تحدثنا من قبل عن خطورة الحلول الجزئية لازمة الاقتصاد السوداني وتجاهل اسبابها الجذرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقد بدأنا الآن نحصد ثمار اخطاء المعالجات الجزئية وما يترتب عليها من خلل.

الخلل الأول يتمثل في التناقض الواضح في ادارة أزمة النقد الاجنبي ذلك ان المعالجات تنطوي على قرارات متناقضة وكل منها يؤثر سلبا على الآخر فالسياسة المعلنة للحكومة هي اتخاذ كل الاجراءات المتمثلة لرفع قيمة الجنيه السوداني تجاه العملات الاجنبية وهذا هدف صحيح ومطلوب لكن بعض الاجراءات التي تتخذ تؤدي الى النتيجة العكسية تماما وعلى سبيل المثال فإن فتح باب الاستيراد بدون تحويل قيمة يؤدي الى زيادة الضغط على الدولار والعملات الاجنبية والتي تتمثل بصورة اساسية في تحويلات المغتربين وحجمها محدود وغير قابل للزيادة وزيادة الطلب عليها يزيد تلقائيا من سعرها.

اضافة للاستيراد دون تحويل قيمة فإن الحكومة فتحت الباب الاستيراد لسلع اساسية وهامة وتمويلها من سوق النقد الموازي متخلية عن مسئوليتها بتوفير التمويل لها وعلى رأس قائمة السلع التي طبقت عليها الحكومة هذه القاعدة الادوية وبعض المنتجات البترولية ومن ضمنها غاز الطهي وربما تكون هناك سلع أخرى في الطريق والحكومة التي كانت ملتزمة بتمويل الدواء كله بالسعر الرسمي عن طريق توفير عشرة في المائة من حصيلة الصادرات غير البترولية عدلت السياسة وقصرت التزامها نحو الادوية على تمويل ما اسمته(الادوية المنقذة للحياة) وتخلت تماما عن مسئوليتها عن باقي الادوية وهي اغلبية العقاقير الطبية المستهلكة في السودان وحولت اعباءها الى كاهل المواطن وفي الوقت ذاته هزمت بنفسها قرارها بوقف تدهور العملة الوطنية في مواجهة الدولار والعملات الاخرى بل ورفع قيمته.

هذا التناقض في السياسات سيقود ليس فقط في زيادة الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي للعملات الاجنبية بل سيضاعف الاسعار بالنسبة للمواطنين فيزيد الغلاء وسيزيد- ايضا- معدلات التضخم التي تعلن الحكومة مرارا ان سياستها تجاه هي تخفيض التضخم وعندما تصبح اسعار سلع اساسية مثل الدواء وغاز الطبخ فوق طاقة المواطن العادي فإن ذلك يعني ان دائرة الفقر ستتسع ولن تتناقص حسب التعهد الذي قطعته الحكومة على نفسها عندما قبلت اهداف الآلفية!

المدخل الحقيقي لمعالجة أزمة النقد الاجنبي يكمن في توفيره بكميات تخلق توازنا بين العرض والطلب وليس لدى السودان حاليا الموارد التي تخلق هذا التوازن ومازالت حصيلة صادراتنا غير البترولية وذلك يحتاج تخطيط بعيد المدى لرفع الانتاجية كما يحتاج لتمويل للقطاعين الزراعي والصناعي اضافة لدعم الميزان التجاري خلال تلك الفترة وقد وجدت الحكومة مخرجا في التعدين الاهلي للذهب ولكنها هنا تواجه ازمة حقيقية فالمعدنون عن الذهب لن يبيعوه الا اذا تم تقييم اسعاره حسب سعر دولار السوق الموازي ولن يتحصل عليه بنك السودان منهم الا بذلك السعر المضاعف وهذا يعني ببساطة ان على بنك السودان نفسه ان يشارك في تشجيع سعر الدولار المضاعف في السوق الموازي لكي يحصل على ذهب المعدنين الا اذا اسهم بنفسه في خفض قيمة العملة السودانية بشراء الذهب بالسعر المضاعف للدولار او اليورو واذا لم يفعل ذلك سيتم تهريب الذهب بكثافة عبر حدود لا يمكن السيطرة عليها بالاساليب الامنية نسبة لامتداد ووعورة المسالك الحدودية.

الحل الثاني المتاح لعلاج ندرة النقد الاجنبي الى ان نرفع الانتاج ونزيد حصيلة صادراتنا هو ان نحصل على قروض- او معونات- من الدول الصديقة وهي الآن محصورة تقريبا ي دول الخليج والصين وقد ارتفعت مديونية الصين علينا كثيرا اما دول الخليج المتعاطفة مع السودان فهي الآن تواجه أزمة اقتصادية حادة وعجزا في ميزانياتها بسبب تدني اسعار النفط مما يعني صعوبة الاعتماد عليها- اما بقية دول المجتمع الدولي فلها اشتراطات سياسية للتطبيع مع السودان لا يبدو حتى الآن ان الحكومة مستعدة للاستجابة لها بطريقة جادة.

لهذا فإننا لا نتوقع انفراجا قريبا للأزمة الاقتصادية!!

محجوب محمد صالح

لا نتوقع انفراجا قريبا للازمة الاقتصاديةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-196x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءاقتصادتحدثنا من قبل عن خطورة الحلول الجزئية لازمة الاقتصاد السوداني وتجاهل اسبابها الجذرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقد بدأنا الآن نحصد ثمار اخطاء المعالجات الجزئية وما يترتب عليها من خلل. الخلل الأول يتمثل في التناقض الواضح في ادارة أزمة النقد الاجنبي ذلك ان المعالجات تنطوي على قرارات متناقضة وكل منها يؤثر سلبا...صحيفة اخبارية سودانية