يجلس بائع المواد الغذائية، صديق محمد توم، متوسطاً بضاعته الموزعة بعناية  بأرفف محله المطل على شارع رئيسي بحي جبرة، جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، وجلسة صديق التي تبدأ في وقت مبكر من الصباح وحتى المساء تتخللها وحدة وندرة ملحوظة في الزبائن القادمين الي محله بسبب عزوف المواطنين عن شراء المواد الغذائية كما هو معتاد في السابق.

واضطربت أحوال الاقتصاد السوداني منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 مستحوذا على ثلاثة أرباع إنتاج النفط. وكان النفط هو محرك الاقتصاد ومصدر العملة الصعبة اللازمة لتمويل واردات الغذاء والسلع الأساسية الأخرى.

ورفعت الحكومة السودانية قبل ثلاثة اشهر للمرة الثانية خلال عامين دعماً على المحروقات، زادت بموجبه اسعار المنتجات المحلية، كما رفعت سعر الدولار الجمركي الذى ادى بدوره الي زيادة اسعار السلع المستوردة.

وتخلُت المواطنة آمنة عثمان التي تسكن حي الصحافة، جنوب الخرطوم، وتدير شئون منزل مكون من ستة افراد بينهم اطفال عن شراء بعض المواد الغذائية الضرورية كاللبن المجفف وبعض السلع التي قالت انها اصبحت بالنسبة لها رفاهية، وتقول آمنة: “ليس من الممكن شراء بعض السلع لأن اسعارها تضاعفت وبالمقابل لم يتحسن أجر عائل الاسرة الذي يتقاضاه شهريا”. وتضيف آمنة: ” لذلك اتدبر الامور بالمتاح من المال، والوضع المعيشي يبدو مؤلماً، فلا يعقل ان تزيد الاسعار بنسبة كبيرة تجعلك تتخلى عن شراء ضروريات للحياة “.

وتمُر على (محمد توم) صاحب محل بيع المواد الغذائية، عشرات الحالات المشابة لحالة المواطنة آمنة عثمان، ويقول ان عدد زبائنه انخفض بشكل كبير بعد الزيادات الاخيرة التي اعلنها الحكومة والتي يقدرها بـ(30%) على جميع السلع المتوفرة بمتجرة.

ويشتكى مواطنون الى جانب ذلك من زيادات في اسعار الخبز والدواء وغاز الطهى. وارتفاع كبير في اسعار الخضروات المنتجة محلياً، ويتأرجح كيلو غرام (الطماطم) ما بين (8-10) جنيهات بدلاً عن خمسة جنيهات قبل شهور قليلة. وينسحب هذا الارتفاع على اسعار خضروات أخرى لا تقل اهمية عن (الطماطم).

عامل بأحد المخابز  (خاص - الطريق)
عامل بأحد المخابز (خاص – الطريق)

ويقول محمد توم: ” ان معظم السلع الضرورية زادت اسعارها بنسب متفاوته، فمثلا سعر كرتونة اللبن المجفف من (720) جنيها الى (1128) جنيها، بجانب زيادة علي سلعة السكر والدقيق والزيوت”.

وسببت هذه الزيادة بالنسبة لمحمد وزملائه التجار كساداً بائناً في حركة البيع، ويقول ان معدل بيعه خلال اليوم انخفض الي النصف تماماً، وحتى من يرتادون محله يطلبون السلع الضرورية جداً ويغادرون محله غاضبين.

وقابل السودانيين في المرتين اللتين رفعت فيهما الحكومة الدعم عن المحروقات في سبتمبر من العام الحالي، ويونيو من العام 2012  موجة الغلاء هذه باحتجاجات هي الاعنف منذ وصول الحكومة الحالية لسدة الحكم في 89 من القرن الماضي، وقتل مايزيد عن الـ(200) متظاهر وجرح آخرون بحسب إحصائيات لمنظمات وجهات مستقلة، فيما تقول الحكومة ان عدد قتلى المظاهرات لم يتعدى الـ (80) شخص.

واختتم بالعاصمة السودانية الخرطوم في الخامس والعشرين من نوفمبر 2013 مؤتمراً اقتصادياً دعت له الحكومة وقاطعته احزاب المعارضة لتدارك المواقف، لكن اقتصاديون مستقلون اكدوا على ان التوصيات التى خرج بها المؤتمر لا تقدم ولا تؤخر في ظل الوضع الاقتصادي المأزوم بالبلاد.

 لكن الرئيس البشير الذي خاطب المؤتمر أقر بان الاصلاح الاقتصادى المنشود يتطلب تعاون محلي واقليمي ودولي وسياسيات خارجية مبنية علي المصالح، وهذا علي عكس ما جاء في مؤتمره الصحفي لتوضيح خطة رفع الدعم وشرح اسبابها سبتمبر الماضى، والذى اكد ان المدخل لعلاقات جيدة مع المجتمع الدولي هي العبور عبر دولة اسرائيل وهذا الامر غير ممكناً لارتباطه بـ “مبدأ حكومته في التعامل مع العدو الاسرائيلي”، بحسب قوله.

ويحذر الخبير الاقتصادي علي عبدالله، من استمرار السياسيات الاقتصادية التى تنتهجها الحكومة في الوقت الراهن ولجوئها الى سد عجز الموازنة عبر اسهل الطرق وهي رفع الدعم عن المحروقات وزيادة الضرائب والجمارك.

ويقول ان مثل هذه السياسيات ستقود الشعب السوداني الى محرقة لا محالة، وان هذا النهج يعبر عن قصر نظر للقائمين على الامر لجهة انه ليس من الممكن ان يتحمل الشعب السوداني اخفاق هذه السياسيات المتمثل في تزايد الصرف الحكومي، والصرف علي الحروبات والصراعات التى لا دخل للشعب السوداني بها لا من بعيد ولا قريب. وماهي قدرة الحكومة اقتصادياً على مواصلتها.

ويعطل أرتباك الاسعار وعدم استقرارها اموال خارجية كان من الممكن ان تسهم في دفع عجلة الاقتصادي السوداني، لكنه وبحسب عبدالله فقد السودان معظم هذه الاموال لعدم الاستقرار في الاسعار الناجم عن عجز في الميزانيات بسبب سياسيات خاطئه، وعليه ان اى اموال تريد ان تستثمر في اي بلد لابد لها من حسابات مبنية علي استقرار في الاسواق لتحسب الربح والخسارة.

ويؤكد عبدالله ان معظم الدول التى تملك راس المال تنظر للوضع العام للدولة وما تصرفه الحكومة علي خدمات مواطنيها من صحة وتعليم وغيرها، وان وجد حجم الصرف ضعيف فهي بالتاكيد لاتحترم مثل هذه الدول، ولنا نقيس وضعنا في السودان على ذلك وكم نصرف على هذه البنود في الميزانيات.

ويرى عبدالله، انه من الضرورى النظر في مجمل السياسات التي تدير بها الحكومة شئون البلاد، وفي ذلك لابد من مراجعات، فالحكومة مرت بحالتي الفقر ووفرة الاموال كعائد من البترول، لكنها لم تتحقق التوزان الاقتصادي المطلوب، ولجأت الحكومة مرتين لرفع الدعم عن المحروقات، ماذا جنت؟ وهل تمت دراسة الامر وهل حقق رفع الدعم النجاح المطلوب؟.

واجاز البرلمان السوداني سبتمبر من العام 2013 ميزانية جديدة للعام 2014 بعجز قدره (12) مليار جنيه سوداني (2.2 مليار دولار).

 

تحقيقات الطريق 

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/DSC01878.jpg?fit=300%2C179&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/DSC01878.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتحقيقاتاقتصاد,مظاهرات سبتمبر بالسودان ، قتل متظاهرين ، السودانيجلس بائع المواد الغذائية، صديق محمد توم، متوسطاً بضاعته الموزعة بعناية  بأرفف محله المطل على شارع رئيسي بحي جبرة، جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، وجلسة صديق التي تبدأ في وقت مبكر من الصباح وحتى المساء تتخللها وحدة وندرة ملحوظة في الزبائن القادمين الي محله بسبب عزوف المواطنين عن شراء المواد...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية