د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مباشرة بعد انقلاب 30 يونيو 1989، إنخرطت القوى المعارضة لنظام الإنقاذ في دراسة وبحث الآليات والوسائل الضرورية والملائمة للإطاحة بالنظام. وقد توصلت تلك القوى، وتحديدا في التجمع الوطني الديمقراطي، إلى تبني حزمة متكاملة من تاكتيكات العمل المعارض تمثلت في: 1- الانتفاضة الشعبية المحمية. 2- العمل المسلح. 3- الحصار السياسي والدبلوماسي. 4- الحل السياسي التفاوضي. وكان واضحا للجميع، أو لمعظمهم، أن مسألة توافق وتوحد فصائل التجمع المختلفة حول تاكتيكات العمل المعارض ليست مجرد عملية فنية وتقنية، وإنما هي قضية سياسية وفكرية من الدرجة الأولى، ما كان من الممكن أن تتبلور ملامحها إلاَ بعد الاتفاق على البرنامج البديل، أي مواثيق وبرامج وأهداف التجمع الوطني الديمقراطي، وهو ما تم التوصل إليه في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، يونيو 1995. كما توصلت تلك القوى إلى أن أشكال التاكتيكات الأربع تلك لا تفترض إعمال آلية الإزاحة، بمعنى أن تبني هذا التاكتيك لا يفترض إزاحة ونفي التاكتيك الآخر، بل هي تستوجب إعمال التكامل بينها جميعا لضمان فاعلية أي منها. لكن، أرى من الضروري هنا الإقرار بأن تلك المفاهيم/التاكتيكات، ولفترة طويلة، كان يشوبها الكثير من الغموض وعدم الوضوح عند كل أو معظم أطراف التجمع، بحيث من الصعب القول أن كل فصائل العمل المعارض كانت تمتلك نفس الرؤية حول هذه المفاهيم، أو أن الرؤية حول هذه التاكتيكات لم تكن عند الجميع بنفس الوضوح والتحديد. ومن ناحية أخرى، لم تكن المسألة مرتبطة بأفضلية هذا التاكتيك أو ذاك، وإنما ترتبط بعملية التغيير نفسها ومحصلتها النهائية التي ستنتج عنها، وما إذا كان التغيير سيتصدى للأزمة ويعالجها بما هو أعمق من سطحها السياسي، علماً بأن محصلة التغيير ترتبط بالضرورة، وبهذا القدر أوذاك، بنوعية الوسيلة المستخدمة لتحقيقه. وفي الحقيقة، ومنذ صبيحة إنقلاب الإنقاذ، بادرت جماهير الشعب السوداني، بشكل مباشر وعفوي، بطرح السؤال الجوهري والمحوري: ما هو البديل؟، وهل ننتفض لتعود الأزمة مرة أخرى كما حدث بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985؟. ومن الواضح أن ذاك السؤال لم يكن بحثا عن إجابة غير معروفة أو تائهة، بل كان يحمل في طياته إجابة شافية تعبر عن رغبة جماهير الشعب السوداني في التخلص ليس فقط من نير الديكتاتورية، وإنما التخلص من خناق الأزمة الممتدة منذ فجر الاستقلال في بلادنا. كما أن الجماهير لم تتناول هذا السؤال من زاوية المتفرج أو المراقب السلبي، وإنما انخرطت، ومنذ فجر الإنقلاب، في حرك بطولي، متعدد الأشكال والألوان، بذلت فيه تضحيات جسام يعجز المرء عن وصفها، من أجل الديمقراطية والسلام والعيش الكريم.

وإذا كان تاكتيكا الإنتفاضة المحمية أو العمل المسلح يتسقان مع فكرة المقاطعة التامة والشاملة لنظام الإنقاذ ومؤسساته تماشيا مع شعار “الإقتلاع من الجذور”، فإن آلية الحل السياسي التفاوضي، تعنى بقاء نظام الإنقاذ، بشكل أو بآخر، ليكون جزءا من البديل القادم، وهو ما لم تكن تهضمه مجموعات كثيرة كانت ترى في الحل السياسي التفاوضي منزلقا وهزيمة للعمل المعارض. وبالطبع غاب عن أولئك وهولاء، أن المسألة لا تحدد بالرغبة، أو ما إذا كانت هنالك عصارات كافية لهضم هذه فكرة أو تلك، وإنما تحدد بميزان القوى في اللحظة المحددة، وبتوفر الظروف الموضوعية والظروف الذاتية التي من ضمنها إستعداد وقدرة قوى التغيير على إقتناص الفرص.

لكن، حال ما انتقل نشاط التجمع الوطني الديمقراطي المعارض من تاكتيك الإقتلاع، الإنتفاضة والعمل المسلح، إلى تاكتيك الحل السياسي المتفاوض عليه، سقطت أحلام دعاة الحوار والتفاوض، وتبدى احباطهم في تبنيهم لمنهج الرفض والمقاطعة مستندين إلى الممارسات المشينة القبيحة لنظام الانقاذ بدءا بعرقلة التحول الديمقراطي ومهازل الانتخابات، وإنتهاءا بإلتفافه على تنفيذ الإتفاقات الموقعة، وليدة الحل السياسي التفاوضي. وإذا كان من الصعب أن نتفق مع من يرفض مبدأ الحل السياسي التفاوضي، فإن من الضروري الإقرار بأن مواقف هولاء لم تكن كله خاطئة، من زاوية أن الحل السياسي التفاوضي لم يكن مسنودا بالشرط الأساسي لنجاحه والمتمثل في إستصحابه لوسائل وبرامج وخطط عملية ملموسة للإنخراط في النضال الجماهيري اليومي، لا سيما وأن الجماهير لم يصلها من الاتفاقات الموقعة ما يرضي تطلعاتها ويلبي إحتياجاتها، في حين أن بعض قياداتها إكتفت بمقاعد السلطة المنثورة على الأرصفة والشرفات…!

من ناحية أخرى، هناك الكثير من المجموعات غير المنخرطة في العمل السياسي المباشر، ولكنها هي حقا قلبها على الوطن، لديها الكثير من الملاحظات والتحفظات على طرق ووسائل إدارة العمل السياسي المعارض، بما في ذلك أداء الأحزاب السياسية نفسها. وتشمل هذه الملاحظات والتحفظات: الخطاب السياسي، التاكتيكات، البناء التنظيمي، القيادة…الخ. وهذه المجموعات لا تكتفي بإبداء الملاحظات النقدية فقط، وإنما تبادر بتقديم الحلول والبدائل والدعم. وفي هذا الإطار، وصلتني قبل فترة رسالة من رجل أعمال صديق ينتمي إلى إحدى هذه المجموعات، وهو، بلغة الشيوعية، من أقطاب الرأسمالية الوطنية، وله مواقف مشهودة، يتفق معي الكثيرون على وجوب تسجيلها وتوثيقها لتتعلم منها الأجيال، الراهنة والقادمة، كيف يمكن الموائمة بين تنمية رأس المال الخاص والمساهمة الفعالة في دفع عجلة تنمية الوطن. والرجل إبن هذه البلاد، يحلم بنمائها وتطور إنسانها، ويبحث دائما عما يفرح البسطاء والمهمشين من سكانها. دخل عالم الصناعة مؤهلا بالعلم والنظرة الثاقبة لأولويات احتياجات الناس. وهو يرفض أي نشاط اقتصادي يتجاهل منفعة الفقراء، ولا يمكن أن يتسامح مع الأغنياء الجدد الذين راكموا ثرواتهم من نهب جهاز الدولة، وعبثوا بقائمة أولويات التنمية في السودان. وهو ينظر بإستنكار للمفارقة العجيبة في قطاعي النقل والإتصالات في السودان، حيث التطور المذهل في تقنية الاتصالات عبر الهاتف المحمول، مقارنة بالحالة المزرية التي آلت إليها السكة حديد والنقل النهري وسودانير!.

في رسالته، يشكك رجل الأعمال في قدرة الأحزاب السياسية، معارضة وحكومة، على إدارة مؤتمر مائدة مستديرة، أو مؤتمر حوار دستوري ناجح، مستدلا بعجزهذه القوى وفشلها خلال 16 عاما قضتها في المعارضة قبل التوقيع على إتفاق السلام الشامل، وعدم إستفادتها من سنوات الفترة الانتقالية الست بعد التوقيع، ثم الفترة التي تلت إنفصال الجنوب. وهو يعتقد أن أي مؤتمر حوار يعقد سيكون شبيها بمؤتمرات إتفاق جبوتي، اتفاق جدة، اتفاق أبوجا، اتفاق القاهرة، اتفاق التراضي، إتفاق الدوحة…إلخ، كلها طحينا بدون دقيق. وختم الرجل رسالته جازما بأن القوى التي تقطن في “مثلث حمدي” غير مؤهلة للتغيير لأنها غير مستعدة للتضحية، بينما جماهير المناطق المهمشة، لأنها صاحبة الوجعة الحقيقية، مستعدة لتقديم المزيد من التضحيات من أجل تحقيق طموحاتها، وأنها هي الوحيدة المؤهلة لتحديد شكل علاقتها بالمركز، مدعومة من مناصريها. وإن المعالجة الحقيقية تبدأ بالتغيير في بنية المركز، حكومة ومعارضة.

بعد أن قرأت الرسالة، خرجت بإنطباع، قد يكون خاطئا، من أن صاحبها ربما تمكن منه الأحباط بسبب الأوضاع الراهنة في البلاد. وفي الحقيقة فإن حالة الإحباط واليأس أصابت الكثيرين الذين يرون ألا فائدة ترجى من الفعل السياسي نفسه، حتى البسيط منه مثل التضامن مع مجموعات متضررة أو مناصرة قضية بعينها، ناهيك عن المبادرة والإنخراط في نشاط ما. كون أن نصل إلى قناعة بعدم جدوى الحوار والتفاوض، فهذا ممكن ومفهوم، خاصة إذا كنا نتحدث عن لحظة معينة وزمان محدد، دون أن نسقط المبدأ. ولكن أن يتملكنا الإحباط من العمل السياسي مطلقا، فهذه “حارة”، وهي في النهاية، حلم ومنى الطغاة. ومن هنا كان ضروريا أن يتربع على رأس أولوياتنا كيفية دحر الإحباط وإستثارة الحماس، لأن حماس الناس، المنظم والواعي، قادر على قلب الموازين في اللحظات التاريخية الحاسمة. منافسات كأس العالم، أو كأس أوروبا أو إفريقيا، في كرة القدم، تذهلنا جميعا بقدرتها على حشد الملايين من كل بلد، وتفجير حماسهم وتفاعلهم مع هذه المنافسات إلى حد الهوس. ونحن في السياسة أحوج ما نكون إلى مثل هذا الحماس وهذا التفاعل. نحتاج إلى مثل هذه الكرنفالات الإحتفالية وفرحة الانتصارات، بل وحتى دموع الهزائم المصاحبة لمباريات المنافسات هذه، وذلك لهزيمة اللامبالاة وحالات الإحباط، ولرفع رايات الأمل وشحذ إرادة التغيير. فالأزمة في بلادنا بلغت الحلقوم، ولم نعد على شفا حفرة من نار، بل نفترب من مستقرها….، لا بديل أمامنا سوى أن نطلق حماسنا ونبث الأمل من أجل التغيير.  (نواصل).

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (1)  https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانمباشرة بعد انقلاب 30 يونيو 1989، إنخرطت القوى المعارضة لنظام الإنقاذ في دراسة وبحث الآليات والوسائل الضرورية والملائمة للإطاحة بالنظام. وقد توصلت تلك القوى، وتحديدا في التجمع الوطني الديمقراطي، إلى تبني حزمة متكاملة من تاكتيكات العمل المعارض تمثلت في: 1- الانتفاضة الشعبية المحمية. 2- العمل المسلح. 3- الحصار السياسي...صحيفة اخبارية سودانية