حزمت “هيمانوت” أمتعتها وآمالها بحياة أفضل وغادرت بلدها اثيوبيا، بعد ان ضاقت بها سبل العيش هناك، اتجهت الي البلد القريب شرقاً السودان، وظلت تتنقل بين مدنه وبلداته بحثاً عن لقمة العيش الكريم، إلي ان استقر بها المقام في بلدة نائية بشمال السودان: مدينة الدبة.

وفي الدبة بدأت “هيمانوت” حياتها الجديدة، كبائعة شاي وقهوة مقهي في المدينة يرتاده العشرات يومياً، وما ان بدأت عملها بالمقهي حتي تضاعف رواده، وباتت تجني ارباح جهدها وكدها ما يضمن لها عيشاً كريماً وسداد قيمة ايجار منزلها الذي تقطنه مع العشرات من بنات بلدها، اللائي تعرفت عليهن هنالك. ووجدت أيضاً  العديد من ابناء وبنات بلدها الذين يفوق عددهم المائة، هاجروا جميعا من بلدهم أملاً في حياة افضل، إلي هذه المدينة النائية، والتي تبعد حوالي 400 كلم شمال العاصمة الخرطوم.

دون سابق إنذار، بدأت حملة من المضايقات والتهديدات والتمييز ضد “هيمانوت” (وهو ليس اسمها الحقيقي) ورفيقاتها وأبناء بلدها الاثيوبيين بمدينة الدبة، ورشحت الاخبار في وسائل الإعلام السودانية عن ترحيل ألفي اثيوبي من المدينة بسبب اصابتهم بالايدز وفيروس التهاب الكبد الوبائي.

 (الطريق) سعت من خلال هذا التحقيق لتقصي اسباب وجذور حملة المضايقات التي يتعرض لها الاثيوبيين في مدينة الدبة، وعددهم بالمدينة وعن الإجراءات الطبية التي اخضعوا لها، ومدي قانونية الاجراءات الطبية والقانونية التي واجهوها.

حملة اللجان الإدارية:

منذ منتصف العام الحالي، تحركت اللجان الإدارية لأربعة أحياء بمحلية الدبة، وهي حي الاتحاد ، وحي الامتداد، وحي النصر، وحي الغربي والشاطئ، والتي يترأسها أعضاء بارزون في حزب المؤتمر الوطني بمحلية الدبة، وكتبت مذكرة تخاطب فيها رئيس لجنة الأمن بالمحلية، وتطالبه بـ”منع” الاثيوبيات من مزاولة مهنة بيع الشاي في أسواق مدينة الدبة، وارجعت اللجان الادارية تبريرها لاتخاذ هذا القرار بأن الاثيوبيات “يضايقن بائعات الشاي السودانيات في عملهن”، و “يدن بالديانة المسيحية”، ومعظمهن “فتيات غير متزوجات” يفتِنّ الشباب. ولم تقتصر مطالبات اللجان الادارية علي إجلاء الاثيوبيات فقط، انما طالبت تلك اللجان بإبعاد السيدات من جنوب السودان، وتحصلت (الطريق) علي وثيقة تنشرها في هذا الملف، تُعدد أسباب منع الاثيوبيات من العمل بسوق الدبة.

مضايقات إدارية وقانونية:

انعكست تلك المطالبات بدءاً في مضايقات إدارية وقانونية متعلقة بالعمل، إذ يطلب من اي اثيوبي في مدينة الدبة بدفع حوالي (1030) جنيهاً، منها (400) جنيه لرخصة العمل، و(270) للكرت الصحي، و(300) جنيها لبطاقة الإقامة، بجانب (60) جنيهاً للفحص الطبي الإجباري للايدز والتهاب الكبد الوبائي.

إعتقالات وفحص طبي إجباري:

تطورت المضايقات والحملات التي قادتها اللجان الادارية وأعضاء حزب المؤتمر الوطني، وخطباء المساجد إلي اعتقالات للشباب والشابات الاثيوبيات في المدينة.

وفي يوم 12 نوفمبر الحالي، تحركت قوة من الشرطة والمباحث بمحلية الدبة، وقامت باعتقال حوالي 17 فتاة اثيوبية، واخضعتهن إجبارياً لإجراء فحوصات للإيدز وفيروس الكبد الوبائي!.

وقام مدير المعمل بمستشفي الدبة بتسليم نتائج الفحص لعناصر الشرطة، الذين أفشوا بدورهم نتائج الفحص للجان الإدارية، فقامت اللجان الادارية بمحليات الدبة بنشر الخبر علي نطاق واسع علي مواقع التواصل الاجتماعي، وطالبت ائمة المساجد بالتحدث في منابرهم ومطالبة المواطنين بعدم استخدام الاثيوبيين، وطردهم من المنازل التي يستأجرونها.

أئمة المساجد والتوقيعات:

في يوم الجمعة الماضية، كتبت اللجان الادارية لأئمة المساجد بالمدينة خطاباً طلبت منهم تلاوته عقب صلاة الجمعة، وقد فعل بعض الأئمة، ومن ثم شرعت اللجان الادارية في جمع توقيعات من المواطنين علي عريضة تطالب بإجلاء جميع الاثيوبيين من المدينة.

كما شرعت في الوقت نفسه، للترويج لشائعة مفادها ان جميع الاثيوبيين الموجودين بالمدينة مصابين بالايدز والتهاب الكبد الوبائي، وحذروا المواطنين عبر عدة منابر، من التعامل مع الاثيوبيين، بل والمشاركة في “طردهم” من المدينة.

وبحسب، “هايلو” الاثيوبي المقيم بمدينة الدبة (والذي تحفظ علي ذكر اسمه الحقيقي)، فان الاثيوبيين بمدينة الدبة اصبحوا يعانون من التمييز والمعاملة غير الكريمة بسبب اثارة الكراهية ضدهم من قبل مسئولين وقياديين بالحزب الحاكم وخطباء مساجد وصحف، وقال هايلو لـ(الطريق)، ” ونحن نسير في الشوارع نسمع صياح الناس : أنتم المصابين بالايدز ، الله لا جاب باقيكم”، ويضيف، “تعرضنا ونتعرض لمضايقات عديدة وصلت الي حد مطالبتنا باخلاء المنازل التي نستأجرها”، ويواصل هايلو افاداته بالقول، ” لم اعد قادراً علي العيش في هذه المدينة، لذا قررت أن اجمع افراد اسرتي واقاربي ونرحل من هنا لاي مكان آخر … لا يفرق بين الانسان والانسان، ولا نتعرض فيه لمثل هذا الظلم”.

ويتسائل هايلو ، بأسي قائلاً،” كيف يمكنني العيش هنا بعد الآن ؟، والناس في الشوارع وأماكن العمل يلاحقونني بهتاف واحد: انت حبشي عندك ايدز”.

المعمل الذي تمت به إجراءات الفحص الطبي علي الاثيوبيين!
المعمل الذي تمت به إجراءات الفحص الطبي علي الاثيوبيين!

كيف تمت إجراءات الفحص؟

تطابقت روايات “هيمانوت”، و”هايلو” وعدد من الاثيوبيين الذي التقتهم (الطريق) بسوق مدينة الدبة، عن انهم اعتقلوا جماعياً من أماكن عملهم بالسوق، وتم اقتيادهم الي معملين بالمدينة، احدهما بالقرب من المستشفي، والآخر شرقي المدينة، واخضعوا اجبارياً لاجراءات فحص طبي، ومن ثم اعتقلت السلطات بعضهم واطلقت سراح آخرين.

توجهت (الطريق) إلي مستشفي الدبة الحكومي ، سألنا عن المدير الطبي للمشفي فأبلغونا بانه لايوجد مدير طبي، والشخص المسئول هو اخصائي النساء والتوليد بالمستشفي الذي يشغل في الوقت نفسه منصب المدير العام، معاوية بشارة الملك، الذي وجهنا بدوره للتحدث مع مدير المعمل بالمستشفي.

 ومدير المعمل بمستشفي الدبة ايضاً يملك ويدير، في ذات الوقت، معملا خاصا خارج المستشفي وهو الذي اجريت به عمليات الفحص.

قال مدير المعمل، واسمه ابنعوف، لـ(الطريق)، ان قوة من الشرطة أحضرت لمعمله (17) فتاة اثيوبية لإجراء فحص الايدز والتهاب الكبد الوبائي عليهن، وانه قام بفحصهن جميعاً، ووجد من بينهن حالة إصابة واحدة بفيروس الايدز والتهاب الكبد الوبائي معاً، وست حالات اصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي، وأبلغنا بأن هنالك معامل اخري اجرت الفحص.

ذهبنا للمعمل الآخر، ويقع علي الجانب الشرقي من سوق المدينة، وبالقرب من مبني رئاسة محلية الدبة، قال الاخصائي بالمعمل، واسمه بهاء الدين، انه قام بفحص (50) شخصاً بين يومي الثلاثاء 18 نوفمبر والاثنين 24 نوفمبر الحالي، وقال من بين جميع هذه الحالات التي أخضعت للفحص ، وجد ان هنالك ثلاث حالات إصابة بالايدز واربعة حالات إصابة بالتهاب فيروس الكبد الوبائي (سي) وحالة واحدة مصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي (بي).

وعلي الرغم من ان اجراءات الفحص الطبي تتم بموافقة الشخص الذي يخضع للفحص، ولا يتم الكشف عن النتيجة إلا للشخص نفسه او لمرافقه ، إلا ان مديرا المعملين الذين أجريا الفحوصات علي الاثيوبيين، قالا لـ(الطريق)، ان جميع الاشخاص الذين اخضعوا للفحص تم إحضارهم بواسطة جهاز الامن والمخابرات والشرطة، وان سلطات الأمن والشرطة تسلمت نتائج الفحص التي اجريت بمعاملهم.

وعلمت (الطريق) ان الأشخاص المصابين تم اخبارهم بنتيجة الفحص الطبي أمام حشد من الجنود، الأمر الذي أدخل بعضهم في حالة من الصدمة وفقدان الوعي.

وانتقد أطباء وحقوقيون تحدثت إليهم (الطريق) عمليات الفحص الإجباري، وقالت طبيبة فضلت حجب اسمها ، ” ان الفحص الاجباري فيه انتهاك لحقوق المصاب، كما ان الكشف عن نتائج الفحص لغير المصاب ايضاً ينتهك اخلاقيات وقوانين مهنة الطب”.

وقال قانوني، يجب فتح بلاغات في مواجهة اصحاب المعامل والشرطة والأمن بالمدينة، مثلما يجب مقاضاة الاشخاص الذين قادوا حملة التحريض ضد الاثيوبيين.

ماهو جهاز الفحص؟

استخدمت معامل محلية الدبة، شريحة تدعي (Rapid Test) لإجراء الفحص الطبي علي الاثيوبيين، وهذه الشريحة، بحسب خبراء في المعامل الطبية، لا يمكن ان تثبت نتيجة فحص الايدز بصورة موثوقة. وانها تستخدم فقط للفحص الاولي، وربما تظهر نتيجة يطلق عليها (false-positive) اي نتيجة غير حقيقية أو غير دقيقة. ولتأكيد نتيجة الاصابة بفيروس الايدز – يري خبراء في المعامل – بأنه لا بد من  الفحص بواسطة تقنية تسمي ” الإيلايزا” وهذه التقنية غير متوفر في السودان إلا في معمل (استاك)، ومعامل أخري محدودة.

التقنية المستخدمة في الفحص لا تعطي نتائج موثوقة
التقنية المستخدمة في الفحص لا تعطي نتائج موثوقة

مدي قانونية إجراءات الإبعاد ؟

لمتابعة مدي قانونية إجراءات إبعاد الاثيوبيين من مدينة الدبة، تحدثت (الطريق) الي مسئولين ومواطنين سودانيين واثيوبيين بالمدينة. وكانت وجهتنا الاولي، لادارة الجوازات. فقال مسئول بإدارة السجل المدني والجواز التابعة لشرطة محلية الدبة، لـ(الطريق) ان إدارته تعمل علي تقنين “الوجود الاجنبي” بالمدينة، وتقوم باستخراج بطاقات وتسجل ملفات باسماء الاثيوبيين العاملين في الاماكن التجارية والمنازل.

وأفاد المسئول – الذي طلب عدم ذكر اسمه – ان عدد الاثيوبيين المسجلين رسميا في سجلات ادارته يبلغ (150) اثيوبياً.

وقال ان عدد الذين تم ترحيلهم بعد صدور حكم قضائي يبلغ عددهم (6) أشخاص، وجميعهن فتيات، واكدت مصادر اهلية ذات العدد.

إلا ان مسئول بالجهاز القضائي بمدينة الدبة، قال لـ(الطريق)، ان السلطات المحلية بالمدينة ألقت القبض علي حوالي (17) شابة اثيوبية – الاسبوع الماضي – واجرت عليهن فحص معملي للايدز والتهاب الكبد الوبائي، واظهر الفحص ان هنالك حالات اصابات بالايدز والتهاب الكبد الوبائي، وعقب نتائج الفحص قامت الشرطة بتدوين بلاغات في مواجهة المصابين وقدمتهم للمحاكمة، فقضت المحكمة بابعاد (10) فتيات.

وعلمت (الطريق)، من مصادرها ان قاضي محكمة الدبة الجزئية، اسامة فقيري عالم، أصدر حكما بإبعاد (10) اثيوبيات، بناء علي نتيجة الفحص الطبي الذي تم اجراءه عليهن إجبارياً.

وعلي الرغم من ان مدير شرطة محلية الدبة، العقيد امير عبد المنعم الباشا، رفض الإدلاء بتصريحات حول عدد المبعدين، إلا ان مصادر من داخل إدارة السجل المدني والجوازات كشفت لـ(الطريق)، ان عدد المبعدين هو (6) ، بينما صدر الحكم القضائي، بحسب مصادر بالسلطة القضائية، بإبعاد (10) أشخاص.

ماذا قال المسئولين بمحلية الدبة ؟

في سعيها لتقصي أسباب ابعاد الاثيوبيين من مدينة الدبة، تحدثت (الطريق)، للمدير التنفيذ لمحلية الدبة، ورئيس لجنة الامن بالمحلية، أحمد الشفيع المقبول، الذي قال ان عدد الاثيوبيين الذين تم ترحيلهم من المحلية بأمر قضائي يبلغ (6) اشخاص، وان اجراء الفحص تم علي (15) فتاة اثيوبية.

رئاسة محلية الدبة
رئاسة محلية الدبة

وقال الشفيع، ان الشرطة دونت بلاغات في مواجهة ال(6)، وتم ترحيلهن بناء علي الامر القضائي الصادر بحقهن، وقال ان هنالك حوالي (150) اثيوبياً مقيدين رسمياً في سجلات محليته.

وعلي الرغم من انه نفي ان تكون هنالك اجراءات فحص طبي تمت للسودانيين والسودانيات العاملين في الكافتيريات والمقاهي، إلا انه قال ان اجراء الفحص هو عمل روتيني تقوم به السلطات الصحية بمحليته، وهذا ما يشير إلي اجراءات تعسفية وتمييزية في مواجهة الاثيوبيين والاثيوبيات بمحلية الدبة.

وقال الشفيع، ان اجراءات الفحص مستمرة، وستستمر . واذا ثبت اصابة اي “اجنبي” سيتم إبعاده إلي بلده.

وعن إجراءات الإبعاد التي تمت للفتيات الستة، قالت السلطات المحلية بمدينة الدبة ان الفتيات تم ترحيلهن بواسطة إدارة الجواز والسجل المدني التابعة لشرطة محلية الدبة، وتم تسليمهن إلي السفارة الاثيوبية بالخرطوم، لكن السفارة الاثيوبية بالخرطوم نفت لـ(الطريق)، تسلمها لأي من مواطنيها قادماً من محلية الدبة!… أين ذهبت المُبعدات الستة؟ هذه قضية أخري!.

يحكي من تبقي من الاثيوبيين بمدينة الدبة، بمرارة عن المضايقات التي يتعرضون لها، والمعاملة غير اللائقة جراء الوصمة الاجتماعية التي ألحقتها بهم السلطات الحكومية، واللجان الادارية, وحتي أئمة المساجد وبعض الناس في الشوارع، وكذلك الصحف التي تداولت خبر الاصابة بالايدز والتهاب الكبد الوبائي.

ويتمدد الأسي في وجوه العشرات الذين حزموا امتعتهم طوعاً، واعينهم ممتلئة بالدمع وغادروا المدينة التي لم يعد لها قلب رحيم ، لتروي مأساتهم تلك حكاية ظلم الإنسان لأخيه الإنسان …!

خطاب اللجان الإدارية بمحية الدبة لرئيس لجنة الأمن بالمحلية
خطاب اللجان الإدارية بمحية الدبة لرئيس لجنة الأمن بالمحلية

 

الخطاب ممهور بتوقيعات رؤساء اللجان الادارية بالمحلية وأختامها
الخطاب ممهور بتوقيعات رؤساء اللجان الادارية بالمحلية وأختامها

 

تحقيقات الطريق 

 

 

إثيوبيون في (الدبة) .. تفاصيل رواية ظُلم الإنسان!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/11/2-300x177.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/11/2-95x95.jpgالطريقتحقيقاتالعدالة,حقوق إنسانحزمت 'هيمانوت' أمتعتها وآمالها بحياة أفضل وغادرت بلدها اثيوبيا، بعد ان ضاقت بها سبل العيش هناك، اتجهت الي البلد القريب شرقاً السودان، وظلت تتنقل بين مدنه وبلداته بحثاً عن لقمة العيش الكريم، إلي ان استقر بها المقام في بلدة نائية بشمال السودان: مدينة الدبة. وفي الدبة بدأت 'هيمانوت' حياتها الجديدة،...صحيفة اخبارية سودانية