في وسط ميدان الشهداء بأم درمان، غربي العاصمة الخرطوم، تقبع مقبرة أحد “شهداء الثورة المهدية”، 1885 – 1898م، تقع غرفة نوم متشردي، ميدان الشهداء الصيفية،  وهي مؤثثة بـ”الكراتين” وبعض الأقمشة والملاءات المهترئة، ومتكئها “كراسيها”، “درابزين” مقبرة “شهيد المهدية”.

يحيط  بغرفة نوم متشردي الشهداء من ثلاثة جوانب مكب للنفايات، أما أسِّرة الأطفال الرضع، فهي كراتين مفروشة بإسفنج ما.

في  مدخل حي الشهداء ترتفع وتيرة “ألعابهم العنيفة”، نحو السادسة مساءً. بدأ المواطنون الموجودون في تلك الناحية الانتباه، إلى ما يدور، فقد كانت اللعبة صفع على الظهر والرقبة، ثم هرولة، ثم إطلاق ضحكات صاخبة، وأكثر من تعرض للصفع، واحداً منهم يُدعى عبد الرحمن 30 سنة كما قال لي لاحقاً، ” ساعتها كان لا يبصر بشكل مؤقت، ” يرجح أن يكون السبب تعاطيه مادة “السليسيون”، و “الإسبرت” ..

لا يقدر معرفة مصدر توجيه الضربات لـ”عبدالرحم”، وصُفع صفعات مؤلمة لأكثر من خمس مرات، حتى توسلهم، وعندما استجابوا لتوسلاته، بوقف الصفع لم يتوقف إرعابه، بإيهامه، بأن هنالك ضربة ما مصوبة نحوه، وقد أوهمته، إحداهن تُدعى رجاء بالضرب كثيراً، في حوالي العشرين من عمرها، وهي لديها وليد لم يتسن لـ(الطريق) معرفة اسمه، وعمره يتجاوز العام بقليل، حملته معها ساعة انتقال الجميع، إلى مرقدهم الليلي بوسط ميدان الشهداء، حيث مقبرة شهيد المهدية.

وفقد العديد من المتشردين السودانين بصرهم، وحياتهم في السنوات الأخيرة، قال عبد الرحمن، لـ (الطريق): “كان معانا هنا في الشهداء، أخونا  اسمو بوشكا، بقى ما بشوف وخلا الشهداء، وأخوانا تانين عموا وماتو الله يرحمهم”.

لم يدخل عبد الرحمن، المدرسة في يومٍ من الأيام وهو الآن ابن الثلاثين، كما أخبرني، لكنه انخرط في معهد لتعلم الحدادة في الخرطوم في العام 2002م لكنه تركه فيما بعد، و أضاف أنه رغم ذلك يفهم جيداً، ويعرف ما الذي يدور من حوله.

ويعيش عبد الرحمن، في منطقة الشهداء منذ منتصف التسعينات، قادماً من مدينة ود مدني بوسط السودان حسبما أخبرني، وأنه يصغر إثنين من أشقائه ويكبر أربعة آخرين، وأن أمه وأبيه وأعمامه لا يزالوا يعيشون هنالك، وأن آخر مرة كان قد ذهب فيها إلى ود مدني قبل حوالي سنة ونصف، وكان شوقه متقدا إليها أثناء حديثنا عنها. وقال لي إنه قريباً جداً سيذهب إلى ود مدني، سيفعل ذلك بعدما يجمع مبلغاً من المال، وأضاف: “إنه يعمل أحياناً في حي الملازمين بأم درمان غربي العاصمة الخرطوم، عند أحد أصدقائه، بتنظيف الحديقة المنزلية، وريها”.

وعن المتشردين وعوالمهم، يقول الروائي والكاتب السوداني، منصور الصويم، إنه لصيق جداً بعوالم المتشردين  منذ صغره، وحكى لـ(الطريق) قصة متشردين جزئياً ينحدران من أسرتين معروفتين بمدينته نيالا، بولاية جنوب دار فور، غربي السودان، حيث أن أحدهما الآن اندمج في المجتمع، بل وكوَّن ثروة كبيرة جداً، وحتى أنه سافر إلى السعودية وعمل هنالك لفترات، أما المتشرد الآخر فقد اندمج هوالآخر في المجتمع مرة أخرى، لكن من دون تمييز.

ورسم الصويم، في روايته الشهيرة “ذاكرة شرير”، الحائزة على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2005م، والمترجمة إلى اللغة الفرنسية في 2013م، عوالم المتشردين بشكل مدهش، ونقل حيواتهم ومعاناتاهم إلى حيز الأدب، كما أشار إلى ذلك نقاد عديدون.

ويضيف منصور لـ(الطريق)، أن المجتمع التقليدي ينظر إلى المتشردين “الشماسة” باحتقار واشمئزاز، لأنه مسيّج بالعادات والتقاليد ووهم النقاء العرقي، ويرفض التعامل مع أي فئة تخرج عن وعيه الذاتي، وقد وصمهم اجتماعياً “دا شماسي ساي” منذ ظهورهم على السطح في كبريات المدن السودانية والعاصمة الخرطوم في حقبة السبعينيات من القرن العشرين، إلا أنهم لم يعرفوا الانتشار الواسع إلا في حقبة الثمانينات.

ويرى الصويم أن الحل، لابد أن يكون مجتمعياً وحكومياً، فالمتشرد إنسان دفعت به ظروف الحرب، الجوع، الظروف الأسرية، إلى أتون هذا العالم، يجب أن تكون النظرة إليه كذلك، يقول الصويم. في الحل المجتمعي يواصل: يجب إبراز قضيتهم إلى السطح، بقيام حملات في هذا الاتجاه لإبراز، حقهم في نيل حياة أفضل. ويلوم الصويم الدولة لعدم قيامها برعاية هؤلاء المتشردين، بإنشاء دور رعاية وإيواء، وإعادة دمجهم في المجتمع، فالآن هم خارج السياق المجتمعي، وكأنهم غير موجودين، يقول.

وللمتشردين السودانيين لغة خاصة تعرف بـ(الراندوك)، وهي دينامكية للحد البعيد، إذ أنها تجدد نفسها بشكل تلقائي.

استأذن عبدالرحمن، لانهاء الحديث ليضع بعض مادة “السلسيون” على قطعته، وبالفعل بدأ في وضع القطعة على فمه، وقال ” استطيع الوقوف، لأني مصاب في ركبتي، منذ أسبوع، أثناء أدائهم لمباراة في كرة القدم مع أولاد الخرطوم”، جرت، كما يقول في السياج الخارجي لاستاد الخرطوم بوسط العاصمة، وقال إنهم خسروا بثمانية أهداف مقابل هدفين، وأن خانته في الملعب مدافع.

عبد الرحمن ليس لديه صديقة، وبالتالي ليس لديه أطفال مثل غالبية رفقائه، كما أخبرني، إذ قال أنه كانت لديه علاقة سابقة، ولكنها لم تكتمل، “لأنها نيلية، ورافعة سعرها”، أي أنها، تعالت عليه، ورفضته، وأنه ما يزال يبحث عن “حبيبة أخرى”، وأنه يتمنى أن يتزوج بقسيمة، وليس بطريقة رفقائه الحاليين.

وعبد الرحمن، رغم حديث (الطريق) معه لأكثر من ساعة، رفض تصويره، إلا أنه قصير القامة وشاحب الوجه، وقال بأنه صابر إلى النهاية، فليس بوسعه أن يفعل شيئا ما، رغم ما يراوده من حلم بامتلاك وثيقة “الرقم الوطني” وجواز سفر، ليغادر هذا البلد مثلما غادره، الآلاف كما قال لي، بعد أن غزاه الأجانب الذين يأكلون خيراته ونحن نأكل “بقاياهم” على حد تعبيره.

ويقول عبدالرحمن، انهم  يتجاوزون عقبة الشتاء بفضل بعض المنظمات الخيرية التي تأتيهم بحاجيات البرد، “سويترات، وبطانيات”، وبعض الوجبات، وقال إن جزءاً كبيراً رجال الشرطة يعاملونهم بقسوة، ولا يملكون إزاء ذلك حيلة، فهم يرتدون “شرف الدولة”، -تعبير شعبي يشير إلى رجل الشرطة- ، وأنهم صابرون ليس بوسعهم فعل الكثير، وقد قسّم لي رجال الشرطة إلى نوعين، نوع يعمل من أجل كسب معاشه ونوع آخر، يعمل للمضاداة وهذا يدخل إلى الشرطة لتصفية حساباته، مع شخص ما.

لم يتسن لـ(الطريق)، معرفة اسمي رفيقتي رجاء، وكلتاهما، أم. إحداهما تبدو في منتصف العشرينات، وتمتلك كاريزما عالية جداً، والثانية في حدود الرابعة عشرة، هائمة بشدة، ولا تعرف على الأرجح إلا وليدها، كانت واقفة لوحدها في منتصف الشارع لمدة طويلة، وتدخن في متبقي سيجارة “قبورة”، إلى أن باغتتها المتشردة ذات الكاريزما، مقتلعة إياها منها، صائحة: قبورة، ثم أطلقت ضحكة عصبية، على إثرها أفاقت المتشردة الهائمة بشدة قليلاً.

وبحسب آخر إحصاءات رسمية، فإن هنالك قرابة ال 38 ألف متشرد بالسودان، منهم نحو 14 ألفاً بولاية الخرطوم.

وكان ما يصل لـ80 متشردا لقوا مصرعهم في أنحاء متفرقة من ولاية الخرطوم عام 2011م، وقالت السلطات حينها أنهم ماتوا نتيجة لتعاطيهم مادة الإيثانول السامة. ولم تسفر التحقيقات عن اتهام أي شخص وتقديمه للمحاكمة، رغماً عن اتهامات بأن مقتلهم كان مدبراً.

وتقول وزارة الرعاية الاجتماعية في السودان، انها ترتب لدمج الأطفال المشردين في العائلات التي ترغب في تبنيهم وتربيتهم، لكن هذا الاتجاه لم يسفر عن دمج سوي 35 طفلاً منذ أربعة أعوام.

تقارير- الطريق

مشرّدو السودان.. حياة تحفها المخاطرhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/01/IMG-20160119-WA0014-300x143.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/01/IMG-20160119-WA0014-95x95.jpgالطريقتقاريرخدماتفي وسط ميدان الشهداء بأم درمان، غربي العاصمة الخرطوم، تقبع مقبرة أحد 'شهداء الثورة المهدية'، 1885 – 1898م، تقع غرفة نوم متشردي، ميدان الشهداء الصيفية،  وهي مؤثثة بـ'الكراتين' وبعض الأقمشة والملاءات المهترئة، ومتكئها 'كراسيها'، 'درابزين' مقبرة 'شهيد المهدية'. يحيط  بغرفة نوم متشردي الشهداء من ثلاثة جوانب مكب للنفايات، أما أسِّرة...صحيفة اخبارية سودانية