تضاربت التصريحات الرسمية حول ما رشح عن إيقاف بنوك أوربية وبنوك سعودية التعامل المصرفي مع الأموال المحولة بالعملات الأجنبية من و إلى السودان، فالبنك المركزي قلل من أهمية هذه القرارات واعتبرها إجراءات طبيعية تقوم بها بعض البنوك في إطار الضبط المؤسسي لتلك البنوك، واعتبر خروج بعض البنوك أو دخولها في التعامل المصرفي أمراً طبيعيا ويحدث باستمرار، وفي نفس الوقت فإن المؤتمر الوطني عبر عن قلقه لهذه الخطوة، وكشف أنه يقوم باتصالات معلنة وغير معلنة لإعادة الأمور إلى نصابها في التعامل مع المصارف السعودية مُتهماً بعض الدول بالضغط على تلك البنوك لانتهاج سياسات محددة لإحكام الحصار الاقتصادي المفروض على السودان.

والتبرير الذي قدمه بنك السودان لا يبدو مقنعاً، فهذه الخطوات تأتي في أعقاب اتصالات قامت بها الولايات المتحدة المهيمنة على سوق المال العالمي، والتي تربطها مع المصارف العالمية علاقات ومصالح لا تستطيع تلك الدول أن تتخلى عنها إرضاءً أو مجاملة للسودان خاصة وأن حجم التعامل مع السودان لا يستحق منها الوقوف في وجه الآلة الاقتصادية الأمريكية، وقد سبق أن أوقعت الولايات المتحدة غرامات مالية كبيرة على بنوك تجاوزت قيود المقاطعة الأمريكية وتعاملت مع السودان وبلغت تلك الغرامات أضعاف أضعاف أي أرباح تجنيها من السودان. ولذلك فإن أي بنوك توقف التعامل مع السودان سواء كانت عربية أو أوربية لا تقدم على هذه الخطوة ولا تفعل ذلك في إطار(الضبط المؤسسي الداخلي الطبيعي) الذي يشير إليه تبرير بنك السودان، بل هو قرار يستجيب لضغوط متصاعدة من جهة تملك قدرة كبيرة على الضغط، وهذا هو السبب الذي حدا بالحزب الحاكم لاتهام بعض الدول (بانتهاج سياسات ترتبط بالحصار الاقتصادي المفروض على السودان). واستناداً إلى هذه الرؤية فإننا على العكس من تبريرات بنك السودان نتوقع أن تتوسع هذه الضغوط، وأن تنظم مصارف أخرى إلى قائمة الدول والمصارف الكبرى التي تتخذ مثل هذه السياسة تجاه السودان، وهذا هو ما حدا بنا أن نطلب إلى المسؤولين الاقتصاديين في الحكومة أن يأخذوا هذا التهديد مأخذ الجد، وأن يعتبروا الإجراءات التي اتخذتها بنوك عربية وأروبية مرحلة أولى في حملة مرشحة لأن تتصاعد لتحكم الحصار الاقتصادي على السودان بصورة تضر بمصالح السودانيين وليس بالحكومة وحدها لأن الضحية لهذا الحصار سيكون هو المواطن السوداني العادي. مثل هذا الموقف يقتضي تحركاً سياسياً ودبلوماسياً يستشعر خطورة الإجراء ويحاول الوصول إلى تفاهمات تبدد هذه المخاطر، ومعالجات مع الدولة التي تمارس هذه الضغوط وهي الولايات المتحدة لمعالجة الأسباب الجذرية لهذا الموقف. وإذا كانت مساعي الحكومة للتفاهم مع الولايات المتحدة قد فشلت في الماضي فهذا لا يمنع معاودة المحاولات مع التصدي لإزالة الأسباب التي تعيق تقدم المحاولات، وسيرتبط هذا بصورة أو بإخرى بحدوث تغييرات جذرية في الوضع الداخلي السوداني للوصول إلى تفاهم مع الطرف الآخر؛ فالتغيير السياسي الصحيح هو الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى معالجة الأزمات الاقتصادية الحالية حتى مع الدول العربية التي لها تحفظاتها الخاصة حول بعض السياسات التي تنتهجها الحكومة السودانية حتى في المحيط الإقليمي.

موضوع الأزمة الاقتصادية الحالية وتداعياتها لا يمكن معالجته بمعزل عن التغييرات السياسية المطلوبة، وهي تغييرات أبعادها معروفة تماماً للحكومة ولكن السؤال هو: هل الحكومة مستعدة لإنجازها ؟!.

محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتاقتصادتضاربت التصريحات الرسمية حول ما رشح عن إيقاف بنوك أوربية وبنوك سعودية التعامل المصرفي مع الأموال المحولة بالعملات الأجنبية من و إلى السودان، فالبنك المركزي قلل من أهمية هذه القرارات واعتبرها إجراءات طبيعية تقوم بها بعض البنوك في إطار الضبط المؤسسي لتلك البنوك، واعتبر خروج بعض البنوك أو دخولها...صحيفة اخبارية سودانية