في تطورات متسارعة تصاعد الخلاف المصري السوداني وزاد عناصره ومسبباته حتى بلغت اللجوء الى مرحلة الشكوى لمجلس الأمن والتهديد بالمعاملة بالمثل مما يضع العلاقات الثنائية بين البلدين على المحك واذا ظل هذا التصاعد مستمرا قد يصل الى نهايات شديدة الخطورة- وفي رأيى ان قرار مصر بطلب تأجيل اجتماع سد النهضة الثلاثي بين مصر واثيوبيا والسودان في الخرطوم الاسبوع القادم كان سببه احساس القاهرة ان الخرطوم قد لا تكون المكان المناسب لمثل هذا الاجتماع تحت ظل التوتر الحالي.

والآن تركزت الصراعات فى قضيتين اساسيتين: الوضع في حلايب التي استتولت عليها مصر قبل عقدين من الزمان وتعرض بعض السودانيين الى مضايقات واعتقالات واتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة.

قضية حلايب التي كانت بندا مهملا في اجندة الحكومة السودانية برزت الى الاضواء مع اجراء الانتخابات الاخيرة في مصر ومشاركة أهل حلايب فيها ومنعهم من المشاركة في انتخابات اجرتها حكومة السودان في وقت سابق من هذا العام- مبرر الحكومة الى اللجوء لمجلس الأمن سيكون انها ملزمة باثبات حق السودان فيها حتى لا يفرض الأمر الواقع نفسه وحتى لا يعتبر سكوتها على هذا الاجراء تسليما بدعوى مصر ان حلايب جزءا منها- ولكن السؤال الذي سيطرحه الكثيرون هو: لماذا اللجوء الآن فقط بينما مصر اجرت انتخابات سابقة عديدة منذ عهد حسني مبارك في حلايب دون ان يرفع السودان شكواه لمجلس الأمن.

لاجدال ان هناك نزاعا قانونيا حول حلايب وقد حذرنا مرارا من ان تجاهل هذه القضية او عدم التعامل معها بالجدية المطلوبة وبالسرعة المطلوبة من شأنه ان يعرض علاقة البلدين الى خطر عظيم ليس في مصلحة اي طرف- لكن طرحنا ظل لا يجد اذنا سامعة- هناك نزاع قانوني حقوقي حول ما اذا كانت حلايب مصرية حسبما ورد في اتفاقية 1999 المنشئة للحكم الثنائي التي نصت على ان خط عرض 22 هو الحد الفاصل بين مصر والسودان وكل الاراضي شماله مصرية وجنوبه سودانية وحلايب تقع شمال الخط، لكن الرآي الآخر يقول ان الأمر الوزاري الصادر عن الحكومة المصرية بعد اتفاقية الحكم الثنائي بعامين قرر ضم مثلث حلايب للسودان مع تعديلات آخرى صغيرة الحقت اراضي شمال الخط بالسودان واخرى جنوب السودان بمصر واصبح خط 22 معدلا بحكم القانون وحكم الممارسة التي استمرت طوال فترة الحكم الثنائي وطوال فترة الحكم الذاتي وبعد استقلال السودان حتى العام 1957م حينما طالبت بها مصر للمرة الاولى وتصاعد الصراع ووصل مرحلة المواجهة العسكرية على الحدود ورفعت القضية لمجلس الامن وفي مجلس الامن اعلنت مصر سحبها لجيوشها من المنطقة وتنازلها عن اجراء استفتائها في حلايب وعاد الوضع الى مكان عليه وظلت حلايب جزءا من السودان الى ان احتلتها مصر تسعينات القرن الماضي آثر محاولة اغتيال رئيس مصر السابق حسني مبارك في اديس ابابا واتهام السودان بالضلوع في العملية واستقر حكم مصر لحلايب منذ ذلك الوقت.

لا سبيل لحل هذه المشكلة سوى التفاوض المباشر بين البلدين او التحكيم أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية وقد استحال خيار محكمة العدل الدولية لأن طلب تدخلها في القضية يتطلب موافقة طرفي النزاع ومصر رفضت اللجو للمحكمة وما زالت ترفض حتى الآن وربما حان الوقت لكي توافق مصر على اللجوء للمحكمة الدولية حتى لا تظل هذه القضية معلقة وتمثل هاجسا وتهدد بالانفجار في كل لحظة- اما ان تقبل مصر التفاوض المباشر او المحكمة الدولية او التحكيم حتى نضع حدا للازمة اما سياسة التسويف وعدم بحث القضية فهو لن يحل الازمة بل سيزيدها تعقيدا.

اما قضية معاملة السودانيين في القاهرة فلابد من الاتفاق على ان السوداني في مصر ولا المصري في السودان ليس من حقه ان يتجاوز او يعتدي على قوانين البلد الذي يستضييفه وبالمقابل فان اي منها لابد من ان يجد المعاملة الجيدة في البلد المضيف والاكثر رعاية بحسب اتفاقية الحريات الاربعة الموقعة بين البلدين والتحقيق في كل قضايا التعذيب او سوء المعاملة التي يتعرض لها اي طرف كما يجب ان يتم التحقيق في الظروف والملابسات التي ادت الى مقتل عشرين سودانيا في سيناء خلال اسبوع مع ادراكنا ان سيناء بالنسبة لمصر منطقة حرب وليس من حق المدنيين الدخول فيها بلا سبب وهي-ايضا- منطقة تسلل لاسرائيل وبهذه الصفة تغري افارقة كثيرين وليس السودانيين وحدهم وهي تحت اشراف الجيش مثلا في حرس الحدود ولكن لابد من وضع ضوابط تمنع او تحد من اطلاق النار بطريقة قاتلة وهذا نقد وجه لمصر من جهات عديدة واصاب سودانيين في الماضي ولكنه الآن بلغ حدا غير مسبوق مما سيثير المشاعر ويحتاج الى مزيد من  الضوابط من الجانب المصري ولا نشك في ان ثمة وسائل متاحة لمعالجة ازمة الآخرين الذين اعتقلوا بسبب مخالفتهم لقوانين العملة قبل ان تصل لمرحلة المعاملة بالمثل التي تضع البلدين على حافة الهاوية.

فهلا ساد العقل؟

محجوب محمد صالح

مصر والسودان: هلا ساد العقل ؟https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءعلاقات خارجيةفي تطورات متسارعة تصاعد الخلاف المصري السوداني وزاد عناصره ومسبباته حتى بلغت اللجوء الى مرحلة الشكوى لمجلس الأمن والتهديد بالمعاملة بالمثل مما يضع العلاقات الثنائية بين البلدين على المحك واذا ظل هذا التصاعد مستمرا قد يصل الى نهايات شديدة الخطورة- وفي رأيى ان قرار مصر بطلب تأجيل اجتماع سد...صحيفة اخبارية سودانية