د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

   منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات مقابل منهج الأفق الأنبوبي ذو الاتجاه الواحد:  

في البدء نقول أن التعامل مع قضايا التطور الاجتماعي السياسي يمكن أن يتم من خلال منهجين، منهج الأفق المفتوح متعدد الإتجاهات مقابل منهج الأفق الأنبوبي ذو الإتجاه الواحد “multidimensional approach versus the tubular approach”. ولقد إبتدرنا الحديث عن هذين المنهجين بالإشارة إلى أن كل النخب السياسية في السودان، عجزت، حتى الآن، عن رتق الجرح الغائر في جسد الوطن، وأن رتق هذا الجرح بالذات يحتاج إلى خيوط متينة وأيدي ماهرة، لا يمكن ان تتوفر إلا  في إجماع وتوحد هذه النخب السياسية. وقلنا أن هذه الخيوط تستمد متانتها، مثلما الأيدي تكتسب مهارتها، من حقيقة أن بناء الدولة السودانية الحديثة يحتاج إلى التنمية والديمقراطية وتوسيع مبدأ القبول والمشاركة لتتعايش معا القبائل والاديان والألسن، المتنوعة والمتعددة. اما إذا كانت هنالك مجموعات ترى في دحر الآخر هدفا استراتيجيا لبلوغ مبتغاها، فلتستعد لبناء ترسانتها الحربية، وليستعد الوطن لنزف ما تبقى من دمائه. ومباشرة نقول أن الغلبة لاتزال لإصحاب منهج الأفق الأنبوبي “tubular vision”، مقابل أصحاب منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات  “multidimensional approach”. فأصحاب الأفق الأنبوبي ذو الإتجاه الواحد،  يتعاملون مع القضايا السياسية والاجتماعية وكانهم ينظرون الى الحياة وتعقيداتها عبر أنبوب يحجب عنهم رؤية كل الاتجاهات الجانبية الأخرى، التي يمكن ان تساعد حركتهم وتمتن خطاها للعبور صوب فعل جديد، تغيير، مثلما يفعل اصحاب منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات والروافد. وأصحاب الاتجاه الواحد يتقاعسون عن الإنخراط في الحياة اليومية وسط القواعد والناس العاديين (grassroots)، مما يؤدي إلى نسيانهم لمهام عديدة لابد منها لتعبيد الطريق نحو التغيير وتحقيق أهداف الشعب. أعتقد لن يختلف معي كثيرون في أن المؤتمر الوطني ظل حتى اللحظة متمسكا بمنهج النظرة الأنبوبية الضيقة، بدءا بمنهج تصفية الخصوم، وباقذر الوسائل الممكنة، ومرورا بسياسة التمكين للخلصاء التي تسببت في هذه الفروقات الطبقية الشاسعة في البلاد، وكذلك عبر تغذية الاقتتال بين القبائل اخوة الأمس في دارفور، ومن خلال التعامل المستهتر بقضية وحدة الوطن، بل وبدق طبول الحرب في مرحلة ما بعد الاستفتاء، كما ظل يفعل عدد من قادته ووزرائه، مما مهد للحرب التي إندلعت بعد إنفصال الجنوب. صحيح أن المعارضة قد مارست ايضا هذا المنهج الأنبوبي. أنظر إلى تاكتيك المقاطعة، والتي وصلت حد مقاطعة التاريخ الشخصي بالهجرة وتغيير الجواز السوداني! ورغم الدفوعات الكثيرة في هذا المقام عن هذا التاكتيك، والذي فيه الكثير المقبول والمبرر، إلا أنه يعكس، ضمن ما يعكس، حقيقة أن عددا لا يستهان به من المعارضين رفضوا الانخراط في الفعل الجماهيري اليومي وآثروا المراقبة من على البعد.

ومن ابرز الأمثلة لتجليات المنهج الانبوبي في المسرح السياسي السوداني، كانت مسألة التعامل مع قضية الإستفتاء وكأنها مباراة في كرة القدم حيث تجلس جموع الشعب السوداني، شماله وجنوبه، للتفرج على مجموعة محدودة من النخب السياسية في ماتش ساخن يديره حكم اجنبي.! وللاسف، كانت بوادر الفشل واضحة، ومنذ البداية فيما يخص قضية الحفاظ على وحدة السودان. فلا نحن قدمنا مشروعا لإقناع شعبنا في الجنوب بالبقاء في السودان الموحد، ولا نحن رتبنا لدولتين تتمتعان بمقومات حسن الجوار والتعايش السلمي. لن أمل تكرار حديثي بإعتبار أن دعوة الإنفصال القول جاءت من جهتين: من مجموعات جنوبية غاضبة مدفوعة بما قاست من ظلم وغبن وخيبة أمل، ومن مجموعات شمالية مدفوعة بالعنصرية والتعصب الديني وضيق الأفق. دعوة تبصق على تاريخ الوطن وتلتف على حقيقة أن كل التضحيات والدماء من الجنوب والشمال كانت من أجل هذا السودان…، دعوة لا ترى بعين المستقبل لأنها مشدودة إلى الماضي، ومنكفئة على ذاتها.

لكن، كان هنالك ما هو أسوأ من ذلك..! فقد ذهب وفد حزب المؤتمر الوطني إلى نيويورك، لا ليقدم مشروعا لإقناع وفد الحركة الشعبية بالحفاظ على وحدة البلاد، وإنما ذهب فقط لخطب ود الإدارة الأمريكية طالبا التغاضي عن موضوع المحكمة الجنائية! وموضوع سفر وفد الحكومة ذاك، أعاد إلى الأذهان سؤالا هاما، إجابته “منه وفيه”، يقول: لماذا يستجيب قادة السودان، بسرعة وترحاب، للدعوات التي تأتيهم من الخارج لمناقشة قضايا الوطن، مثلما ظلوا يشدون الترحال لمناقشة قضية الوحدة والانفصال، في حين الاستجابة تكاد تكون منعدمة أومليئة بالمطبات عندما تأتي الدعوة من الداخل؟ ماالذي كان يدفع بالحكومة، جنوبها وشمالها،إبان فترة ما قبل الاستفتاء، للبحث خارج حدود الوطن عن حلول للتفاصيل المتشربكة لمسألة الاستفتاء، وما الذي يمنعها من خوض الحوار حول ذات الموضوع مع الاطراف السودانية الأخرى في الداخل؟ ولماذا تحولت مسألة الاستفتاء آنذاك إلى رصد لتحركات المبعوث الأمريكي آنذاك، السيد غريشن، والتكهنات حول مدلولاتها، وإلى فتح خط ساخن بين واشنطن والخرطوم، وواشنطن وجوبا، ولقاءات في القاهرة، ثم لقاءات في نيويورك… وكان كل ذلك يتم في ظل أجواء مشحونة بالوعود والوعيد؟! لم يتم التعامل مع الإستفتاء، خاصة من جانب النخب الحاكمة، وبالأخص في الخرطوم، بإعتباره إمتحان مصيري سيتخلل مسامات كل الشعب، في الشمال وفي الجنوب، ومن أجله كان يجب أن تكون كل الخطوط مشغولة بمحادثة طويلة بين مدن الشمال والجنوب، تحكي فيها حكاوي الحرب والسلام، وتتداعى فيها سيرة الابطال والشهداء، ويدار فيها نقاش حول أشياء كثيرة ضاعت في تلافيف راهن تلك الفترة، حتى يتم التوصل إلى تفاهمات وإتفاقات هنا وهناك…، فلماذا ساد ذاك التوهان المسيطر في كل المعسكرات؟! أعتقد من البداهة أن نبحث عن الإجابات على هذه التساؤلات، وغيرها، في الممارسات السياسية لكل من معسكري الحكومة والمعارضة. وفي تقديري، فإن ما كان يحرك معسكر الحكومة، وبالمناسبة لا يزال، هو منهج التشبث ومواصلة الاستحواز على كل شيئ، مستخدمة كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الاستجابة والانحناءة للخارجي الأقوى، بل وخطب وده. في حين أن ما ظل يحرك معسكر المعارضة كان هو منهج “كل شيئ أو لاشيئ”. وفي الحالتين يكون الضائع هو منهج المساومة والتنازل لصالح بقاء الوطن الموحد ولصالح الأجيال القادمة.

أخيرا، وفي إطار توجهات ما بعد 11 سبتمبر 2001، كانت الخرطوم، ولا زالت، تقرأ في عيني أمريكا رغبة مشعة في أن يتقلص الوجود السياسي القوي والفاعل في السودان في حزبين فقط، احدهما مسيطر في الشمال والآخر مسيطر في الجنوب، وكلاهما يستجيب لأمريكا غض النظر إن ظلا شريكين في دولة واحدة، أو كل منهما يحكم دولة مستقلة عن الأخرى. لذلك، وفي كل صغيرة وكبيرة تخص البلاد، لم تمانع الحكومة، شمالا وجنوبا، في الهرولة تجاه أمريكا، والأخيرة ظلت تستخدم بذكاء وفعالية عددا من الكروت بما في ذلك كرت المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للشمال وكرت دعم الدولة المستقلة بالنسبة للجنوب. لكن، ما يهمنا هنا، أن المؤتمر الوطني، وفي إطار ما كان يحكم علاقتة الجديدة مع أمريكا آنذاك، كان مستعدا للتنازل عن عدد من “ثوابته” الآيديولوجية، في حين هو يرفض ذلك حيال الأطراف السودانية المختلفة عندما تطرح قضايا الوطن المصيرية، خاصة قضية الوحدة والانفصال، علما بأن مبدأ المساومة/التنازل الآيديولجي هو الأساس بالنسبة لعملية بناء الأوطان.

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (8 والأخيرة)  https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان   منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات مقابل منهج الأفق الأنبوبي ذو الاتجاه الواحد:   في البدء نقول أن التعامل مع قضايا التطور الاجتماعي السياسي يمكن أن يتم من خلال منهجين، منهج الأفق المفتوح متعدد الإتجاهات مقابل منهج الأفق الأنبوبي ذو الإتجاه الواحد 'multidimensional approach versus the tubular approach'. ولقد إبتدرنا...صحيفة اخبارية سودانية