د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  في المقال السابق، عرضت رسالة وصلتني من صديق، يعبر فيها عن شكوكه في قدرة الأحزاب السياسية، معارضة وحكومة، على إحداث إختراق في الحالة السياسية في البلد، خاصة وأنها لم تستفد من سنوات الفترة الانتقالية الست بعد توقيع إتفاق السلام الشامل. وعند مناقشتي لتلك الرسالة، أقريت بموضوعية ومعقولية النقاط الواردة فيها، إلا أنني أشرت إلى ضرورة دحرالإحباط وهزيمة اللامبالاة، إذ لا بديل أمامنا سوى أن نطلق حماسنا ونرفع رايات الأمل. فحماس الناس، المنظم والواعي، قادر على شحذ إرادة التغيير وقلب الموازين في اللحظات التاريخية الحاسمة….

لكن، أيضا أثارت الرسالة عاصفة من التساؤلات بذهني، تتعلق بجوهر قيمة الفعل النضالي وجدواه، سواء تاريخيا أو في لحظته الراهنة. وقدًرت أن إبراز هذه التساؤلات للقراء سيسهم في مناقشة عدد من القضايا السياسية ذات الطابع الفكري، التي لا تفترض الإجابات القاطعة ولا تقبل الحلول المطلقة، مشيرا في نفس الوقت إلى أن عدم الوضوح حول هذه القضايا تسبب في إصابة الكثيرين بالإحباط وإقعادهم عن المشاركة الإيجابية في الهم العام، على الرغم من أن اللحظة الراهنة في عمر الوطن هي لحظة دقيقة وحرجة، ونحتاج فيها لجهد الجميع. فالأزمة في بلادنا بلغت الحلقوم، ولم نعد على شفا حفرة من نار، بل نفترب من مستقرها…!
التساؤلات التي عصفت بذهني، تتمحور حول مناهج التعامل مع قضايا الوطن، وتحديدا حول منهج تحقيق الهدف من أول وهلة، أو بضربة لازب، مقابل منهج التدرج، بل والمساومة أحيانا، لفتح الطريق أمام التقدم نحو الهدف الرئيسي. وأيضا حول منهج الأفق المفتوح متعدد الاتجاهات، مقابل الأفق الضيق ذو الاتجاه الواحد، في النظر لقضايا التطور الاجتماعي السياسي في البلد، وحول ضرورة الإنفتاح على أدوات ومناهج عمل حديثة تؤسس لنفسها في المسرح السياسي. وسنحاول في عدد من المقالات إبراز وجهة نظرنا حول القضايا السياسية / الفكرية المضمنة في هذه التساؤلات. لكن، وحتى لا ياتي حديثنا مجرد تنظير معلق في الهواء، رأيت التمهيد بخارطة زمنية سياسية تتضمن بعض المنعطفات الرئيسية على مستوى التفاوض السياسي ومستوى الحراك الجماهيري، وذلك خلال الفترة من 1989 وحتى 2005، تاريخ التوقيع على اتفاق السلام الشامل.

خارطة زمنية / التاريخ السياسي للمفاوضات
1989 – 1996
* مفاوضات الحكومة والحركة الشعبية في أديس أبابا وأبوجا…، بلا نتائج ملموسة.
* 1992-1993، تحمس الحركة وحزب الأمة لمبادرة هراري التي نصت على عقد لقاء بين الحكومة والتجمع المعارض… تصلب الحزب الشيوعي ضد المبادرة بإعتبارها لم تتضمن أي إعلان مبادئ أو أجندة محددة، وأن فصائل التجمع حتى تلك اللحظة لم تتوحد بشكل كاف حول ميثاقه، ولم يكن لديها أي برنامج أو خط سياسي موحد متفق عليه…. وماتت المبادرة في مهدها.
* 17 أبريل 1993، إتفاق فصائل المعارضة على إعلان نيروبي كمقدمة لتوحد الحركة الشعبية لتحرير السودان الكامل مع التجمع وتمهيدا لمؤتمر أسمرا:
1- تعتبر المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السودانية ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري. 2- يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري.
* 1994 الحكومة تطلب من دول الإيقاد التوسط……، تكوين مجموعة مبادرة الإيقاد حول السودان.
* 1994 المجموعة تصدر “إعلان مبادئ الإيقاد” كأساس لوقف الحرب في جنوب السودان، وأبرز نقاطه تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة…… الحركة الشعبية توافق على الإعلان والحكومة ترفضه.
* 1995 التجمع يعقد مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية الذي تبنى إعلان مبادئ الإيقاد وإعلان نيروبي، والاتفاق على تفاصيل أوفى حول كيف يحكم السودان.
* 1996 بداية عمليات التجمع العسكرية في الجبهة الشرقية.
1997 – 1998
* الحكومة تعلن فجأة موافقتها على إعلان مبادئ الإيقاد!!.
* إزدياد وتيرة المفاوضات بين الحكومة والحركة، ولكن أيضا دون جدوى.
* حزب الأمة يحتج على استمرار الحركة في التفاوض ويطالب بمشاركة التجمع في التفاوض…
* والتجمع يوسع عملياته العسكرية.
* الحركة تؤكد إستمرارها في التفاوض، لكنها تهمس بأنها لن تتفق مع الحكومة، وبعض قوى التجمع سعيد بذلك ومتأكد أن المفاوضات لن تنتهي بإتفاق…!
* نقاش في التجمع حول إلى أين سيقود التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية ينتهي بقرار بالإجماع ينص على:1- إستمرار الحركة في مفاوضات الإيقاد. 2- تسعى الحركة لإدخال التجمع في التفاوض. 3- الحركة لا تفاوض بإسم التجمع أو نيابة عنه. 4- إذا تم إتفاق فإن الحركة تعرضه على التجمع ليقره قبل التوقيع النهائي عليه.
1999 – 2000
* المفاوضات تتواصل دون حدوث إختراق، والتجمع راض!!!.
* حزب الأمة يتفق مع الحكومة في جيبوتي ويجمد نشاطه في التجمع.
* وصول التفاوض إلى طريق مسدود، وبدأت في الأفق ملامح مبادرات جديدة.
* مارس 1997 التجمع يقرر 1- تعدد المبادرات غير مقبول. 2- أي مبادرة جديدة يجب أن تتكامل مع مبادرة الإيقاد.
* 1999 المبادرة المصرية الليبية المشتركة وقبول التجمع لها بشرط تهيئة المناخ وتكاملها مع الإيقاد!!
* إزدياد كثافة الإتصالات تحت الطاولة بين الميرغني وعلى عثمان.
* 1999 مؤتمر مصوع وسيطرة شعار التفاوض… المسعى الأرتري… لقاء البشير وقادة التجمع بالأحضان في أسمر!!!.
* مارس 2000 التجمع يكون لجنة الحل السياسي الشامل للعمل على إدخال التجمع في الإيقاد أو دمج المبادرة المصرية الليبية المشتركة والإيقاد، وذلك على أساس أن الكل: تجمع، حركة وحكومة، موافقون على المشتركة والإيقاد!!
* أغسطس 2000 سافرت اللجنة لكينيا للقاء سكرتارية الإيقاد، لكن لم يتم اللقاء بسبب تهديد حكومة السودان بالانسحاب من الإيقاد… غموض دور الحركة!
2001
* أحداث 11 سبتمبر في أمريكا وتداعياتها.
* اتفاقية جبال النوبة في سويسرا كجزء من المشروع الأمريكي المسمى ” إختبار مدى جدية الأطراف حول الحل السياسي عبر المناطق الآمنة أو الخالية من القتال”.
* إنتشار الدراسات والتقارير من بنوك التفكير العالمية، وبالأخص الأمريكية، حول نموذج وقف الحرب في السودان على أساس دولة واحدة بنظامين، والإصرار أن هذا الطرح مجرد تمرين أكاديمي….،إتضح لاحقا أنه ليس كذلك!.
2002 – 2005
* في 27/1/2002 طلب الملحق السياسي لسفارة الولايات المتحدة في القاهرة لقاءا مع الأستاذ فاروق أبوعيسى، عضو هيئة قيادة التجمع وأوصل إليه رسالة من الإدارة الأمريكية لتوصيلها للجميع. تقول الرسالة:1- الولايات المتحدة تعكف على صياغة مشروع للسلام في السودان تتفاوض عليه الحكومة والحركة تكون الأولوية فيه لوقف إطلاق النار ثم يأتي بعد ذلك البحث عن اتفاق سياسي يتضمن صيغة لمعالجة موضوع علاقة الدين بالسياسة. 2- يقتصر التفاوض على الطرفين فقط ولا مجال لمشاركة التجمع. 3- التفاوض سيكون برعاية الإيقاد وشركاء الإيقاد مع إستبعاد أي دولة أخرى (مصر وليبيا) عن العملية. 4- حدد يوليو 2002 موعداً للفراغ من التفاوض بأي ثمن، حتى ولو بإرغام قرنق على التوقيع على اتفاق جزئي ثنائي، لأن ذلك خيار أفضل من عدم التوصل لاتفاق.
* 20 يوليو 2002 إتفاق مشاكوس القائم على نظامين في دولة.
* اغسطس 2002 تكوين لجنة مشتركة بين التجمع والحركة للتنسيق في التفاوض.
* 25 سبتمبر 2003 الترتيبات الأمنية ووقف اطلاق النار المحدد بفترة تتجدد.
* 7 يناير 2004 اتفاق قسمة الثروة.
* 26 مايو 2004 اتفاق قسمة السلطة ، ابيي، جبال النوبة والنيل الأزرق.
* 31 ديسمبر 2004 اتفاق آليات التنفيذ ووقف إطلاق النار الدائم.
* 9 يناير 2005 الإحتفال بالتوقيع على إتفاقية السلام الشامل.

وسنناقش في المقال القادم بعض الملاحظات حول هذه الخارطة الزمنية (نواصل).

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (2) https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  في المقال السابق، عرضت رسالة وصلتني من صديق، يعبر فيها عن شكوكه في قدرة الأحزاب السياسية، معارضة وحكومة، على إحداث إختراق في الحالة السياسية في البلد، خاصة وأنها لم تستفد من سنوات الفترة الانتقالية الست بعد توقيع إتفاق السلام الشامل. وعند مناقشتي لتلك الرسالة، أقريت بموضوعية ومعقولية النقاط...صحيفة اخبارية سودانية