انتهت انتخابات مصر إلى النتيجة المعروفة سلفاً والتي أعادت السلطة العليا للقوات المسلحة على النهج الذي سار عليه الحكم في مصر منذ يوليو عام 1952م حينما استولى الضباط الأحرار على السلطة وأسقطوا النظام الملكي وأسسوا(جمهورية) ـ مهما كان دور المدنيين فيها ـ كان العسكريون هم مرتكزها الأساسي ومصدر قوة النظام الحاكم. لقد توالى على دست الحكم أربعة رؤساء جمهورية على مدى ستة عقود هم: محمد نجيب، وجمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، وكان الظن أن الثورة الشعبية التي اندلعت مطلع عام 2011م ستفتح الباب لعودة حكم مدني ديمقراطي تتبادل فيه السلطة الحزاب السياسية بعد ترسيخ قواعد الديمقراطية في هذا البلد الرائد في العالم العربي.

وقد جاء سقوط نظام مبارك في أجواء ربيع عربي شملت كل أرجاء المنطقة، وخلقت موجة من التفاؤل بمرحلة جديدة تحدث نقلة ثورية حقيقية تقضي على نهج الحكم الاستبدادي، وتكفل الاستقرار وسيادة حكم القانون، وتحقق التنمية والعدالة الاجتماعية والحكم الراشد.

لم تكن مرحلة (التغيير) في الوطن العربي سهلة، ولم تكن أجندتها مدروسة، ولم تكن الأرض ممهدة لها، بل إن القوى الاجتماعية التي قادت الانتفاضة الشعبية وعبأت الجماهير، واقتحمت حصون الاستبداد واسقطت الانظمة القديمة، لم تك تلك القوى موحدة، ولم تكن منظمة، ولم تكن لها قيادة. كانت تملك القدرة على إسقاط(النظام) ولا تملك القدرة على فرض(البديل) بل ولم تكن تحمل رؤية واضحة ومحددة لذلك البديل.

السودان له في هذا(السيناريو) التجربة الأكبر عربياً وافريقياً، فإن قوى التغيير أسقطت نظامين عسكريين في أكتوبر 1964م وفي أبريل 1985م، والقوى المجتمعية التي انتجت ذلك التغيير لم تكن هي الأحزاب المؤسسية ولكنها كان المنظمات المجتمعية التي أوقدت الشرارة، ولأنها لم تكن موحدة، ولأنها لم تكن تحمل مشروعاً بديلاً ولا تنظيمات تدعم المشروع، ولا القدرة على إنفاذه فإن الانتفاضة في كلا الحالين لم تحقق التغيير المطلوب وعادت البلاد للمربع الأول في شكل ديمقراطي معطوب مالبث أن سقط أمام المغامرات الانقلابية في مايو 1969م ويونيو 1989م. ما استفدنا نحن ولا استفاد ثوار الربيع العربي من هذا الدرس السوداني فعادوا يكررون تجربتنا التي أورثتنا من الكوارث عدداً وهددت وما زالت تهدد مستقبلنا.

أول الخطايا هو(الهرولة) نحو انتخابات عامة فور سقوط النظام الاستبدادي مع أن الملعب غير مهيأ لاستقبال المنافسة الانتخابية، وثقافة الديمقراطية في أضعف حالاتها بعد حصار دام عقوداً، واللاعبون لا يتمتعون بأي قدر من اللياقة يعين على أداء مباراة متكافئة. اختصار الديمقراطية في صندوق الانتخابات قبل أن تتهيأ كافة الظروف الموضوعية السياسية والثقافية والقانونية، وقبل أن يقوى عود الأحزاب، وتستبين فرص التحالفات مغامرة غير محسوبة لكن نتائجها معروفة سلفاً. فالديمقراطية نهج حكم متكامل، وهي ليست مجرد حكم الأغلبية لكن حكم الأغلبية دون صيانة حقوق الأقلية هو مجرد إعادة إنتاج للديكتاتورية تحت لافتة مزورة!!, حكم الأغلبية دون سيادة حكم القانون، والاعتراف بالتعددية والتنوع، وحماية حقوق الإنسان لهو استغلال للإجراءات لتجريد الديمقراطية من معناها الحقيقي، والهرولة لصناديق الانتخابات قبل أن تتهيأ كل الظروف وتتكافأ الفرص أمام الجميع مجرد تزوير للإرادة الشعبية.. انتخابات مصر السابقة التي رفعت مرسي لدست الحكم، وانتخابات مصر الحالية التي أعادت المؤسسة العسكرية إلى الصدارة لن تقدرا على إحداث التحول الديمقراطي في مصر، وسيظل الاحتقان في مصر قائماً لحين إشعار آخر!!.

محجوب محمد صالح 

التجربة المصرية... ومستقبل الديمقراطية في المنطقةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتعلاقات خارجيةانتهت انتخابات مصر إلى النتيجة المعروفة سلفاً والتي أعادت السلطة العليا للقوات المسلحة على النهج الذي سار عليه الحكم في مصر منذ يوليو عام 1952م حينما استولى الضباط الأحرار على السلطة وأسقطوا النظام الملكي وأسسوا(جمهورية) ـ مهما كان دور المدنيين فيها ـ كان العسكريون هم مرتكزها الأساسي ومصدر قوة...صحيفة اخبارية سودانية