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية. ومن هنا أيضا شرط الإلتزام بأن تعتبر المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السودانية ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري. ومن هنا شرط سيادة حكم القانون واستقلال القضاء، وأن يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، وأن يبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري. ومن هنا شرط كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني. وأعتقد أنه وفق هذه الشروط والمبادئ، وفي إطار منهج المساومة التاريخية، يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع  الدين والعرف مع عطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني.

إن أي ميثاق أو تعاهد أو اتفاق أو لقاء أو إجتماع أو أي جهد مشترك للقوى السياسية السودانية لا يناقش هذا الموضوع بكل موضوعية وشفافية لن يكون ذا جدوى فيما يتعلق بقضية مستقبل البلاد. ومرة أخرى أكرر ما صرح به الراحل جون قرنق مباشرة عقب التوقيع على مقررات مؤتمر أسمرا (1995) والتي تضمنت إتفاقا حول علاقة الدين والسياسة شارك في صياغته والتوقيع عليه قادة لا يمكن المزايدة على إنتمائهم للخيار الإسلامي، مثل السيد محمد عثمان الميرغني والسيد الصادق المهدي، حيث قال الراحل قرنق بالحرف الواحد: ” الآن فقط يمكن القول بإمكانية توقف الحرب والحفاظ على السودان موحدا”.  (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (6)   https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  ما ناقشناه في المقالات السابقة، رأيته تمهيدا ضروريا، أو مدخلا لا بد منه، لبدء مناقشة القضايا السياسية / الفكرية ذات الصلة بالمناهج المختلفة والمتعددة للإقتراب من قضايا الوطن. وسنبدأ بتناول الزوايا المختلفة لتلك القضايا السياسية الفكرية في ارتباطها بقضية بناء الدولة السودانية، وإرتباط الأخيرة بالأزمة الوطنية العامة التي تعيشها...صحيفة اخبارية سودانية