ناجي موسي ،
ناجي موسي ،

   إن حالة المرض المستمر لهي أسوأ ما يمكن أن يعيشه الإنسان، لذلك نجد في بعض الدول ما يسمى بالقتل الرحيم، الذي يعرفه بعض العلماء بأنه “التدخل الطبي المتعمد لإنهاء الحياة و التخليص من معاناة مستعصية علي الحل”، فحالة المرض و الألم المستمر دون علاج ذي جدوى تنهك الجسد و تجعل الإنسان في حالة نفسية سيئة غير قادرٍ على المساهمة في الحياة من حوله أو الإستمتاع بها، و أي مسكناتٍ أو أدوية و إن خففت الالم للحظه فإنها تزيد من الأيام و السنين التي يظل فيها الإنسان حبيس فراش المعاناة.

و لكن ما الذي يجعل معاناة المريض مستعصية علي الحل؟ إن أي عملية تعافي لجسد الإنسان من الناحية الطبية تنقسم إلى قسمين التشخيص و العلاج، فإذا فشل الأطباء في تشخيص المرض أو التوصل للعلاج المناسب فعندها تصبح الحالة مستعصية و يكون الخلاص الوحيد من الألم و المعاناة هو الموت.

هذا و علينا أن نعي بأن التشخيص فيه عمليات كثيرة من فحوصات معملية و دراسة لحياة المريض و تتبع لكل ما قد يكون له علاقةُ بوضعه الصحي الحالي، و العلاج كذلك فيه عمليات أيضاً كثيرة من مقارنة لعلاجات استخدمت في حالات مشابهة و تجارب للدواء و متابعه بعد البدء في العلاج و تقييم لمدى تحسن المريض.

و للأسف  إن سوداننا منذ حتى قبل الإستقلال يعيش حالة مرض تصبح أكثر عمقاً و ألماً  عصياً علي الحل يوماً بعد يوم، و أعراض و تبعات  هذا المرض بادية جداً لنا فلقد إنفصل ثلث الوطن و أحتلت حلايب و الفشقة و أنتشر الإقتتال بين أبناء الوطن و أمتلأت المعتقلات و دخل الألاف من الجنود من مختلف الجنسيات بدعوى حماية السودانيين من أنفسهم.

كل هذه أعراض و إنعكاسات لأسباب داخلية في المقام الأول، و أنا هنا لا أنفي الدور الكبير الذي يلعبه الخارج سواء الخارج القريب الإقليمي أو البعيد الدولي، فالجسد الضعيف يكون أكثر تأثراً بالعوامل الخارجية، و يجب أن نعي بأن ليس من مصلحة الخارج (دون تعميم طبعاً) قوة السودان و إستقراره بل الكثير من القوى الإقليمية و الدولية قد تجد في ضعف السودان فرصةً لنهب الثروات فهي لا تريد لهذا الوطن أن يخرج من أزماته ولا تريد له الإنهيار التام، فهم في ذلك كالطفيليات التي تعيش في جسم المريض لا تريد قتله ولكن تمتص و تعيش من دمه فإن مات أصبح وجودها صعباً و إن تعافى المريض طردها.

لم أرغب في هذا المقال أن أقدم وجهة نظري و أساهم في تحليل و تشخيص الأزمة السودانية و الوصول للأسباب الحقيقية لما نشهده من دمار و خراب و تهتك للنسيج الإجتماعي ، ولكن أود أن أرسل رسالة لكل من يهتم بالشأن السوداني، إن الحلول التي تتعامل مع الأعراض أو القشور ليست بحلول أبداً و إنما هي إضاعة للوقت و تغبيش للرأي العام السودني، فما لم يتم التوصل و التعرف على جذور الأزمة السودانية فإنها سوف تتمدد و تنبت بصورةٍ أكثر تعقيداً، كما من المهم أيضاً أن نعي بأن التشخيص وحده لا يكفي فإن العلاج و إن أتى بعد نقاشات كثيرة و دراسات مختلفة لنمازج مماثلة و مشاركة من عدد من ذوي الخبرة و الإختصاص فإنه لا يكتب فقط على الورق فما أكثر الإتفاقيات و المعاهدات في السودان إن العلاج عملية صعبة و تحتوي بداخلها على الكثير من العمليات من مشاركة و تطبيق و متابعه و تقييم مستمر، هذا و إذا لم تتوفر الإراده الحقيقية و الرغبة الصادقة في حل هذه المعضلات من قبل الفرقاء السودانيين فإن السودان للأسف سيكون مصيره ليس الموت الرحيم و لكن الموت البطئ الأليم.

ناجي موسى
khairelseed@gmail.com

إما الحياة أو الموت!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان   إن حالة المرض المستمر لهي أسوأ ما يمكن أن يعيشه الإنسان، لذلك نجد في بعض الدول ما يسمى بالقتل الرحيم، الذي يعرفه بعض العلماء بأنه 'التدخل الطبي المتعمد لإنهاء الحياة و التخليص من معاناة مستعصية علي الحل'، فحالة المرض و الألم المستمر دون علاج ذي جدوى تنهك الجسد...صحيفة اخبارية سودانية